القائمة الرئيسية

هل ستفوز الصين بسباق الذكاء الاصطناعي؟

هل ستفوز الصين بسباق الذكاء الاصطناعي؟
ملخص المقال

منذ بداياته، كان الذكاء الاصطناعي مشروعًا عالميًا يتجاوز الحدود السياسية

[post-views]

ملخص: يتناول المقال الجدل الذي أثاره تصريح جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، بأن “الصين ستفوز في سباق الذكاء الاصطناعي”، موضحًا أن بكين تقترب من الولايات المتحدة بفارق ضئيل بفضل وفرة الباحثين والطاقة والدعم الحكومي الضخم. ويعرض المقال رؤيتين متعارضتين: الأولى، للأستاذ غريغ سلاباوغ، ترى أن الصين تتقدم بسرعة بفضل استراتيجيتها الوطنية واستثماراتها الهائلة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الضخمة، وأنها تملك مزيجًا فريدًا من البيانات والمواهب والتخطيط المركزي يؤهلها لتصبح القوة الأولى عالميًا. أما الثانية، للباحث شون كينجي ستارز، فتؤكد أن الفجوة لا تزال هائلة، إذ تحتكر الولايات المتحدة الشركات الكبرى والقدرة الحاسوبية المتقدمة بفضل تفوقها في الشرائح والتكنولوجيا والبنية التحتية العالمية، ما يجعل السباق غير متكافئ. ويخلص المقال إلى أن المنافسة بين القوتين تعكس تحولًا من “العولمة المفتوحة” إلى صراع على الهيمنة التكنولوجية، حيث بات الذكاء الاصطناعي محور النفوذ العالمي القادم.

في قمة الذكاء الاصطناعي التي أُقيمت في لندن، قال جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia — أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية — إن:

“الصين ستفوز في سباق الذكاء الاصطناعي.”

هوانغ، المولود في تايوان، يرى أن الصين تقترب من الولايات المتحدة بفارق “نانوثوانٍ” فقط، وأنها في موقع ممتاز لتجاوزها قريبًا.
ويعزو ذلك إلى تفوقها في الطاقة ووفرة الباحثين في الذكاء الاصطناعي، وإلى أن الحظر الأمريكي المفروض على تصدير الشرائح المتقدمة إلى الصين قد يكون حافزًا إضافيًا يدفع بكين إلى سدّ الفجوة التقنية بشكل أسرع.

لاحقًا خفف هوانغ من لهجته قليلًا، مؤكدًا أن أمريكا لا تزال قادرة على الفوز، لكنه فتح بابًا واسعًا للتساؤل حول من سيحكم المستقبل الرقمي للعالم.

فيما يلي رؤيتان متقابلتان لخبيرين حول سؤال واحد: هل يمكن أن تنتصر الصين في سباق الذكاء الاصطناعي؟

نعم

غريغ سلاباوغ، أستاذ الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي في جامعة كوين ماري – لندن

منذ بداياته، كان الذكاء الاصطناعي مشروعًا عالميًا يتجاوز الحدود السياسية، فالأوراق البحثية والنماذج مفتوحة المصدر والبيانات المشتركة تتنقّل بحرية، والاختراقات العلمية غالبًا ما تأتي من التعاون بين باحثين من دول مختلفة. ومع ذلك، بدأت الصين تفرض حضورها البحثي في بعض المجالات المهمة.

خذ مثلًا مجال الرؤية الحاسوبية — وهو العلم الذي يمكّن الآلات من فهم الصور ومقاطع الفيديو وتحليلها، ويُستخدم في السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات، والتصوير الطبي، وأنظمة المراقبة.

في المؤتمر الدولي للرؤية الحاسوبية (ICCV) الذي انعقد في هاواي عام 2025 — أحد أهم المؤتمرات في هذا المجال — كان نصف الباحثين المشاركين من مؤسسات صينية، مقابل 17٪ فقط من الولايات المتحدة. ولو أضفنا الباحثين الصينيين العاملين في الخارج، لكان الفارق أوسع.

وبناءً على هذا المؤشر وحده، يمكن القول إن الصين قد فازت بالفعل في مضمار الأبحاث المتقدمة في الرؤية الحاسوبية، أحد أكثر فروع الذكاء الاصطناعي تطورًا وسرعة.

هذا التفوق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي طويل المدى. ففي عام 2017، أطلقت بكين “خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي”، وهي استراتيجية وطنية تهدف إلى جعل الصين الزعيم العالمي للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وقد دعمت الدولة هذا الهدف باستثمارات هائلة موجهة ومدروسة.

ففي عام 2024، أطلقت الصين صندوق الإرشاد القومي لرأس المال الاستثماري بقيمة 138 مليار دولار، لتوجيه التمويل نحو القطاعات “الصلبة” مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية. وإلى جانب ذلك، تدير الحكومات الإقليمية والمؤسسات الحكومية عشرات الصناديق التي تشارك القطاع الخاص في الاستثمار، ما يخلق منظومة مالية منسّقة قادرة على تحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية بسرعة مذهلة.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتفوق في بعض المجالات الأساسية مثل الاستثمار الخاص (أكثر بـ12 مرة)، والنماذج التأسيسية، وتصميم الرقائق المتقدمة التي تقودها شركات مثل Nvidia، فإن الصين تسدّ الفجوة بسرعة.
فالنهج الصيني — القائم على السياسات الصناعية الموجهة من الدولة بدلاً من الاعتماد الكامل على قوى السوق — يمكّنها من تنسيق البحث العلمي والبنية التحتية والصناعة بطريقة أكثر كفاءة من النموذج الغربي المتعدد المراكز والمصالح.

مدن مثل بكين وشانغهاي وشينزن أصبحت تحتضن ما يسمى بـ“مصانع الذكاء الاصطناعي”، وهي مراكز ضخمة للحوسبة توفر الطاقة الحاسوبية للأبحاث والشركات معًا. وشركات عملاقة مثل هواوي وعلي بابا وبايدو، وانضمت إليها مؤخرًا ديب سيك (DeepSeek)، تطور نماذج لغوية ضخمة وأجهزة منافسة للعتاد الأمريكي.

ورغم القيود المفروضة على تصدير الرقائق الأمريكية المتقدمة، فإن الباحثين الصينيين يبتكرون خوارزميات أكثر كفاءة للعمل على الأجهزة المحلية الأقل تطورًا، وهو ما يعكس القدرة على الإبداع في ظل القيود.

أما الميزة الكبرى للصين فهي الحجم. فبفضل سكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة ومنصاتها الرقمية الضخمة، تولّد الصين كمية بيانات لا تضاهيها أي دولة أخرى، وهو ما يمنحها تفوقًا في تدريب النماذج وتحسينها.

إلى جانب ذلك، أصبحت الصين اليوم المُصدّر الأكبر لحملة الدكتوراه في العلوم، ما يعني أن لديها خزانًا هائلًا من العقول والخبرات لاستدامة زخم التقدم في الذكاء الاصطناعي.

إن وفرة البيانات والمواهب والاستثمار المنسّق تخلق حلقة تسارع ذاتية، تُغذي البحث العلمي والتطبيق الصناعي في آنٍ واحد.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتحقق ما تنبأ به هوانغ: الصين تملك فعلاً المقومات لتصبح القوة الأولى عالميًا في تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقه.

لكن، من المهم ألا نرى هذا السباق كصراع صفري بين الفائز والخاسر. فالتقدم الحقيقي سيأتي من التعاون المسؤول والمنفتح بين الدول، إلى جانب سياسات حكيمة تضبط استخدام التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام وتمنع إساءة استغلالها.

وربما يكون النظر إلى الذكاء الاصطناعي كـ “سباق مشترك نحو تقدم البشرية” هو السبيل الوحيد لنتقدم جميعًا بخطى أسرع وأذكى.

لا

شون كينجي ستارز، محاضر في التنمية الدولية – كلية كينغز في لندن

قبل أن نتحدث عن تفوق الصين المحتمل، علينا أن ندرك مدى اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وبقية العالم. فحتى نوفمبر 2025، تحتكر أمريكا جميع الشركات العشر الأولى عالميًا في الذكاء الاصطناعي من حيث القيمة السوقية، إضافة إلى 37 من أصل 50 شركة كبرى.

تتصدر القائمة شركة Nvidia التي أصبحت أول شركة في التاريخ تتجاوز قيمتها خمسة تريليونات دولار قبل أيام فقط من تصريح هوانغ.

أما الصين، فلديها أربع شركات فقط ضمن الخمسين الأوائل — العدد نفسه الذي تملكه إسرائيل.
ولا تشمل القائمة شركاتها غير المدرجة مثل ديب سيك (DeepSeek) التي تُقدّر قيمتها بـ15 مليار دولار، لكنها تظل صغيرة مقارنة بعمالقة أمريكيين غير مدرجين مثل OpenAI (500 مليار دولار) وAnthropic (183 مليارًا) وDatabricks (100 مليار).

الاختلاف الحقيقي بين القوتين يظهر في القدرة الحاسوبية المخصّصة للذكاء الاصطناعي (AI Compute).
فالولايات المتحدة تمتلك نصف القدرة الحاسوبية العالمية تقريبًا — 39.7 مليون بيتافلوب — بينما تأتي الصين في المركز السابع عالميًا بـ 400 ألف بيتافلوب فقط، أي أقل من الهند التي تمتلك 1.2 مليون.

ويرجع هذا التفاوت إلى الحظر الأمريكي على تصدير الرقائق المتقدمة من شركتَي Nvidia وAMD إلى الصين. ورغم أن الأخيرة تمتلك 46٪ من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، فإنها تفتقر إلى الشرائح التي تمنح هذه المراكز قوتها الحقيقية.

صحيح أن شركة DeepSeek الصينية استطاعت في مطلع 2025 تطوير نموذج لغوي كبير بأداء مقارب للنماذج الأمريكية مستخدمة موارد محدودة، لكنها اعتمدت على مخزون من رقائق Nvidia جمّعته قبل دخول الحظر حيز التنفيذ.
كما كشفت تقارير أن الشركة حصلت سرًا على 50 ألف شريحة H100 — وهي من أكثر الشرائح تطورًا في العالم ولم يُسمح بتصديرها إلى الصين — رغم أن Nvidia نفت ذلك لاحقًا.
وفي سبتمبر 2025، اعترفت الشركة بأنها استخدمت بشكل غير مقصود بيانات مستخلصة من ChatGPT وClaude، ما يؤكد استمرار اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.

كل ذلك يعني أن السباق غير متكافئ إطلاقًا. فالولايات المتحدة تملك تفوقًا ساحقًا في الرقائق، والبنية التحتية، والتمويل، وهو تفوق سيزداد مع الوقت، لا العكس.
هذا السباق ليس سباق مئة متر، بل ماراثون طويل، والولايات المتحدة تركض فيه بأرجل من فولاذ، بينما الصين مقيدة بقيود ثقيلة.

حتى ميزة الصين في رخص الطاقة لا تمنحها أفضلية حقيقية، لأن رقائقها الأقل تطورًا تستهلك طاقة أكثر وتنتج أداء أقل مقارنة بشرائح Nvidia الحديثة.

إضافة إلى ذلك، تمتلك الشركات الأمريكية شبكات حوسبة ضخمة في دول حليفة مثل الإمارات والسعودية، اللتين توفران معًا أكثر من 30 مليون بيتافلوب من القدرة الحاسوبية. وقد شُيّدت هذه المراكز بواسطة شركات أمريكية مقابل التزام الدولتين بقطع التعاون التقني مع المنافسين الصينيين.

في النهاية، ما يريده هوانغ من تصريحه — كما يرى البعض — هو الضغط على الإدارة الأمريكية لرفع القيود عن تصدير رقائق Nvidia إلى الصين. لكنه يعلم أن هذا لن يحدث في ظل العالم الجديد الذي نعيش فيه، عالم “العولمة التكنولوجية القومية”، حيث باتت السيطرة على التقنيات المتقدمة قضية أمن قومي لا مجرد منافسة اقتصادية.

لقد انتهى زمن “التجارة الحرة” وبدأ زمن الهيمنة التكنولوجية.

ومهما كان طموح هوانغ في رؤية الصين تلحق بالولايات المتحدة، يكفيه أنه يقود أكثر شركة قيمة في التاريخ الحديث. وربما من الأفضل له أن يحتفل بهذا الإنجاز بدلًا من إطلاق تصريحات تحذيرية تخدم مصالحه التجارية.

فالسباق مستمر، لكنّ الفارق بين المتسابقين — حتى الآن — لا يُقاس بالنانوثواني، بل بعقود من التفوق العلمي والتقني.

المصدر

مقالات ذات صلة