ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للثقافة والتراث أن يصبحا محورين أساسيين في بناء القدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ، من خلال دمج المعرفة التقليدية والحكم التشاركي والتعاون بين القطاعات في استراتيجيات التكيّف. يستعرض المقال أمثلة عالمية — من ترميم الدرعية في السعودية إلى محكمة مياه فالنسيا في إسبانيا ومتنزه تكسكوكو البيئي في المكسيك — تُظهر كيف يمكن للهوية الثقافية والممارسات المجتمعية أن تحمي البيئة وتدعم التنمية المستدامة، مؤكداً أن مؤتمر المناخ القادم (COP30) يمثل فرصة لتحويل هذه المبادئ إلى أفعال ملموسة تُوحّد الإنسان والطبيعة في مواجهة التحديات المناخية.
- تُعدّ التراث الثقافي والمعرفة المحلية أدوات قوية لكنها غير مستغلة بما يكفي لتعزيز القدرة على الصمود، إذ تُسهم في تقوية المجتمعات المحلية ودعم الاستراتيجيات الوطنية لمواجهة تغيّر المناخ.
- إن دمج الثقافة في التخطيط والإدارة البيئية يعزز الترابط الاجتماعي، ويُسهم في استعادة النظم البيئية، وبناء مدن قادرة على التكيّف المناخي.
- ويعتمد تحويل المعرفة الثقافية إلى عمل فعّال على الحوكمة التشاركية، والتعاون بين القطاعات، والتنفيذ المحلي المتكيف مع السياقات المختلفة.
ومع تصاعد المخاطر المناخية على مستوى العالم، بدأت الثقافة تبرز كأداة رئيسية لتعزيز القدرة على التكيّف في المجتمعات المحلية وعلى المستوى الوطني.
فمن خلال دمج التراث، والمعرفة التقليدية، وروح الحِفاظ المجتمعي، تستطيع المدن والدول تعزيز قدراتها على التكيّف مع التغيرات، وتحقيق الأهداف المناخية العالمية، وتصميم حلول تجديدية تربط بين الإنسان والمكان والنظام البيئي.
إلا أن الثقافة ما تزال غير مدمجة بالشكل الكافي في سياسات المناخ والتخطيط والتمويل، مما يحدّ من فعالية جهود التكيّف وشمولها.
وقد أثبتت التجارب حول العالم أن دمج الهوية الثقافية في خطط التكيّف يعزز القدرة على الصمود — كما في مشاريع الترميم المجتمعية في أحياء ريو دي جانيرو الفقيرة بالبرازيل، أو في حماية مواقع التراث المايا على سواحل المكسيك.
النشاط الاقتصادي القائم على التراث آخذ في النمو؛ إذ يُتوقّع أن تصل قيمة سوق السياحة التراثية إلى 903 مليارات دولار بحلول عام 2033. وفي إنجلترا وحدها، ساهم القطاع بنحو 45 مليار جنيه إسترليني عام 2022، موفراً أكثر من 500 ألف فرصة عمل.
وتُظهر الدراسات أن المعرفة الأصلية والتقليدية تُعدّ محوراً أساسياً، لكنها ما تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي. فـالشعوب الأصلية، رغم أنها تمثل أقل من 5% من سكان العالم، تقوم بإدارة أكثر من 80% من التنوع البيولوجي العالمي، ما يؤكد الدور الجوهري للمعرفة التقليدية وحقوق الأراضي في الحفاظ على النظم البيئية القادرة على الصمود.
وقد وجد تقرير عام 2024 أن هذه المعرفة تُعتبر عنصراً أساسياً في التكيّف، خصوصاً في أنظمة الإنذار المبكر والزراعة المستدامة.
المرونة الحضرية القائمة على الثقافة
تواجه المدن اليوم منعطفاً حرجاً؛ فالتوسع الحضري السريع والمخاطر المناخية وعدم المساواة الاجتماعية تهدد البنية التحتية والنظم البيئية والهوية الثقافية.
وتُقدّر اليونسكو أن موقعاً تراثياً من بين كل ستة مواقع مهدد فعلاً بمخاطر متعلقة بالمناخ، مثل الفيضانات وتآكل السواحل وحرائق الغابات وموجات الحر الشديدة، وأن 70% من هذه المواقع تقع في المناطق الحضرية، ما يزيد من هشاشتها.
ومع ذلك، يحمل التراث حلولاً قوية للمناخ، إذ تتعامل المدن القائمة على الثقافة مع نفسها كمناظر طبيعية حية، تتشكل من الذاكرة والهوية والعمليات البيئية.
إن دمج التراث في التخطيط الحضري يعزز الترابط الاجتماعي والإشراف المحلي، ويُمكّن من حماية النظم البيئية والتقاليد الضرورية لاستدامة المرونة على المدى الطويل.
إدماج الثقافة في العمل المناخي
أصبحت المعرفة البيئية التقليدية معترفاً بها بشكل متزايد في الأطر العالمية.
فـمنصة المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC) تعمل على دمج هذه المعرفة في عمليات التكيّف.
كما أن الهدف العالمي للتكيّف بات يولي الهوية الثقافية أهمية إلى جانب القدرة التكيفية والهشاشة والمرونة.
وتسعى شراكات عالمية مثل مجموعة أصدقاء العمل المناخي القائم على الثقافة وإطار الإمارات العالمي للمرونة المناخية إلى إدماج الثقافة في استراتيجيات التكيّف.
وتشمل المبادرات المكملة مثل إطار الإمارات العالمي للمرونة المناخية أهدافاً ثقافية وبيئية وهيكلية، مع تتبع إدارة نظم المعرفة.
كما أن مبادرات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ 2025 (COP30) تعمل على متابعة إدماج التراث في السياسات المناخية العالمية.
وتسهم مشاريع مثل إزالة الكربون من البيئة المبنية من خلال التراث في دمج المعرفة التقليدية والممارسات التاريخية ضمن سياسات خفض الانبعاثات، فيما تساعد مؤشرات الثقافة 2030 التابعة لليونسكو على قياس مساهمة الثقافة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويؤكد البرنامج العالمي للبحث والعمل حول الثقافة والتراث وتغيّر المناخ على أهمية التعاون بين العلماء وصناع السياسات وحَمَلة المعرفة المحلية والأصلية لضمان أن تكون الحلول مُراعية للسياق، ذات معنى ثقافي، ومبنية على أسس بيئية صحيحة.
ورغم ذلك، لا تزال فقط 20 من أصل 65 دولة تدرج التراث الثقافي في خططها الوطنية للتكيّف.
رؤى من تحالف "باوكولتور" في دافوس
يُبرز تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي "من المبادئ إلى الممارسة: مقاربات للثقافة المعمارية عالية الجودة" أربع استراتيجيات توضّح كيف يمكن للعمل المناخي القائم على الثقافة أن يحمي الفضاءات والممارسات والهويات الثقافية، ويُعزز في الوقت نفسه المرونة المناخية:
تسخير المعرفة الأصلية والتقليدية لتطوير مدن مرنة مناخياً، من خلال استخدام تقنيات منخفضة التأثير مثل البيوت على أعمدة الخشب أو البناء بالتربة المدكوكة، وهي ممارسات تقليدية تقلل الانبعاثات وتعزز الاستدامة.
دمج التراث والمعرفة في الحوكمة واستخدام الأراضي والإشراف البيئي، بحيث تعكس الاستراتيجيات التاريخ المحلي والممارسات البيئية التقليدية.
استخدام السرد القصصي والتصميم لإشراك المجتمعات وتحفيز العمل المنهجي، عبر القصص الشفوية أو التجارب التفاعلية أو التصاميم المستقبلية التي تجعل قضايا المناخ مفهومة ومؤثرة.
التعاون بين القطاعات — الحكومية والخاصة والمجتمع المدني — لإيجاد حلول مشتركة تمزج المعرفة الأصلية بالحفاظ البيئي والانخراط التجاري من أجل استعادة النظم البيئية وتعزيز الصمود.
تربط هذه المقاربات العمل المحلي بالمبادرات العالمية، مظهرة أن الثقافة يمكن أن تكون محركاً ومؤشراً للقدرة على الصمود.
مدن تقود التحول عبر الثقافة
تُظهر المدن والمجتمعات حول العالم كيف يمكن للعمل المناخي القائم على الثقافة أن يُحوّل الناس والأماكن:
في بارانكيا، كولومبيا، جمع مشروع غران ماليكون بين الوقاية من الفيضانات وإنشاء ممرات خضراء وتنشيط الفضاءات التراثية عبر الاحتفالات والفنون العامة. شاركت المجتمعات المحلية في التصميم، مما عزّز روح المسؤولية الجماعية وحوّل المشروع إلى مساحة نابضة ثقافياً وبيئياً.
في وادي سولا بهندوراس، طوّر برنامج Build Change مساكن مقاومة للمناخ، أُعيد تأهيلها لتشمل طوابق آمنة من الفيضانات، وألواح طاقة شمسية، وأنظمة حصاد مياه الأمطار، مع الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع.
في بوابة الدرعية بالسعودية، يجري الحفاظ على العمارة النجدية باستخدام تقنيات مستدامة وتدريب الحرفيين المحليين، ما يُظهر كيف يمكن للتنمية القائمة على التراث أن تُعزز الاستدامة والمهارات والهوية الوطنية.
بهذه الأمثلة وغيرها، يتضح أن الثقافة ليست مجرد موروث من الماضي، بل هي مورد استراتيجي لبناء مستقبل أكثر صموداً واستدامة.
منظر لأنقاض مدينة الدرعية التي تخضع حالياً لأعمال الترميم، تبعد نحو 20 كيلومتراً (12 ميلاً) غرب الرياض – 20 سبتمبر 2012. تمتزج ألوان جدران الطين بدرجاتها الكراميلية مع رائحة الغبار الممزوج بالماء، وصوت الطرقات الخافت على الحجارة في أرجاء الدرعية المتداعية، في مشهد لا ينتمي إلى ماضي السعودية الفقير، بل إلى مشروع ترميم تبلغ كلفته ما لا يقل عن 133 مليون دولار. في هذه المدينة، برزت أسرة آل سعود إلى الحكم للمرة الأولى، ومن خلال تخليد أطلالها، تحتفي السلطات بسرد تاريخ وطني يضع الأسرة الحاكمة وحلفاءها من رجال الدين في صدارة المشهد.
الصورة: رويترز / فهد شديد
في فالنسيا بإسبانيا، لا يزال محكمة مياه فالنسيا، المعترف بها من قبل اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للبشرية، تدير نظام الري منذ أكثر من ألف عام من خلال نظام شفهي يقوده المجتمع المحلي. هذا النموذج الفريد يوازن بين توزيع المياه والإنتاجية والتماسك الاجتماعي، ليجسد كيف يمكن للمعرفة التقليدية أن تدعم المرونة الحديثة في مواجهة التحديات البيئية.
أما في مدينة مكسيكو، فقد حوّل مشروع متنزه بحيرة تكسكوكو البيئي موقع مطار أُلغي بناؤه إلى أراضٍ رطبة تمتد على مساحة 14,300 هكتار. أعاد المشروع ترميم المواطن الطبيعية، وطبّق إجراءات للحد من الفيضانات، وحافظ على الأهمية التاريخية للمكان، في الوقت نفسه الذي دعم فيه أنشطة الترفيه والتعليم وسبل العيش المستدامة.
منظر عام يُظهر أجزاء من هيكل مبنى محطة طيران في موقع بناء مهجور لمطار مدينة مكسيكو، الذي تم إلغاؤه قبل عامين، وقد غمرته أمطار الصيف في تكسكوكو بضواحي العاصمة مكسيكو، المكسيك – 3 سبتمبر 2020.
الصورة: رويترز / كارلوس جاسو
عبر هذه الأمثلة، تبرز دروس رئيسية مهمة:
إن الحوكمة التشاركية تعزز الملكية المحلية، والمعارف الأصلية والتقليدية تقوّي المرونة البيئية والاجتماعية والثقافية، في حين أن التعاون بين القطاعات يضاعف الأثر الإيجابي.
تُظهر هذه المشاريع أن التدخلات القائمة على الثقافة يمكن توسيع نطاقها بنجاح عندما يتم تكييفها مع السياقات المحلية، بما يضمن حماية التراث والبيئة معاً.
التنفيذ، الشمول، والابتكار
تعمل المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية وحَمَلة المعرفة التقليدية بالفعل في طليعة العمل المناخي من خلال ممارسات الأراضي التجديدية، والسرد القصصي البيئي، والتصميم المستدام، والمشاركة المجتمعية النشطة.
لكن هذه الجهود تحتاج إلى التزام سياسي طويل الأمد، واستثمارات مستدامة، ودمج الثقافة في أطر العمل المناخي العالمية.
يجب أن تكون الثقافة والتراث في قلب استراتيجيات الصمود، فهما قادران على تجديد النظم البيئية وتمكين المواطنين من قيادة التغيير.
ومع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30) في مدينة بيليم بالبرازيل، يتمثل التحدي في الانتقال من المبادئ إلى الممارسة — أي تحويل الطموحات العالمية إلى أفعال ملموسة من خلال دمج المعرفة المحلية والتقليدية في الخطط المناخية الوطنية والعالمية.
فالنجاح يعتمد على تنفيذ فعلي يُحقق النتائج، وشمول يرفع أصوات المجتمعات، وابتكار يحترم التراث الثقافي ويستفيد من النظم البيئية.
سيكون مؤتمر COP30 فرصة لإثبات أن أقوى أشكال الصمود تتحقق عندما تتحد المعرفة الثقافية والمجتمعات والأنظمة البيئية في عمل مشترك يربط الماضي بالمستقبل.
