القائمة الرئيسية

كيف تكون أكثر سعادة في حياتك المهنية

كيف تكون أكثر سعادة في حياتك المهنية
ملخص المقال

كتاب جديد يقدم استراتيجيات علمية تساعدك على العثور على مزيد من الحب، والمتعة، والرضا، والمعنى في العمل والحياة.

[post-views]

ملخص: يتناول المقال أفكار أستاذ هارفارد آرثر بروكس حول كيفية إيجاد السعادة والمعنى في العمل والحياة، كما وردت في كتابه ملفات السعادة (The Happiness Files) المستند إلى عموده الشهير في The Atlantic. يوضح بروكس أن السعادة ليست نتيجة النجاح بل شرط له، وأنها تُبنى من خلال الفهم العلمي، وتغيير العادات، وتعليم الآخرين ما نتعلمه. يحذّر من مطاردة “الأصنام الأربعة” — المال، السلطة، اللذة، والشهرة — التي تَعِد بالسعادة لكنها تنتهي بالفراغ، مؤكدًا أن الرضا الحقيقي ينبع من الإيمان، والعلاقات، والعمل الهادف. يناقش أيضًا أثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على سعادتنا، مبينًا أن التقنية تُفيد فقط إذا عززت العلاقات الإنسانية بدل أن تستبدلها. كما يشدد على أهمية العادات الصباحية القائمة على الامتنان والتأمل، وعلى التعامل مع الحياة كمشروع إداري شخصي يمكن توجيهه نحو الحب والخدمة، فالسعادة — في رأيه — ليست هدفًا يُحرز بل مهارة تُمارس يومًا بعد يوم.

عندما نفكر في العمل، غالبًا ما تتبادر إلى أذهاننا كلمات مثل الإجهاد، الإرهاق، وضغط المهام. وهذا طبيعي إلى حدٍّ ما، كما يقول الكاتب الأكثر مبيعًا وأستاذ جامعة هارفارد آرثر بروكس، فـ«العمل لم يُخلق ليكون سهلاً». ومع ذلك، يؤكد بروكس أن بإمكاننا أن نجد في العمل روابط إنسانية أعمق، ومعنى أكبر، وسعادة حقيقية.

في سبتمبر الماضي، أجرينا معه حوارًا تزامن مع صدور كتابه الجديد ملفات السعادة (The Happiness Files)، تناولنا فيه العلاقة بين السعادة والنجاح، والعادات الصباحية، وتأثير الذكاء الاصطناعي، وكيفية بناء حياة مهنية مُرضية. وفيما يلي ترجمة موسّعة لمقتطفات من هذا الحوار.

لماذا كتبت هذا الكتاب، وماذا يمكن أن يجد القارئ فيه؟

آرثر بروكس:
منذ خمس سنوات، أكتب عمودًا في مجلة The Atlantic بعنوان كيف تبني حياة (How to Build a Life)، وهو قائم على فكرة بسيطة لكنها قوية:

يمكنك أن تصبح أكثر سعادة، وسعادتك ستدوم إذا حققت ثلاثة أشياء — أن تفهم العلم، أن تغيّر عاداتك، وأن تعلّم الآخرين ما تعلمته.

هذه الصيغة الثلاثية ليست جديدة، بل تُستخدم في تعليم أي مهارة لتصبح راسخة — سواء في الجراحة أو الرياضيات أو حتى لعبة الجولف. في كليات الطب مثلًا، هناك قاعدة شهيرة تقول: «شاهد عملية، قم بعملية، علّم عملية» (Watch one, do one, teach one). إنها تعمل بالطريقة نفسها مع السعادة.

وهذا ما أفعله كل صباح خميس في مقالي: أقدّم العلم، ثم أشرح كيف تغيّر عاداتك بناءً عليه، ثم أعلّمك كيف تنقل الفكرة للآخرين — لأنك حين تشرح، ترسّخ المفهوم في نفسك.

مع فريق التحرير، راجعنا أكثر من 33 مقالًا أثّر في القراء على مدى السنوات الخمس الماضية حول موضوعات الحياة والعمل، وجمعناها في كتاب واحد يحتوي على 33 فصلًا. يمكن أن تقرأ فصلًا في كل ليلة قبل النوم، وربما تقرأه مع من تحب، لتتأملا معًا في الأفكار وتضعا نيةً لتطبيقها في اليوم التالي. كتبت الكتاب ليكون دعوة عملية لتغيير الحياة خطوة بخطوة، ويسعدني أن أرى القراء يستخدمونه بهذه الطريقة بالفعل.

لماذا ترى أن الطريق إلى النجاح يبدأ بالسعادة، وليس العكس؟

بروكس:
الطبيعة البشرية تخدعنا باستمرار بشأن السعادة. فهي توهمنا أن اتباع دوافعنا الغريزية نحو النجاح المادي سيقودنا إلى السعادة، بينما الواقع يقول العكس تمامًا.

يعود هذا المفهوم إلى أرسطو ثم إلى توما الأكويني، اللذين تحدثا عن أربعة “أصنام دنيوية” يتبعها الإنسان في بحثه عن السعادة:

  1. المال

  2. السلطة

  3. اللذة

  4. الشهرة

ليست هذه الأمور شريرة بطبيعتها، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحوّل إلى غاية في حد ذاتها. فالسعي وراء المال لمجرد المال، أو وراء السلطة من أجل السيطرة، أو وراء المتعة من أجل المتعة، أو وراء الشهرة من أجل إعجاب الغرباء — كلها تؤدي في النهاية إلى الفراغ، والوحدة، والبؤس.

لكن لماذا نفعل ذلك؟ لأن الطبيعة تهمس في داخلنا: «افعلها، هذا ما سيجعلك سعيدًا!»، بينما الحقيقة أن الأبحاث تُظهر أن مصادر الرضا العميق هي الإيمان أو الفلسفة، والتأمل، والأسرة، والصداقة، والعمل الذي يخدم الآخرين.

عندما أقول لطلابي في كلية هارفارد لإدارة الأعمال: «اسعَ إلى السعادة، وستكون ناجحًا بما يكفي»، هناك كلمة واحدة تجعلهم يتوترون — إنها كلمة «كفاية».
نحن مبرمجون على الإدمان على النجاح، نعتقد أن “الكفاية” تعني الفشل، وأن الرضا يعني التوقف. لكن هذا تفكير مضلل.

النجاح الحقيقي لا يأتي من مطاردة الشهرة أو المال، بل من استخدام قدراتك لرفع الآخرين ولمّ شمل الناس بالحب.

حينها فقط تصبح الحياة مُشبعة، وتشعر فعلًا أنك تملك ما يكفي.

كيف يمكننا بناء التواصل الإنساني في بيئة عمل رقمية؟

بروكس:
الجائحة كانت “أمّ الابتكار”، لكنها في الوقت نفسه سلّطت الضوء على ضعف البدائل الرقمية عن التواصل الحقيقي. فهناك هرمون يسمى الأوكسيتوسين — يُعرف بـ“هرمون الحب” — مسؤول عن شعورنا بالارتباط والدفء الإنساني، ويُفرز أساسًا من خلال النظر في العين واللمس الجسدي.

خلال جائحة كورونا، ازداد استخدام الناس لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير لأنهم كانوا يعانون من نقص في الأوكسيتوسين، أي من الجوع للتواصل الحقيقي.
لكنّ الاتصال عبر الشاشة لا يعوّض ذلك، فحتى في محادثات الفيديو لا يحدث تواصل بصري حقيقي. ولهذا شعر كثيرون بالوحدة والأرق واشتهاء الأطعمة السكرية — وهي مؤشرات على هبوط مستويات الأوكسيتوسين في الجسم.

إذا كنت تعمل عن بُعد، فعليك أن تعوّض هذا النقص بذكاء. إن كنت تعيش مع شخص آخر، احرص على:

  • النظر في عينيه كثيرًا عند الحديث.

  • عدم استخدام الأجهزة في الساعة الأولى من اليوم.

  • عدم استخدام الأجهزة في الساعتين الأخيرتين قبل النوم.

  • إيقافها أثناء تناول الطعام.

العالم الحديث غيّر الطريقة التي نعيش بها، لكن هذا يعني فقط أننا بحاجة إلى إدارة حياتنا بوعي أكبر للحفاظ على إنسانيتنا.

ما هي العادة الصباحية التي تراها الأكثر تأثيرًا في السعادة؟

بروكس:
أعتقد أن أفضل عادة يمكن أن تبدأ بها يومك هي العبادة أو التأمل. خصص في كل صباح لحظة تُكرّس فيها يومك للحب والخدمة، وتقول لنفسك بصدق:

“أنا ممتن لكل ما سيحدث اليوم، للأشياء الجميلة والممتعة، وللصعوبات أيضًا والتحديات التي ستقوّيني. أرحّب بهذا اليوم بكل ما فيه.”

أن تبدأ يومك بالامتنان يعني أن تُدير يومك أنت، لا أن يديرك هو. يمكنك أن توجه هذا التأمل إلى الله أو تمارسه بشكل فلسفي ذاتي — المهم أن يكون عميقًا وصادقًا.
فمن دون هذه النية الواعية، سيجرفك اليوم بانشغالاته بدل أن تكون أنت من يقوده.

ما تأثير الذكاء الاصطناعي على سعادتنا؟

بروكس:
الجواب البسيط هو أن الذكاء الاصطناعي سيساعد بعض الناس قليلًا، ويضر آخرين قليلًا، ولن يغيّر كثيرًا من سعادة معظم الناس — تمامًا كما تفعل أي تقنية جديدة.

لكن يمكننا فهم العلاقة بين التكنولوجيا والسعادة من خلال قاعدة واحدة:

إذا كانت التقنية تُكمل علاقاتك الإنسانية، فهي مفيدة.
وإذا كانت تحل محلها، فهي خطر على سعادتك.

السعادة في جوهرها هي الحب. وإذا أعاقت التكنولوجيا التواصل الحقيقي بين البشر — الذي يقوم على النظر واللمس والحضور — فإنها تضعف سعادتنا. أما إذا استخدمناها لتقوية التواصل، فهي تضيف إلى حياتنا.

ومع ذلك، لن يحل الذكاء الاصطناعي المشكلات الإنسانية الكبرى التي نسميها “المشكلات المعقدة” — مثل الحب، والمعنى، والسعادة، والعلاقات.
فهو بارع في حل المشكلات الصعبة التي تحتاج إلى حسابات وتحليل — لكنه عاجز أمام المشكلات الحياتية التي يجب أن تُعاش لا أن تُحل.

يقول بروكس:

“أنا متزوج منذ 34 عامًا. زوجتي قالت لي هذا الصباح إنها تحبني، وربما تكون غاضبة مني الليلة! وهذه هي روعة الحياة الزوجية: إنها علاقة حية، متغيرة، غير قابلة للحل أو التنبؤ. إذا ظننت أن الذكاء الاصطناعي يمكنه حل مشكلات كهذه، فأنت واهم.”

تقول في كتابك: «حياتك هي أهم مهمة إدارية ستتولاها في حياتك». ماذا تعني بذلك؟

بروكس:
أعني أنك لست مضطرًا لأن تترك حياتك للصدفة. صحيح أن فيها الكثير من الغموض والمخاطر والمفاجآت — وبعضها جميل — لكنك تستطيع أن تدير حياتك كما تُدار المشاريع الكبرى، بشرط أن تفهم كيف تعمل وأن تتحمل مسؤوليتها.

أدركت ذلك حين تقاعدت من رئاسة مركز أبحاث كبير في واشنطن، وكنت في الخامسة والخمسين من عمري لا أعرف ما أريد أن أفعله بعد ذلك. فقررت أن أسير في طريق سانتياغو دي كومبوستيلا — رحلة حج طويلة تمتد عبر شمال إسبانيا.
يُقال إنك في نهاية هذه الرحلة ستُمنح ما كنت تبحث عنه، وبالفعل، حين وصلت إلى المدينة القديمة سانتياغو دي كومبوستيلا، امتلأ قلبي برؤية جديدة لحياتي:

أن أكرّس ما تبقى من عمري لرفع الناس، ولمّ شملهم بروابط السعادة والحب، مستخدمًا العلم والأفكار كأدوات.

كل ما أفعله الآن — من الكتابات إلى المحاضرات والبحوث — هو ثمرة ذلك القرار.

يختم بروكس بالقول:

“السعادة ليست مشروعًا مؤقتًا أو هدفًا بعيدًا، بل مهارة تُمارس كل يوم. وإذا عاملت حياتك كأهم مشروع تديره على الإطلاق، فستكتشف أنك قادر على جعلها أكثر حبًا، ومعنى، وسلامًا، مما كنت تتصور.”

المصدر

مقالات ذات صلة