ملخص: هذا المقال يناقش الأسباب العميقة وراء ضعف تفاعل الموظفين مع مؤسساتهم، مستعرضاً أربعة محاور رئيسية هي الثقافة التنظيمية، وشفافية القيادة، والاستثمار في الموارد، وإدارة الأداء. ويوضح كيف أدت بيئات العمل الحديثة، ونقص التواصل، وضعف التقدير، إلى اتساع فجوة الانتماء، مؤكداً أن الحل يكمن في قيادة أكثر وضوحاً، وثقافة مبنية على الثقة والتغذية الراجعة، واستثمار حقيقي في الأفراد يعيد الأمل كقوة استراتيجية لتعزيز الأداء والالتزام داخل المؤسسات.
بقلم: جيم هارتر
لا يزال الموظفون في الولايات المتحدة يشعرون بانفصال عاطفي عن أماكن عملهم، بينما يواصل معظمهم مراقبة الفرص الجديدة التي قد تلوح في الأفق. ووفقاً لبيانات مؤسسة "غالوب" في منتصف عام 2025، فإن 32% فقط من الموظفين منخرطون بصدق في أعمالهم، وهو معدل راكد يعكس تحديات أعمق تواجه المنظمات.
لقد أصبحت قيادة المؤسسات اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، مع التحول إلى أنماط العمل الهجينة والبعيدة، والتغيّرات التنظيمية السريعة، وتزايد توقعات العملاء والموظفين على حد سواء، إضافة إلى ممارسات إدارة الأداء غير الفعّالة، والتطورات المستمرة في مجال التكنولوجيا.
منذ عام 2000، تعتمد مؤسسة غالوب على استبيانات متخصصة لقياس مدى تفاعل الموظفين في الولايات المتحدة، من خلال 12 مؤشراً علمياً معتمداً تتابع من خلالها السلوكيات والتجارب اليومية الأكثر ارتباطاً بنتائج الأداء في مختلف القطاعات. وخلال العقد الذي تلا الأزمة المالية العالمية في عام 2008، شهدت مستويات التفاعل ارتفاعاً تدريجياً، بلغت ذروتها عند 36% في أوائل عام 2020. غير أن جائحة كوفيد-19 وما تبعها من “الاستقالات الكبرى” أدّت إلى تراجع ملحوظ، إذ انخفضت نسبة التفاعل إلى أدنى مستوى لها منذ 11 عاماً، مسجلة 30% في عام 2024.
أما في عام 2025، فتشير أحدث إحصاءات غالوب إلى ارتفاع طفيف بنسبة نقطة مئوية واحدة في الربع الثاني من العام، غير أن المعدل العام للنصف الأول ظل ثابتاً دون تحسن يُذكر. وتُظهر أبحاث غالوب أن ضعف التفاعل ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني، إذ يُقدّر أن تكلفة ضعف التفاعل تبلغ نحو تريليوني دولار سنوياً نتيجة انخفاض الإنتاجية.
وفيما يتعلق بمؤشرات التفاعل الـ12، كشفت نتائج الربع الثاني من عام 2025 ما يلي:
47% من الموظفين يوافقون بشدة على أنهم يعرفون ما يُتوقّع منهم في العمل.
31% يوافقون بشدة على أن شخصاً ما في عملهم يشجعهم على التطور المهني.
32% يشعرون بارتباط قوي برسالة أو هدف مؤسستهم.
28% يعتقدون أن لآرائهم وزناً حقيقياً في مكان العمل.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أقل من واحد من كل خمسة موظفين (19%) يشعرون برضا كبير تجاه مؤسستهم كمكان عمل، بينما أكثر من نصف الموظفين (51%) ما زالوا يبحثون أو يراقبون الفرص الوظيفية في أماكن أخرى.
لفهم الفجوة المستمرة بين ما تفعله المؤسسات وما يحتاجه الموظفون فعلاً — وما الذي يتطلبه سدّ هذه الفجوة — طرحت مؤسسة غالوب في وقت سابق من هذا العام سؤالاً على آلاف الموظفين: "ما الذي تفتقده في تجربتك الحالية في العمل والذي قد يجعلك تشعر بارتباط أكبر بمؤسستك؟"
جاءت الإجابات لتكشف عن أربعة محاور رئيسية تؤثر مباشرة في تفاعل الموظفين داخل أماكن العمل:
1. الثقافة التنظيمية: الانتماء، الاستقلالية، الرفاه، والقيم
أفاد 32% من الموظفين بأن بيئة عملهم معزولة أو غير شخصية، وتفتقر إلى مقومات التواصل الإنساني التي تساعد على بناء روابط عاطفية بين الزملاء.
تتضح هذه الفجوة بشكل أكبر بين جيل زد (Gen Z) بنسبة 44% والموظفين العاملين عن بُعد بنسبة 41%.
“هناك فجوة واضحة بين الموظفين العاملين عن بُعد كلياً وأولئك الذين يمكنهم الحضور إلى المكتب.”
“نحتاج إلى المزيد من بناء الفريق والمزيد من التغذية الراجعة.”
2. شفافية القيادة: التواصل، الاستقرار الوظيفي، الرؤية الإستراتيجية، والمشاركة
قال 29% من الموظفين إنهم لا يتلقون تواصلاً واضحاً أو صادقاً أو متسقاً من قادتهم. فهم يريدون قيادة شفافة تبني الثقة المتبادلة، لا أوامر تُلقى من الأعلى دون مشاركة.
“توقفت مؤسستي عن استقبال الملاحظات من الموظفين. كان ذلك ضربة قوية للروح المعنوية.”
“التواصل مفقود في جميع جوانب العمل. المزيد من التواصل سيُحسّن الروح المعنوية وكفاءة العمليات.”
3. الاستثمار في الموارد: الأجور، المزايا، الأدوات، والكوادر البشرية
يشعر 25% من الموظفين أن مؤسساتهم لا تستثمر بما يكفي في موظفيها أو في الأدوات والموارد الأساسية للعمل.
“الوعد بزيادة الأجور لم يتحقق.”
“نعاني من نقص دائم في الموظفين منذ سنوات، الجميع يعمل بمفرده.”
“عدد المدراء أكبر من عدد العاملين الفعليين.”
4. إدارة الأداء: التطوير، المساءلة، والتقدير
أشار 14% إلى غياب فرص التطوير والتقييم المنتظم والتقدير المستحق.
“نحتاج إلى خطة تطوير وترقٍ شفافة بأهداف وتوقعات واضحة.”
“اجتماعات فردية دورية مع كل موظف.”
“المساءلة يجب أن تشمل الجميع.”
ما الذي يواجهه القادة وكيف يمكنهم الاستجابة؟
تحديات مثل نقص الكفاءات، وصعوبة التوظيف، وضعف تفاعل الموظفين واحتفاظ المؤسسات بهم تضع القادة أمام اختبارات صعبة. وقد يعكس ركود التفاعل الحالي وتزايد شعور الانفصال لدى الموظفين تحولات أعمق في أساليب القيادة والإدارة.
في استطلاع الربع الثاني من 2025، سُئل 500 قائد تنفيذي (على مستوى نائب رئيس فأعلى) عن أكبر التحديات التي تواجه مؤسساتهم، فجاءت الإجابات في خمس فئات رئيسية:
ضغوط مالية واقتصادية متزايدة
بيئة تنظيمية وسياسية معقدة
سلوك العملاء المتقلب وتغير الأسواق
صعوبات التوظيف والاستبقاء
تحديات دمج البنى التحتية والتقنيات الناشئة
كل هذه العوامل تزيد الضغط على القادة وتختبر قدرتهم على التكيّف.
التحديث ضروري: ما الذي يجب على القادة فعله؟
حول الثقافة التنظيمية
الثقافة لا تُبنى بالصدفة، بل تحتاج إلى تخطيط وتفاعل مستمر، خصوصاً في بيئات العمل الهجينة.
يجب ترسيخ عادات مشتركة، وتقديم ملاحظات دورية، وتوضيح الأولويات حتى يدرك كل موظف موقعه ودوره في التغيير.
حول شفافية القيادة
الغموض في فترات التحول يُولّد القلق. الموظفون يريدون قادة حاضرين، يشرحون الأسباب، ويستمعون لآرائهم.
من دون مساحة لصوت الموظف، تنهار الثقة ويصبح بناؤها لاحقاً أكثر صعوبة.
على المديرين تخصيص وقت منتظم للتغذية الراجعة الفردية، سواء في العمل عن بُعد أو في المكتب.
حول الاستثمار في الموارد
الموظفون يلاحظون عندما تُقلّص المؤسسات نفقاتها على حسابهم.
يريدون تعويضاً عادلاً، وأدوات تُمكّنهم من النجاح، وفرق عمل بحجم مناسب لتوزيع الجهد بشكل مستدام.
حول إدارة الأداء
استراتيجية الاحتفاظ بالموظفين تبدأ من نظام أداء واضح وعادل ومتصل بالثقافة المؤسسية.
لقد تعلّم الموظفون خلال الجائحة قيمة الاستقلالية، لكنها لا تُثمر إلا مع وضوح التوقعات والمساءلة.
المراجعات السنوية لم تعد كافية — فالتغذية الراجعة الأسبوعية حول الأداء الفردي والتعاون والفائدة للعملاء هي ما يصنع الفارق الحقيقي.
كما يجب على المؤسسات تحديد من هم المديرون القادرون فعلاً على إدارة فرق أكبر. غالوب تعمل حالياً على تطوير حلول تساعد المؤسسات على اكتشاف هذه القدرات بدقة.
الأمل كقوة استراتيجية
تُظهر أبحاث غالوب العالمية أن أهم ما يريده الموظفون من قادتهم هو الأمل — أي رؤية واضحة للمستقبل ولمكانهم فيه.
لكن الأمل لا يعني التفاؤل الساذج؛ بل ينبع من الوضوح، والاتساق، والإرشاد، والمصداقية، وهو أساس أي برنامج ناجح لتفاعل الموظفين.
المنظمات التي ستنجح هي تلك التي تغرس الأمل في موظفيها، وتربط استراتيجيات التفاعل بتجاربهم اليومية، معتبرة التفاعل نظام أداء متكامل، لا مجرد مؤشر في استبيان.
عندما تُمنح الثقة والمساءلة والقيادة مساحة متكاملة في جميع المستويات، يصبح التفاعل مستداماً ويقود إلى أداء أفضل، حتى في فترات عدم اليقين الاقتصادي والظروف الصعبة.
