ملخص: يستعرض المقال الجدل المتصاعد حول مكمّلات اللبأ (Colostrum) التي تروّج لها شركات مثل Lemme باعتبارها سرًّا للصحة والمناعة لدى البالغين، رغم أن هذا “الذهب السائل” صُمّم أساسًا لتلبية احتياجات الرضّع في أيامهم الأولى. يوضح المقال أن اللبأ غني بالأجسام المضادة والبروتينات، ما يجعله ضروريًا لحديثي الولادة، لكن فوائده لا تنطبق بالضرورة على البالغين ذوي الأجهزة المناعية والهضمية المتكاملة. ورغم وجود دراسات صغيرة تشير إلى دوره المحتمل في تحسين صحة الأمعاء أو دعم المناعة في حالات مرضية محددة، فإن الأدلة الحالية محدودة ولا تشمل الأشخاص الأصحاء. كما يبيّن المقال أن العديد من المنتجات تُضيف فيتامين D أو أليافًا بريبايوتية معروفة الفائدة أصلًا، وتستخدم عبارات دعائية مبهمة مثل “تعزيز المناعة” و“البشرة المتوهجة” دون أساس علمي واضح. ويخلص المقال إلى أن اللبأ يظل غذاءً فريدًا ومهمًا للرضّع، لكن لا يوجد دليل قوي يبرّر تسويقه كمكمّل سحري للبالغين — فالمبيعات تقوم على الوعد لا على البرهان العلمي.
يُطلق على اللبأ (Colostrum) غالبًا اسم “الذهب السائل”، وهو أول حليب تنتجه الأم خلال الأيام الأولى بعد الولادة. يتميز هذا الحليب بلونه الأصفر الكثيف وغناه بالأجسام المضادة والبروتينات والعناصر الغذائية.
يُعدّ اللبأ ضروريًا جدًا للرضّع لأن أجهزتهم المناعية لم تكتمل بعد، ومعدتهم الصغيرة لا تحتمل سوى كميات محدودة من الحليب. لذا، لا خلاف على فوائده للأطفال حديثي الولادة: إنه ببساطة مصدر حياة ومناعة لا غنى عنه.
لكن مؤخرًا بدأت بعض العلامات التجارية في عالم “الصحة” تسوّق اللبأ كمكمّل غذائي للبالغين. من بين هذه العلامات مجموعة Lemme التي تملكها كورتني كارداشيان باركر، والتي تبيعه على شكل علكات حلوة المذاق، وسوائل خالية من السكر، وكريمات يمكن إضافتها إلى القهوة أو العصائر.
من السهل فهم جاذبية الفكرة؛ فلبأ الأم يمتلك سمعة قوية في حماية الأطفال، ما يجعل كثيرين يظنون أنه سيمنح البالغين فوائد “خارقة” أيضًا. لكن، هل هذا صحيح فعلًا؟
اختلاف الاحتياجات بين الرضّع والبالغين
اللبأ مصمَّم خصيصًا لتلبية احتياجات الرضيع في الأيام الأولى من حياته. فمعدة الطفل لا تتّسع سوى لبضع مليلترات، وجهازه المناعي لا يزال غير مكتمل. لذلك يحتوي اللبأ على تركيز عالٍ جدًا من العناصر المناعية والغذائية التي يحتاجها في تلك المرحلة الحرجة.
أما البالغون فلديهم أجهزة مناعية وهضمية متطورة تمامًا، ويمكنهم الحصول على جميع العناصر الغذائية من نظام غذائي متنوع ومتوازن. معدة الشخص البالغ تتّسع لحوالي لتر إلى لتر ونصف، ويمكن أن تتمدد أكثر بعد تناول الطعام. لذلك، ما هو ضروري وأساسي للرضيع ليس بالضرورة أن يكون مفيدًا أو ضروريًا للبالغ.
وعلاوة على ذلك، فإن منتجات اللبأ المخصصة للبالغين ليست كما هي في صورتها الطبيعية؛ فهي تُعالج صناعيًا وتُضاف إليها النكهات وتُستهلك بكميات صغيرة جدًا. ولهذا من المهم التدقيق في مكوّناتها وما تدّعيه الشركات حول فوائدها.
اللبأ وصحة الجهاز الهضمي
تروّج بعض الشركات لمكمّلات اللبأ باعتبارها مفيدة للهضم وتقليل الانتفاخ وتحسين “صحة الأمعاء”. وتشير بعض الدراسات الصغيرة إلى أن اللبأ البقري قد يساعد في تقليل زيادة نفاذية جدار الأمعاء المؤقتة — وهي حالة تُعرف اصطلاحًا باسم “الأمعاء المتسربة”، تحدث عندما تصبح بطانة الأمعاء أقل قدرة على منع مرور البكتيريا والسموم. وقد لوحظت هذه الحالة بعد التمارين الرياضية المكثفة أو استخدام بعض الأدوية المضادة للالتهابات التي قد تهيّج بطانة المعدة والأمعاء.
لكن هذه الدراسات محدودة جدًا من حيث عدد المشاركين والسياق التجريبي، ولا تشمل البالغين الأصحاء في حياتهم اليومية. لذا، تُعتبر النتائج أولية ولا يمكن تعميمها قبل إجراء تجارب سريرية أوسع وأكثر صرامة.
أما الألياف البريبايوتية مثل الإينولين والزيلوأوليجوسكاريد — التي تُضاف أحيانًا إلى مكملات اللبأ — فهي أفضل دراسة وأكثر توثيقًا من الناحية العلمية. فقد ثبت أن الإينولين يزيد من أعداد البكتيريا النافعة في الأمعاء مثل البيفيدوباكتيريا، في حين يرتبط الزيلوأوليجوسكاريد بزيادة تنوع البكتيريا وتحسين بعض مؤشرات صحة الأمعاء والوزن ومقاومة الأنسولين.
لكن هذه الألياف لا تقتصر على منتجات اللبأ، فهي موجودة طبيعيًا في أطعمة مثل البصل والثوم والكرّاث والموز وجذور الهندباء، ومتوفرة أيضًا كمكمّلات ألياف مستقلة.
دعم الجهاز المناعي
يساعد اللبأ الرضّع على بناء المناعة من خلال إمدادهم بالأجسام المضادة في وقت لا يزال فيه جهازهم المناعي غير مكتمل. غير أن ذلك لا يعني أن تناول اللبأ سيقوّي جهاز المناعة لدى البالغين الأصحاء.
فعبارة “تعزيز المناعة” — وهي عبارة ترويجية شائعة في منتجات Lemme — قد تكون مضللة. فالجهاز المناعي السليم لا يحتاج عادة إلى “تعزيز”، كما أن المبالغة في تنشيطه قد تكون ضارة، إذ يمكن أن تجعله يهاجم أنسجة الجسم نفسه كما يحدث في أمراض المناعة الذاتية مثل السكري من النوع الأول أو التهاب المفاصل الروماتويدي.
وقد درست بعض الأبحاث تأثير اللبأ البقري في حالات مرضية معينة مثل التهاب القولون التقرّحي أو الإسهال الناتج عن السفر، لكن هذه الدراسات صغيرة ومحدودة النطاق وتخص أشخاصًا يعانون أصلًا من أمراض، ولا يمكن تعميم نتائجها على الجميع.
وفي منتجات Lemme نفسها، يبدو أن الحديث عن دعم المناعة يعتمد أساسًا على وجود فيتامين D، المعروف بدوره المهم في تنظيم الجهاز المناعي ودعم صحة العظام. صحيح أن نقص فيتامين D شائع خلال الشتاء أو لدى من يتعرّضون قليلًا لأشعة الشمس، لكن الحصول عليه لا يحتاج إلى مكملات فاخرة؛ فهو متاح على نطاق واسع ورخيص الثمن كمكمّل مستقل.
“الصحة الشاملة للجسم” و“البشرة المتوهجة”
تستخدم بعض الحملات الدعائية عبارات فضفاضة مثل “الصحة الشاملة للجسم”، وهي مصطلحات لا تستند إلى أي تعريف علمي واضح.
وعلى موقع Lemme، تشير الشركة إلى أن فيتامين D يساعد في الحفاظ على صحة العظام والأسنان — وهي معلومة صحيحة — لكنها لا علاقة لها بشكل مباشر بمكوّنات اللبأ.
أما عبارة “البشرة المتوهجة” التي ظهرت في بعض الإعلانات، فلا أساس علمي لها. فليس هناك تعريف سريري لما يعنيه “توّهج البشرة”، ولا طريقة علمية لقياسه، ولا يوجد حتى الآن أي دليل على أن اللبأ أو مكوّناته يمكن أن يحقّق هذا الأثر التجميلي.
كيف تؤثر اللغة الإعلانية في ثقة المستهلك؟
يحتوي موقع Lemme على التحذير المعتاد الموجود في معظم مواقع المكملات الغذائية، والذي ينص على أن هذه المنتجات “ليست مخصّصة لتشخيص أو علاج أو الوقاية من الأمراض”.
كما تستخدم العلامة التجارية عبارة “مدروسة سريريًا” لوصف مكوّناتها، وهي تختلف تمامًا عن عبارة “مثبتة سريريًا”. فالأولى تعني فقط أن بعض المكوّنات خضعت لدراسة ما، لكنها لا توضّح إن كانت النتائج إيجابية أو ذات أهمية طبية. ومع ذلك، تظهر الأبحاث أن المستهلكين غالبًا ما يخلطون بين المصطلحين، لأن العبارة تبدو علمية ومقنعة رغم أنها لا تثبت فعالية المنتج فعليًا.
الخلاصة
اللبأ غذاء مذهل للأطفال حديثي الولادة، صممته الطبيعة خصيصًا لحمايتهم في أكثر مراحل حياتهم هشاشة. أما بالنسبة للبالغين، فحتى الآن لا يوجد دليل علمي قوي من دراسات كبيرة ومنضبطة يُثبت أن مكمّلات اللبأ تُحسّن البشرة أو الهضم أو المناعة لدى الأشخاص الأصحاء.
قد تُظهر بعض مكونات هذه المنتجات فوائد محددة في حالات مرضية خاصة، لكنها لا تبرر الادعاءات العامة حول “الصحة الشاملة” أو “النقاء الطبيعي”.
في نهاية المطاف، ما تبيعه هذه المكمّلات ليس بالضرورة مادة سحرية، بل فكرة جذابة — فكرة النقاء، والطبيعة، والقوة الكامنة في الأصل الأول للحياة.
لكن العلم، حتى هذه اللحظة، لا يدعم هذه الوعود إلا جزئيًا — وبقدرٍ كبير من الحذر والتحفّظ.
