القائمة الرئيسية

كيف يمكن للمؤسسات المالية التكيّف مع عالم اقتصادي متشظٍ؟

كيف يمكن للمؤسسات المالية التكيّف مع عالم اقتصادي متشظٍ؟
ملخص المقال

وكانت الشرارة الأولى ما عُرف باسم «رسوم يوم التحرير» التي أعلنتها الولايات المتحدة في 2 أبريل 2025، وهي أكبر زيادة في الرسوم الجمركية الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. أدت هذه الخطوة إلى اضطرابات في الأسواق، وتعطيل سلاسل التجارة العالمية، وعودة مخاوف التضخم وتراجع الإنتاج الاقتصادي.

[post-views]

ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للمؤسسات المالية التكيّف مع عالم يشهد تصاعداً في التجزئة الجيو-اقتصادية نتيجة تصاعد الحواجز التجارية بين الولايات المتحدة والصين وفرض رسوم جمركية جديدة عالمياً، مما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق. يوضح المقال الخطوات العملية التي يمكن للمؤسسات اتباعها على المدى القصير والمتوسط والطويل لإدارة المخاطر الجيو-سياسية، وتخطيط السيناريوهات المحتملة، وتنويع الشراكات، مع التأكيد على أهمية بناء استراتيجيات مرنة تحافظ على استقرار النظام المالي العالمي في ظل هذا الانقسام المتسارع.

  • تشهد المؤسسات المالية اليوم تحديات متزايدة في ظل تصاعد الحواجز التجارية والرسوم الجمركية التي تفتت النظام المالي العالمي، في وقتٍ تتوقع فيه التقديرات أن يتباطأ النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.3% في عام 2025.
  • هذا الواقع الجديد يفرض على المؤسسات المالية تقييم مدى تعرضها للمخاطر عبر الحدود، وإدارة المخاطر الجيوسياسية، ووضع خطط متعددة للتعامل مع سيناريوهات مستقبلية مختلفة.
  • كما يتطلب منها اعتماد استراتيجيات طويلة المدى تشمل تنويع الشراكات، وإعادة تموضعها في الأسواق، والتواصل الواضح مع أصحاب المصلحة حول التأثير المالي المحتمل لهذا التفكك العالمي.

لقد تغيّر العالم بشكل جذري منذ مطلع عام 2025، بعدما شهدنا تصعيداً غير مسبوق في استخدام الرسوم الجمركية والحواجز التجارية التي تهدد الاقتصاد العالمي.
وكانت الشرارة الأولى ما عُرف باسم «رسوم يوم التحرير» التي أعلنتها الولايات المتحدة في 2 أبريل 2025، وهي أكبر زيادة في الرسوم الجمركية الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. أدت هذه الخطوة إلى اضطرابات في الأسواق، وتعطيل سلاسل التجارة العالمية، وعودة مخاوف التضخم وتراجع الإنتاج الاقتصادي.
وبحسب تقرير حديث للبنك الدولي، فإن التباطؤ المتوقع للنمو العالمي إلى 2.3% في عام 2025 يعود أساساً إلى الارتفاع الكبير في الحواجز التجارية وتأثيرات البيئة السياسية العالمية غير المستقرة.

وفي سياق هذا التفكك المتزايد للنظام المالي العالمي، برز الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين كعامل رئيسي، حيث تسببت القيود المفروضة في انخفاض الواردات الأمريكية من السلع الصينية بنسبة 35% على أساس سنوي، إلى جانب تداعيات أخرى. وتستمر مؤشرات الانقسام في الظهور مع فرض المزيد من الرسوم والقيود، وسط تهديدات بإجراءات إضافية بين الولايات المتحدة والصين ودول أخرى.

هذا المستوى العالي من التشظي وعدم اليقين يجعل من الصعب على المؤسسات المالية العمل عبر الحدود ودفع عجلة الاستثمار والنمو الاقتصادي حول العالم. فما الخطوات التي يمكن لهذه المؤسسات اتخاذها للتعامل مع التقلبات المقبلة؟

تحديث حول المشهد الاقتصادي العالمي: تصاعد التشظي كواقع أساسي
تناول المنتدى الاقتصادي العالمي، بالشراكة مع شركة أوليفر وايمان، هذه القضية في يناير 2025، وقدّر حينها التكلفة المحتملة لتشظي النظام المالي العالمي (أي تفكك الترابط المالي الدولي إلى كتل اقتصادية متنافسة) بما يتراوح بين 0.6 تريليون و5.7 تريليون دولار، اعتماداً على درجة التفكك.
وقد حدد التقرير أربعة سيناريوهات رئيسية: منخفض، معتدل، مرتفع، ومرتفع جداً من حيث مستوى التشظي بين ثلاث كتل رئيسية هي: الكتلة الغربية، والكتلة الشرقية، والدول المحايدة.

الصورة: المنتدى الاقتصادي العالمي / أوليفر وايمان

لا تزال حالة من عدم اليقين تسود المشهد السياسي والاقتصادي العالمي نتيجة المفاوضات التجارية الجارية، ما يجعل التوقعات المستقبلية غامضة ومعقدة. فقد تجاوزت التطورات الحالية السيناريو المنخفض التشظي الذي وضعه تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي افترض وجود قيود محدودة على رأس المال والتجارة في مجالات حساسة فقط بين الشرق والغرب.

العامل المركزي وراء هذا التشظي هو تدهور العلاقة الجيو-اقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما يُعدّ أكبر سبب منفرد للتجزئة الحالية. فقد أصبحت الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية أكثر من ضعف ما كانت عليه في بداية عام 2025، بينما ارتفعت الرسوم الصينية على السلع الأمريكية بأكثر من 50%. وتشير التوقعات إلى أنه حتى بعد انتهاء المفاوضات التجارية، سيظل هناك قيود متوسطة إلى شديدة على التجارة بين الشرق والغرب، ليس فقط من خلال الرسوم الجمركية، بل أيضاً عبر قيود الاستثمار مثل حظر إدراج الشركات الصينية في البورصات الأمريكية أو تقييد استثمار الصين في صناديق الأسهم الخاصة الأمريكية.

إلى جانب هذه القيود، فرضت الولايات المتحدة ضريبة دنيا بنسبة 10% على معظم السلع الواردة من أغلب الدول، متجاوزة بذلك الافتراضات الواردة في سيناريو "التشظي المنخفض" الذي كان يرى أن التجارة بين الدول المحايدة والكتلتين الشرقية والغربية لن تتأثر.
كما أن الاتفاق الأمريكي-البريطاني في 12 مايو 2025، الذي حافظ على فرض نسبة 10% على معظم السلع رغم تحقيق الولايات المتحدة فائضاً تجارياً مع المملكة المتحدة في 2024، يُعدّ مؤشراً على أن هذه النسبة أصبحت الحد الأدنى الذي ستتمسك به واشنطن بعد انتهاء المفاوضات.

في الوقت نفسه، تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة على الدول المحايدة لتقييد تجارتها مع الصين، بينما تلمّح بكين إلى أنها ستردّ على أي قيود من هذا النوع، ما يدفع الدول المحايدة عملياً إلى الاختيار بين طرفي النزاع.

الإجراءات الاستراتيجية التي يمكن أن تتخذها المؤسسات المالية في ظل حالة عدم اليقين والتشظي

تصاعد التوترات والانقسامات بين الكتل الجيو-اقتصادية ينعكس بوضوح على المؤسسات المالية الخاصة، إذ يفرض عليها التعامل مع تقلبات عالية في الأسواق أثناء اتخاذ القرارات التجارية. ورغم صعوبة التخطيط في بيئة تتسم بعدم اليقين وتزايد التشظي، يمكن لقادة هذه المؤسسات اتباع مجموعة من الإجراءات العملية للتخفيف من المخاطر والتأهب للسيناريوهات الأسوأ:

على المدى القصير (أقل من 3 أشهر)

  • فهم مستوى التعرض للمخاطر الجيو-سياسية عبر تحليل العلاقات مع العملاء، والأطراف المقابلة، ومواقع الأعمال، والعقود الدولية.

  • إجراء تخطيط بالسيناريوهات لوضع توقعات مختلفة تساعد في تقييم تأثير التشظي على الأعمال.

  • التواصل المستمر مع أصحاب المصلحة وتحديثهم بشأن الاستراتيجيات المتبعة استناداً إلى خطة الطوارئ المعتمدة.

على المدى المتوسط (من 3 أشهر إلى سنة)

  • بناء قدرة مؤسسية لإدارة المخاطر الجيو-سياسية، عبر إدراجها ضمن تصنيف المخاطر الرسمي للمصرف، ووضع خطة واضحة للتعامل مع الأزمات الحادة.

  • تنفيذ تحليل شامل للمخاطر المؤسسية باستخدام السيناريوهات التي تم تطويرها في المرحلة السابقة لاختبار فعالية النماذج الحالية لإدارة المخاطر وتحديد مجالات التحسين.

  • تطبيق نتائج التحليل لتحسين إدارة المحافظ الائتمانية والأصول والخصوم، من خلال تطوير خريطة تأثير الرسوم الجمركية على القطاعات الأكثر عرضة، وتقدير انعكاساتها على أسعار الفائدة والسيولة والتمويل.

  • تعزيز قدرات إدارة مخاطر الأطراف الثالثة وسلاسل الإمداد عبر تقييم مدى التعرض للاضطرابات الجيو-سياسية المحتملة.

على المدى الطويل (أكثر من سنة)

  • تحليل التغيرات في هيكل السوق ودراسة التحولات المحتملة في المشهد التنافسي وحواجز الدخول والخروج والتميّز في المنتجات والخدمات.

  • إعادة تقييم التوجه الاستراتيجي للمؤسسة وتنويع الشراكات لتقليل المخاطر الناتجة عن التوترات الجيو-سياسية المتصاعدة.

الخطوات التالية

من المرجّح أن تستمر حالة عدم اليقين لفترة طويلة، ما سيُعقّد خطط المؤسسات المالية للاستثمار والتطوير. ومع ذلك، فإن تطبيق الخطوات السابقة يمكن أن يمنحها القدرة على تقدير التكلفة الدقيقة للتشظي الحالي، وإيصالها بوضوح للمساهمين والجمهور، إلى جانب توضيح المخاطر الاقتصادية في حال استمرار تفكك النظام المالي العالمي.

تعمل مبادرة "التنقل في نظام مالي عالمي متشظٍ"، التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، على جمع قادة القطاع المالي لفهم وتحديد التكاليف الاقتصادية للتجزئة الجيو-اقتصادية، وتطوير ضوابط ومعايير واقعية تساعد في حماية قدرة النظام المالي العالمي على مواصلة دوره في تعزيز الازدهار المشترك حول العالم.

المصدر

مقالات ذات صلة