ملخص: هذا المقال يناقش الدور المحوري الذي ستلعبه قمة المناخ COP30 في البرازيل باعتبارها لحظة حاسمة لإحياء التعاون العالمي من أجل المناخ والطبيعة، حيث تسعى إلى سد فجوة الطموح في الخطط الوطنية (NDCs)، وتسريع تمويل التكيّف المناخي من خلال خارطة طريق "من باكو إلى بيليم"، وتعزيز حماية الغابات الاستوائية عبر مرفق تمويلي بقيمة 125 مليار دولار. كما يسلّط الضوء على التحول في أنظمة الغذاء والزراعة نحو ممارسات أكثر استدامة بقيادة البرازيل، مؤكداً أن القمة تمثل نقطة التحول من التعهدات إلى التنفيذ الفعلي الذي سيحدد مصير العمل المناخي خلال العقد المقبل.
- تُعدّ قمة COP30 الاجتماع المقبل للدول الـ198 الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، والمقرر عقدها في مدينة بيليم، عند بوابة الأمازون في البرازيل، من 10 إلى 21 نوفمبر.
- ستتناول القمة مجموعة من القضايا المحورية، من بينها المساهمات المحددة وطنياً الجديدة والمحدّثة (NDCs 3.0)، وتمويل مشاريع تعزيز المرونة وحماية الطبيعة، وتحويل أنظمة الغذاء، وضمان انتقال عادل نحو اقتصاد منخفض الكربون.
- وتأتي هذه القمة في لحظة حاسمة بالنسبة للتعددية الدولية، إذ تمثل فرصة لإعادة إشعال روح التعاون العالمي بشأن المناخ، وحشد الجهود متعددة الأطراف لتعزيز مرونة الأنظمة في عالم يتعرض لتأثيرات متزايدة من تغيّر المناخ وتدهور الطبيعة.
مع استعداد العالم للاجتماع في بيليم بالبرازيل لعقد مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغيّر المناخ (COP30) في الفترة من 10 إلى 21 نوفمبر، ترتفع الرهانات إلى أعلى مستوياتها.
تمثل هذه القمة نقطة تحول مهمة، إذ تأتي بعد مرور عقد كامل على اعتماد اتفاق باريس عام 2015، في وقت يواجه فيه جدول أعمال المناخ مشهداً عالمياً متغيراً جذرياً.
ففي حين كانت الحكومات في الماضي تتصدر قيادة العمل المناخي بدعم سياسي غير مسبوق، أصبح التحدي اليوم مختلفاً.
فالقطاع الخاص أصبح أكثر انخراطاً، والأسواق الخضراء آخذة في التشكل، وتحول الاقتصاد الحقيقي نحو الاستدامة بدأ يكتسب زخماً متزايداً.
ومع ذلك، وبينما يتراجع الطموح السياسي، ما يزال الفارق بين ما هو مطلوب وبين ما تتعهد به الحكومات يشكل فجوة خطيرة.
تمثل قمة COP30 لحظة حاسمة لتقييم ما إذا كانت الآليات التي أنشأها اتفاق باريس تحقق فعلاً النتائج المرجوة.
ومن اللافت أن الجدوى الاقتصادية للعمل المناخي أصبحت أكثر وضوحاً وإقناعاً من أي وقت مضى.
فقد أظهرت تحالف قادة الشركات من أجل المناخ التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي – الذي يضم أكثر من 130 شركة تمثل إيرادات قدرها 4 تريليونات دولار – أن أعضاءه تمكنوا بين عامي 2019 و2023 من خفض الانبعاثات الإجمالية بنسبة 12% مع زيادة الإيرادات بنسبة 20%.
كما أن السوق العالمية للتقنيات الخضراء – مثل الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والمركبات الكهربائية، والبطاريات – تضاعفت تقريباً أربع مرات منذ عام 2015، لتتجاوز قيمتها 700 مليار دولار سنوياً، ما يعكس جدوى اقتصاد المناخ تجارياً.
ومع ذلك، تواجه هذه الزخمات من القطاع الخاص رياحاً معاكسة بسبب حالة عدم اليقين السياسي، والضغوط المالية، والتوترات الجيوسياسية.
لذا، يجب أن تسعى قمة COP30 إلى إعادة إشعال الإرادة السياسية اللازمة لإطلاق الإمكانات الاقتصادية التاريخية التي يمثلها العمل المناخي.
سد فجوة الطموح في المساهمات الوطنية (NDCs):
أحد أبرز التحديات المطروحة قبل قمة COP30 يتمثل في الخطط المناخية الوطنية.
فبحلول عام 2025، يتعين على الدول تقديم الجيل الثالث من مساهماتها المحددة وطنياً – NDCs 3.0 – والتي تمثل أكثر تعهداتها طموحاً حتى الآن.
وتغطي هذه المساهمات المحدثة الفترة من 2025 إلى 2035، ويجب أن تُظهر تقدماً ملموساً وأن تتماشى مع هدف حصر الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية.
لكن التقدم ما زال بطيئاً. فحتى وقت كتابة هذا التقرير، قدّمت 69 من الاقتصادات الكبرى – تمثل 61% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة – خططها وفقاً لمؤشر تتبّع المساهمات الوطنية ClimateWatch NDC Tracker، بما في ذلك الصين التي قدّمت خطتها في 3 نوفمبر.
في مقابلة قبيل قمة COP30 مع صحيفة الغارديان في شهر أكتوبر، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قائلاً:
"من بين المساهمات الوطنية (NDCs) التي تلقيناها حتى الآن، نتوقع خفضاً في الانبعاثات بنسبة 10% فقط، بينما نحن بحاجة إلى خفض بنسبة 60% للبقاء ضمن حد 1.5 درجة مئوية. لذا، فإن تجاوز هذا الحد بات أمراً لا مفر منه."
أظهر التقييم العالمي الأول (Global Stocktake)، الذي أُنجز خلال مؤتمر COP28 عام 2023، أن السياسات الحالية تقود العالم نحو ارتفاع في درجات الحرارة يصل إلى 3 درجات مئوية – أي أعلى بكثير من الحدود الآمنة.
وبغياب التزامات وطنية أقوى، فإن النافذة المتاحة لتجنّب الآثار المناخية الكارثية ستُغلق قريباً.
في أحدث تقرير تركيبي لها، نُشر في 28 أكتوبر، قيّمت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC) تأثير المساهمات المحددة وطنياً المقدمة من 64 دولة بين يناير 2024 وسبتمبر 2025.
وأشار التقرير إلى أن الدول بدأت بالفعل في "ثني منحنى الانبعاثات نحو الانخفاض"، مؤكداً أن:
"النهج الشامل على مستوى الاقتصاد والمجتمع الذي تعكسه المساهمات الوطنية يشير إلى أن العمل المناخي القوي أصبح ركناً أساسياً لضمان الاستقرار والنمو الاقتصاديين، وخلق الوظائف، وحماية الصحة، وتحقيق أمن الطاقة وتكلفتها الميسورة، إلى جانب العديد من الأولويات السياسية الأخرى في الدول."
وأضاف التقرير أن "هناك حاجة ماسة لتسريع الجهود بشكل كبير من أجل تحقيق خفض أسرع وأعمق للانبعاثات، وضمان وصول الفوائد الهائلة للعمل المناخي القوي إلى جميع الدول والشعوب."
ويبدو أن الزخم بشأن المساهمات الوطنية NDCs آخذ في التزايد قبيل قمة COP30.
ففي قمة المناخ التي استضافها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال سبتمبر، قدّمت حوالي 100 دولة – تمثل ثلثي انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم – مساهماتها الجديدة أو أعلنت عنها.
ولأول مرة، أعلنت اقتصادات كبرى مثل الصين – أكبر مصدر للانبعاثات في العالم – ونيجيريا عن أهداف شاملة لخفض الانبعاثات تغطي جميع الغازات الدفيئة وجميع القطاعات الاقتصادية.
العمل من أجل الطبيعة والمناخ
تحتل حماية الطبيعة موقعاً محورياً على جدول أعمال قمة COP30.
واختيار مدينة بيليم لاستضافة القمة – عند بوابة غابة الأمازون التي تضم نحو 60% من أكبر غابة استوائية في العالم – يبعث برسالة واضحة مفادها أن الطبيعة لم تعد قضية هامشية، بل هي في صميم بقاء المناخ.
تلعب الغابات دوراً حيوياً في امتصاص الكربون، وتنظيم أنظمة المياه والتربة، ودعم التنوع البيولوجي. وتشير تقديرات شركة BCG إلى أن القيمة الإجمالية للغابات تصل إلى نحو 150 تريليون دولار.
ومع ذلك، فقد خسر العالم في عام 2024 وحده 6.7 ملايين هكتار من الغابات الاستوائية الأولية – بزيادة قدرها 80% مقارنة بعام 2023 – ويرجع ذلك بشكل كبير إلى الحرائق المتزايدة.
من أبرز المبادرات التي ستتصدّر مشهد قمة COP30 هي مبادرة "مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد" (Tropical Forest Forever Facility)، والتي تهدف إلى توفير تمويل طويل الأمد ومستدام للدول التي تعمل على حفظ الغابات الاستوائية واستعادتها.
وعلى المدى الطويل، يُتوقع أن تصل قيمة هذا الصندوق التمويلي المدمج – الذي يتكون من مساهمات الرعاة ومن ديون تصدر على شكل سندات دخل ثابت – إلى 125 مليار دولار، مع إمكانية ضخ ما يصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً إلى الدول المؤهلة مقابل الحفاظ على غاباتها الاستوائية.
وسيجري تخصيص ما لا يقل عن 20% من التمويل مباشرةً للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، الذين أثبتوا دورهم كحماة حقيقيين للنظم البيئية للغابات.
ويمثل هذا النهج تحولاً جذرياً في المفهوم العالمي: فبدلاً من مكافأة الدول على استغلال الطبيعة، يجري تعويضها على حمايتها وصونها.
وتأتي هذه المبادرة مكملة لجهود مبادرة المنتدى الاقتصادي العالمي 1t.org، التي تهدف إلى تعبئة وربط وتمكين مجتمع التشجير العالمي للمحافظة على تريليون شجرة، واستعادتها، وزراعتها بحلول عام 2030.
وقد أنشئت هذه المبادرة لدعم عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم البيئية (2021-2030) وتسريع الحلول القائمة على الطبيعة.
ضرورة التمويل المناخي
صرّح رئيس قمة COP30، أندريه كورّيا دو لاغو، لوكالة رويترز أن البرازيل تسعى إلى مساعدة الدول النامية على الحصول على مزيد من التمويل لجهود التخفيف من آثار تغيّر المناخ وتعزيز القدرة على التكيّف.
وكانت قمة COP29 في أذربيجان قد أسست هدفاً مالياً جديداً يُعرف باسم "هدف باكو للتمويل" (Baku Finance Goal) يقضي بتوفير ما لا يقل عن 300 مليار دولار سنوياً للدول النامية بحلول عام 2035.
إلا أن هذا الرقم لا يزال بعيداً جداً عن الهدف الأكبر، وهو 1.3 تريليون دولار سنوياً الذي تحتاجه الدول الأكثر عرضة للمخاطر لمواجهة آثار تغيّر المناخ.
ويُعرف هذا الهدف باسم "الهدف الجماعي الكمي الجديد" (NCQG)، والذي يدعو الدول إلى تعبئة 1.3 تريليون دولار في التمويل المناخي الدولي بحلول عام 2035.
ورغم أن الدول الغنية تعهدت بالوفاء بالتزاماتها البالغة 300 مليار دولار، إلا أن الطريق نحو الوصول إلى هدف 1.3 تريليون دولار لا يزال غامضاً.
ويقرّ القادة بأن الاستثمار من القطاع الخاص يجب أن يكون المحرك الأساسي للتوسع المالي، غير أن الآليات العملية لجذب رأس المال الخاص على نطاق واسع لا تزال غير متطورة.
وفي الوقت نفسه، يقدّر تقرير فجوة التكيّف لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أن العالم سيحتاج إلى نحو 310 مليارات دولار سنوياً للتكيّف مع آثار تغيّر المناخ مثل ارتفاع منسوب البحار، وموجات الحر الشديدة، والعواصف المتزايدة العنف.
ومع ذلك، فإن الإنفاق الحالي على التكيّف لا يتجاوز 26 مليار دولار سنوياً – أي أقل بنحو 12 مرة مما هو مطلوب فعلياً.
يُتوقّع أن تُسفر قمة COP30 عن تعهدات حاسمة في مجال تمويل التكيّف المناخي، مع اعتماد خارطة طريق "من باكو إلى بيليم" (Baku to Belém Roadmap)، التي ستوضح بالتفصيل كيفية سد فجوة التمويل من خلال مصادر عامة وخاصة وخيرية ومؤسسات التمويل التنموي متعددة الأطراف.
تحوّل أنظمة الغذاء والزراعة
تشكل الزراعة وأنظمة الغذاء أحد المحاور الستة الرئيسية على جدول أعمال قمة COP30، والتي تهدف إلى تحفيز العمل المناخي الطوعي من قِبل المجتمع المدني، والشركات، والمستثمرين، والمدن، والدول.
إذ يُسهم حوالي ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية في الأساس من الزراعة واستخدام الأراضي، وتُعدّ البرازيل قوة عالمية في قطاع الأغذية والزراعة.
وفي إطار المنتدى الاقتصادي العالمي، تعمل تحالف "الرواد الأوائل للأغذية" (First Movers Coalition for Food) بالتعاون مع قادة الصناعة في البرازيل والعالم، إلى جانب المزارعين والحكومات والأوساط الأكاديمية، من أجل تحفيز الطلب الجماعي في الأسواق وتسريع تبنّي أساليب الإنتاج الغذائي المستدامة والقادرة على الصمود.
كما أطلقت البرازيل مبادرة "على مائدة COP30" (Na Mesa da COP30) التي تضمن أن 30% على الأقل من الأغذية المقدمة خلال المؤتمر مصدرها المزارعون العائليون والمنتجون الزراعيون البيئيون، مما يجعل الاستدامة جزءاً عملياً من القمة ذاتها.
قمة التنفيذ والتحول الفعلي
تُوصف قمة COP30 بأنها "قمة التنفيذ" – أي القمة التي يجب أن تتحوّل فيها التعهدات والمفاوضات إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع.
ومع تزايد زخم القطاع الخاص، وانطلاق آليات تمويل مبتكرة، وإدماج الطبيعة رسمياً في استراتيجيات المناخ، تمثل هذه القمة فرصة غير مسبوقة لإحداث نقلة نوعية في العمل المناخي العالمي.
وسيكون نجاح العقد القادم في تحقيق التحول المنشود رهناً بقدرة الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني على العمل معاً والاستجابة لهذه الدعوة الحاسمة التي يفرضها العلم والمناخ معاً.
