القائمة الرئيسية

الالتزام؟ فينافر في مواجهة كامو عام 1950م

الالتزام؟ فينافر في مواجهة كامو عام 1950م
ملخص المقال

يتناول المقال المراسلات الفكرية بين الكاتب الفرنسي ميشيل فينافر والفيلسوف ألبير كامو حول معنى الالتزام الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، حين فقد الأدب ثقته بقدرته على التغيير. في رسالته إلى كامو عام 1950، يرى فينافر أن التفاؤل الإنساني الذي غذّى الأدب منذ عصر النهضة انهار أمام واقع العدم والقلق الحديث، وأن “الالتزام الكامل” أصبح مستحيلًا لأن الإنسان لم يعد يملك السيطرة على مصيره. فالأدب – برأيه – لا يجب أن يكون أداة تعليمية أو دعائية، بل فعلًا إنسانيًّا صادقًا يحمل في ذاته معنى الالتزام من خلال الشكل الفني لا من خلال المضمون السياسي. ورغم اتفاقه مع كامو على رفض “الفن من أجل الفن”، فقد انتقد غموض فكر كامو حول كيفية تحقيق الأثر الأدبي في الواقع. لاحقًا، طوّر فينافر موقفًا أخلاقيًّا يقوم على الالتزام الفردي المتردد الذي يتجاوز الأيديولوجيا دون الوقوع في الحياد، معتبرًا أن الكتابة نفسها، بما تحمله من صدق إنساني، هي أعمق أشكال الالتزام الممكن في عالم فقد يقينه.

 سيمون شِماما

ترجمة: شروق درّاج 

مراجعة: محمد بن علي الزهراني

كيف نُجدد التزامنا الأدبي؟ هذا هو التساؤل الذي بعث به ميشيل فينافر Michel Vinaver، الروائي الشاب آنذاك، في عام ١٩٥٠م، إلى ألبير كامو Albert Camus. ومن خلال مسرحه، سرعان ما وجد فينافر إجابة عن تساؤلاته، إذ أدرك أن الشكل هو الأداة الأساسية التي يمكن من خلالها التعبير عن هذا الالتزام.

رسالة فينافر إلى كامو حول الالتزام:

كيف يمكن للأعمال الأدبية أن تحمل أبعادًا سياسية دون أن تتحول إلى نص تعليمي، أو أن تقتصر على إصدار الرسائل والأطروحات؟ كان هذا السؤال محط نقاش جوهري في مسألة تجديد الالتزام الأدبي الذي طرحه فينافر منذ بداية أعماله، وقد شكلت هذه المسألة نقطة ارتكاز أساسية في مراسلاته مع ألبير كامو[1]، ففي رسالته المؤرخة في ٩ مارس ١٩٥٠م، يقدم الكاتب تاريخًا أدبيًّا مصغرًا، يتأمل من خلاله قضية الالتزام الأدبي.

–بداية الرسالة–

“عزيزي كامو،

ربما لم يكُن هذا الحراك نحو التزام الكاتب، الذي يعود إلى فترة ما بين ١٩٤٠م و١٩٤٥م، أي الفترة التي ازدهر فيها الأمل، سوى اللحظة الأخيرة من التفاؤل الذي، منذ عصر النهضة، أسهم في إرساء وتضخيم فكرة المشروع البشري، ومفهوم الإنسان باعتباره كائنًا رياديًّا (ورائدًا حرًّا أيضًا…). إلا أن هذا التفاؤل واجهه، في المقابل، تشاؤم بدأ منذ القرن السابع عشر مع باسكال Pascal، وامتد إلى القرن الثامن عشر مع مفكرين مثل ساد Sade، ثم استمر في القرن التاسع عشر ليبلغ ذروته مع أسماء كبرى يصعب حصرها. وفي القرن العشرين، تجسدت تلك المشاعر المتأرجحة بين التفاؤل والتشاؤم في أعمال أدبية بارزة؛ مثل “الغثيان La Nausée”، و”الغريب L’Étranger“، و”مستعمرة العقاب La Colonie pénitentiaire“. كما انعكست هذه الأفكار في كتابات مالرو- الحزب الجمهوري الفرنسي Malraux-RPF، وأعمال أخرى متعددة. وشهدت تطورات التيارين، التفاؤلي والتشاؤمي، تصادمًا حادًّا في صميم الأدب العالمي، حيث انعكس هذا الصراع بشكل واضح في الأعمال الأدبية الكبرى. وتجسدت هذه المواجهة في بدايات القرن التاسع عشر مع كتابات شعراء مثل بايرونByron ، وموسيه Musset، واستمرت بكل قوتها في أواخره مع أعمال بودلير Baudelaire، ودوستويفسكي Dostoïevski، ونيتشه Nietzsche.ويمكن القول إن هذه الأعمال قد اكتسبت أهمية غير مسبوقة، إذ تمكنت من تجسيد التناقض العميق الذي يمزق الروح البشرية: فمن جهةٍ، يظهر الإنسان الطامح الساعي إلى تعزيز ذاته واكتشاف حدود إمكانياته اللامتناهية، ومن جهةٍ أخرى، يقابله الإنسان البائس الذي يلهث خلف ظلال الأمل وسط بحرٍ من اليأس الوجودي، وكأن بؤسه قد أصبح قدرًا محتومًا لا فكاك منه. ومع مطلع القرن العشرين، شهد العالم فترةً من الهدوء النسبي يمكن وصفها بـ”البرجوازية الشمسية” (bourgeoisie-soleil)، حيث استعادت الأسئلة الكبرى والطموحات الرفيعة حضورها مجددًا. وبدأت المصانع في استئناف نشاطها لتدر الأرباح، بينما انشغل الناس بتوسيع شبكاتهم الاجتماعية وتعزيزها. غير أنّ اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) أعاد الصراع بين التيارين إلى الواجهة، ليتجدد التراشق بينهما وينتهي إلى ولادة الحركة السريالية، التي يمكن اعتبارها ذروة تطور أسطورة “الإنسان المتعالي” المتشابكة مع أسطورة “الإنسان-العدم”. وقد شكلت السريالية نقطة تحول حاسمة، إذ بدأ معها مبدأ “التفاؤل” في التراجع الحاد، إلى أن تلاشى تقريبًا مع مرور الزمن.

 ومع ذلك، فإن هذا التطور لا يأخذ في الحسبان “الدافع” الجديد الذي برز لاحقًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو دافع غريزة البقاء الأساسية لدى الإنسان، الذي أصبح المحرك الرئيس في تلك الحقبة. وينبع هذا الاندفاع من القلق الناتج عن الإدراك العميق بأن المبالغة في تمجيد الإنسان لن تؤدي في النهاية إلا إلى تحقيره. وهكذا، يدرك الإنسان أنه بدلًا من تمجيد ذاته بوصفه الكائن الأسمى في الكون، يكتشف في النهاية هشاشته وحدوده، وأنه ليس مركز الوجود كما كان يتوهم، بل جزء من نظام كوني أوسع يتجاوزه، يجب التأكيد على أنه “شيء ما” على الرغم من ضآلته، وأن هذا الشيء، مهما كان صغيرًا، يحمل في طياته قيمة عظيمة، ولكنه مهدد، وفي خطر، ومدمر بالفعل، ويجب بذل كل ما يلزم للحفاظ على ما تبقى منه. إن هذا «الدافع»، إن جاز القول، يمثل تحولًا في مفهوم «التفاؤل»، حين يدرك أن تفاؤله في صورته «غير المحدودة» لا بد أن يؤدي في النهاية إلى نقيضه. وبذلك، يصبح التفاؤل قادرًا على تقييد نفسه (أو تقييد الإنسان نفسه)، ويتحول إلى حالة دفاعية، حيث يصبح على الإنسان أن يكون مدركًا تمامًا لإمكانية حدوث الكارثة، وحتى يصبح القلق هو الشعور المهيمن، متفوقًا على الأمل الذي كان يسعى للتعبير عنه. كان هذا هو الوضع لدى تولستوي Tolstoï، وكارلايل Carlyle، وآرنولد Arnold، وهاردي Hardy، كما بلغ في العصر الفيكتوري العظيم ذروته مع إليوت Eliot. كان هؤلاء المفكرون والأدباء ينظرون إلى الماضي بنظرة حنينية (هسيودية hésiodique)، محاولين فهم ما لم يُحَل بعد، وإعادة تجميع الشظايا التي لا تزال تطفو على السطح (وفي حال لم يتبقَّ منها شيء، فإنهم يستبدلون بذلك تخيلَّ ما كان يمكن أن يكون …).

خلال الفترة ما بين ١٩٤٠م و١٩٤٥م، ساد شعور بأننا قد بلغنا قاع الهاوية، لكن هذا “القاع” لم يكُن الفراغ أو العدم، بل كان نقطة انطلاق لحدث ما، كما في (أسطورة الملك الصياد (le mythe du Roi-Pêcheur. ومن هنا جاء هذا الرجوع إلى التفاؤل، الذي لم يعُد بلا حدود، ولكنه لم يكُن مجرد حنين إلى الماضي وحسب؛ لا بل كان تفاؤلًا قائمًا على أمل في قدرة أفضل البشر على العمل معًا من أجل إعادة بناء الذات البشرية التي نشأت من رحم الثورة. لقد كان من الضروري أن يدرك هؤلاء الأفراد أن القاع لم يُمسّ بعد، وأن العدم لم يُبلغ بعد (أي أن “الملك القديم” لم يُغرق بعد)، وأن السباق نحو هذا العدم قد بدأ من جديد. ماذا بعد؟ ربما يكون الحنين هو الجواب، ولكن هناك أيضًا هذا الوعي العميق: أن الإنسان وقع في فخ الوهم عبر العصور البطولية، وأنه لم يُعِد تشكيل ذاته بالكامل في تلك التجربة، بل ظل متصدعًا؛ إذ لم يستعِد لا القوة التي كان يعتقد أنه يمتلكها، ولا السيطرة على مصيره. وكان الالتزام الكامل والواعي الذي كان يُتوقع من كل فرد تجاه نفسه، يفترض بشكل غير واقعي أن الإنسان قد استعاد تلك القوة المفقودة. لذلك، لم يكُن الالتزام مجرد أمر صعب فحسب، لا بل كان مستحيلًا، ومن هنا اكتسب هذا الالتزام بعدًا “خياليًّا”.. ماذا بعد؟ ربما يكمن الحل في تبسيط الطلب، وفي العمل في الظلام، دون يقين من الاتجاه أو المسار. وبالنسبة للكاتب، فإن ذلك يعني الكتابة دون هدف محدد.

وهذا يقودنا إلى تساؤلٍ نفسي عميق حول طبيعة الكتابة: لماذا يكتب الكاتب؟ في فترات الاستقرار النسبي، يخيَّل للكاتب أنه قد بلغ الجواب. فـجون ميلتون (Milton)، على سبيل المثال، كتب ليُبرّر “أقدار الله للإنسان”، في حين التزم الشاعر الهوميري (le poète homérique) بإلهام الشباب عبر تجسيد صورة الأبطال المثاليين، أما موليير (Molière) فكان يرى في الكتابة وسيلةً للتعليم والتسلية معًا. غير أن كاتب اليوم، ما لم يقع في فخ خداع الذات، أو يحبس نفسه في عزلةٍ خانقة، يصعب عليه أن يصدّق حقًا أنه يعرف السبب الذي يدفعه إلى الكتابة. وإذا حاول صياغة إجابة عن هذا السؤال، فإن السياق العبثي الذي يكتنف وجوده يُبطل أي صدى قد تحمله تلك الإجابة. عليه إذن أن يثق، دون امتلاكه دليلاً قاطعًا، وهو واعٍ تمامًا لاحتمال الخطأ.

يجب أن يؤمن بأن مجرد فعل الكتابة هو الجواب نفسه، وأن يأمل أن يحمل العمل الأدبي، المنبثق من أعماق إنسانيته، بعضًا من الإجابات التي تعجز ذاته الواعية عن إدراكها. عليه أن يثق بذلك… وهو يثق، طالما أنه لا يزال يكتب.

لقد قادني تبادل الرسائل هذا إلى العصف الذهني الذي سأرسله إليك مع البريد التالي. إن باريس جميلة للغاية في هذه الأيام، والعمل مستمر، وأتمنى أن أنتهي من هذا الكتاب الثاني بسرعة.

لا حاجة للرد، ابقَ ساكنًا بائسًا قدر الإمكان حتى تُشفى وتتمكن من العودة إلى باريس في أقرب وقت ممكن. مع خالص تحياتي”.

–نهاية الرسالة–

بعث فينافر برسالة إلى كامو قبل ثلاثة أسابيع من هذه الرسالة، تطرق فيها إلى مسرحية (العادلون Les Justes)، وكانت رسالته صريحة للغاية؛ بل تكاد تكون عنيفة في نقدها، حيث انتقد الطابع التجريدي للمسرحية، معبرًا عن أسفه لأن كامو لم يعُد “يصرخ بأي شيء”، وفقًا لتعبيره، لأنه أصبح “منارة”. وردّ كامو على الرسالة موضحًا أنه يشعر “بالمسؤولية التي تُقيّده”، ولكنه أضاف أن هذه المسألة تعود إلى فترة الحرب، وأكد أنه سيجد وسيلة للتغلب عليها قريبًا.

طور فينافر بعد ذلك فكرة “الالتزام المستحيل”، التي نشأت في سياق سلسلة من خيبات الأمل التي تلت فترة التحرير، سواء على الصعيدين الوطني أو الدولي. إذ لم يعُد التفاؤل أمرًا ممكنًا، حيث تجسد بشكل متناقض خلال الحرب بفعل روح المقاومة، وربما التأثير السوفييتي الشيوعي. أصبح الإنسان مدركًا أنه فقد شيئًا عميقًا لا يمكن استعادته -ربما براءته- التي كان فينافر يأمل في استعادتها في رسالة له في نوفمبر ١٩٤٦م. وعليه، في السنوات التي تلت الحرب، بدا أن الالتزام الكامل والواعي الذي يُطلب من كل فرد، بما في ذلك من نفسه، يفترض أكثر مما يمكن أن يتحمله الإنسان؛ فهو يفترض أنه قد استعاد السيطرة على مصيره. لذلك، أصبح الالتزام في الأدب، الذي كان مشروعًا في عام ١٩٤٤م (حتى وإن استند إلى أوهام)، غير مشروع بحلول عام ١٩٥٠م. إذ إن المشكلة، كما يراها فينافر؛ هي أن كامو سار في الاتجاه المعاكس: وانتقل من التشاؤم[2] (كما في “الغريب”) إلى تفاؤل الالتزام. ومع ذلك، يمكننا القول إن كامو كان دائمًا تائهًا بين هذين القطبين المتناقضين.

ولكن موقف فينافر يظل معقدًا، ولا يمكن اختزاله ببساطة تحت اسم “عدم الالتزام”، ولا حتى في مفهوم “التجرد”، الذي تكرر في النقد منذ إيتيامبل Étiemble، الذي جمع مقالات تلك الفترة في كتابه نظافة الأدب ٢: الأدب المتجرد Hygiène des lettres II: Littérature dégagée. وفي ملحق التايمز الأدبي The Times Literary Supplement، بتاريخ ١٦ أغسطس ١٩٥٧م، أُشير إلى مسرحية فينافر “الكوريون Les Coréens” كأحد الأمثلة على الأعمال “المتجردة”، إلى جانب أعمال فوتييه Vauthier، وبيكيت Beckett، وآداموف Adamov. وقد وُصف هذا النوع الجديد من الكتابة المسرحية بأنه ينفصل عن الوجودية والماركسية، ليبحث عن طرق جديدة للالتزام. ومع ذلك، يبقى هذا المصطلح الطريف في النهاية فارغًا من أي مضمون؛ إذ لا يُعرف ما هي أشكال هذا النوع الجديد التي تربطه بالسياسة.

إن ما يجعل نقد فينافر لكامو معقدًا هو أن كلا الكاتبين متفقان بشكل عام. فكلاهما يؤمن بتأثير الفن على مجرى الأحداث، وهو إيمان يتضمن رفضًا لفكرة ما يسمونه أحيانًا “الفن من أجل الفن”، وكذلك الأدب الموجه أو الملتزم. ومع ذلك، يبقى الغموض قائمًا لدى كامو، وهو ما يُثير شكوك فينافر، إذ لا يوضح كامو أبدًا كيف يمكن للفن أو الأدب، أن يحدث هذا التأثير، أو ما الوسيلة العملية لتحقيق ذلك، ويُصِرّ على فكرة “التمرد”، ويمجد تمرد القناص الحر فرانك-تيرور[3] (Franc-tireur) الذي يناضل خارج إطار أي حزب. ولكن، من الناحية العملية، كيف يمكن للعمل الأدبي أن يحقق تأثيرًا دون أن يتبنى التزامًا نضاليًّا؟ هنا يأتي دور فينافر الذي يسعى للبحث عن إجابة لهذه المسألة.

التمييز بين الكتابة والحياة

لفهم هذه المسألة، لا بد من الفصل بين الكتابة والحياة، كما أشار إلى ذلك فينافر في رسالته لعام ١٩٥٢م، حيث تساءل: «عندما يصبح النضال في غاية الإلحاح، وعندما يتعلق الأمر إما بإنقاذ شيء ما، أو خسارة كل شيء آخر، وعندما لا يتبقى سوى مسار واحد يجب الحفاظ عليه، هل على الكاتب أن يتوقف عن كتابة مقالاته ورواياته، وأن ينخرط في أشكال عمل أخرى تكون بدنية لا فكرية بشكل أكبر؟». إن هذه التساؤلات لم تكُن مجرد فكرية بالنسبة لفينافر، بل كانت تجربة حية خاضها بنفسه. في عام ١٩٤٤م، وعندما بلغ السن الذي يسمح له بذلك، انضم إلى صفوف جيش التحرير الفرنسي، وعلى الرغم من أنه لم يتمكن لاحقًا من الالتحاق بوحدة قتالية، وقضى العام في ثكنة بباريس، فإن تلك التجربة الأولى تبقى تعبيرًا عن رغبته في العمل الحركي. “ولكن ذلك، أسهم أيضًا، في تثبيط عزيمته تجاه المبادرات المستقبلية…”.

برز التزام فينافر الأخلاقي لاحقًا، لا سيما في الموقف الذي اتخذه حيال إسبانيا في عهد فرانشيسكو فرانكو. في عام ١٩٥٢م، وقع على العريضة التي أرسلها له كامو في ١٥ يوليو، والتي كانت تندد بقرار اليونسكو القاضي بضم هذا البلد إلى صفوفها. قبلها، كانت المنظمة قد سعت إلى أن يسهم مؤلف الطاعون La Peste في أحد تحقيقاتها “المتعلقة بالثقافة والتعليم”. أما رد كامو على السيد توريس-بوديه Torres-Bodet، مدير اليونسكو، فقد نُشر في ثورة البروليتاريين La Révolution prolétarienne في يوليو ١٩٥٢م، مما دفع فينافر إلى الشعور بضرورة توسيع نطاق النقد الذي وجهه كامو ضد الديكتاتورية الإسبانية ليشمل الدولة الفرنسية “البوليسية”، فكتب رسالة إلى مدير المجلة بهذا الشأن. لقد ظهرت إسبانيا فرانكو في مسرحية فينافر الأعمال والأيام Les Travaux et les jours -حيث “مات والد غييرمو Guillermo في زنزانات فرانكو”-، ومع ذلك، علينا أن نلاحظ أن هذه المسرحية كُتبت في عام ١٩٧٧م، أي بعد عامين من وفاة الديكتاتور ونهاية نظامه، وكأنها تسعى لتوضيح أن هدف المسرح ليس مجرد الإدانة.

ورغم التزامه في قضايا مباشرة غير أدبية، فإن فينافر ظل دائمًا في حالة من التردد والريبة تجاه هذا النوع من الالتزام، إذ لم يقدِم على الالتزام الكامل الذي جسده آخرون مثل كامو، جينيه Genet، وغاتي Gatti. وفي عام ٢٠٠٩م، خلال مقابلة مصوَّرة مع جيرالدين ميرسييه Géraldine Mercier، استرجع فينافر تلك المرحلة بنظرة تأملية، قائلًا:

“إذا كان لزامًا عليّ أن أختصر حياتي في أربعة مقاطع صوتية، فمن دون شك ستكون: (دا-خل / خا-رج). إنها تمثل مسيرتي الشخصية، وتجربتي الحياتية، بل وحتى كتاباتي الأدبية. […] قد يكون هذا نوعًا من التنقل في الحياة، ومحاولة لتجنب الاصطدام المباشر. وإذا كان هنالك ما يعكر صفو هذا النهج، فهو شعور التردد الذي يراودني حين أسأل نفسي: هل أبدو جبانًا؟ وهل هناك شيء غير واضح أو غير حاسم في موقفي؟ لكن الجواب الذي أجدني أتوصل إليه دائمًا هو أنني لا أستطيع، لأن هذا جزء من شخصيتي؛ فأنا لا أستطيع أن أنتمي. وعندما لا أنتمي، أجد نفسي في حالة من التذبذب المستمر. ومع ذلك، ورغم هذا الاضطراب، لا أعتقد بأنني ابتعدت أبدًا عن مساري الأساسي”.

في عام ٢٠٠٠م، على سبيل المثال، رفض فينافر المشاركة في “الأيام الأدبية في سولوتورن Journées littéraires de Soleure ” بسويسرا، بسبب الاستقبال الحار الذي قدمته الحكومة السويسرية في مارس، لنائب المستشار النمساوي اليميني المتطرف. بيد أنه قرر، في النهاية، الحضور، ولكن فقط لتوضيح سبب رفضه. وفي نصه الذي نُشر بعنوان “زيارة المستشار النمساوي إلى سويسرا La Visite du chancelier autrichien en Suisse“، أوضح أن موقفه لم يكُن “مقاطعة”؛ بل كان “امتناعًا شخصيًّا” نابعًا من اعتراض أولي، وليس من موقف مدروس أو مخطط؛ إذ إن ميشيل فينافر يعلم أن هذه الأيام “لا تمثل السلطات السويسرية”، وبشكل خاص لم يكُن يسعى لإقناع أحد بتقليد تصرفه. لقد ميّز فينافر بين “لا يجب” -حكم قانوني أو أخلاقي-، و”لا أستطيع” -عجز بدني وشخصي-. وأضاف قائلًا: “باختصار، هناك ما هو دون أي التزام قابل للتعبير عنه، حيث نصل إلى شيء لا يمكن اختزاله: نوع من الموقف الذي يتجاوز الأيديولوجيا”، وهو موقف، كما يوضح: “مضاد للامبالاة أو الحياد”. على سبيل المثال، فإن بارتلبي Bartleby، كاتب ميلفيل Melville، هو “في الحقيقة، أبعد من ذلك… إذ إن لديه القدرة على ألا يمتلك حتى قضية ضمير ليواجهها”.[4]


[1] ألبير كامو، ميشيل فينافر، “الالتزام؟ الرسائل (١٩٤٦-١٩٥٧)”، مع مستندات أخرى، تحرير، تعليق وتقديم س. شمامة S. Chemama، دار لارك L’Arche، ٢٠١٢.

[2] فكر كامو في مسألة التشاؤم. ففي مقال “التشاؤم والشجاعة Le pessimisme et le courage الصادر في سبتمبر ١٩٤٥ (الحالية)، بيّن أن “التفكير التشاؤمي” ليس بالضرورة محبطًا، بل هو ببساطة غير ميتافيزيقي. إذ يعدّه “مشكلة حضارية”، مشكلة تطرح سؤالًا جوهريًّا: هل يستطيع الإنسان، دون اللجوء إلى الفكر الأبدي أو العقلاني، أن يخلق قيمه الخاصة؟ “الأعمال الكاملة، مكتبة البلاياد Pleiade، المجلد الثاني، ص. ٤٢٢”.

[3] مصطلح “فرانس-تيرور” (Franc-tireur) يشير في الأصل إلى مقاتل مستقل، غالبًا ما يكون خارج الهياكل العسكرية المنظمة، ويقوم بأعمال حرب غير تقليدية أو حرب عصابات. تاريخيًّا، كان الفرانس-تيرور متطوعين في الغالب مدنيين أو أعضاء في وحدات صغيرة، يقاتلون ضد العدو بطريقة فجائية، خصوصًا خلال الحروب مثل الحروب النابليونية، أو حرب ١٨٧٠ في فرنسا – المترجمة.

[4] فينافير، “المسرح ككائن فراكتالي”، مقابلة مع ج.-ل. ريفيير J.-L. Rivière ٢٠٠٤ نسخة رقم ٩٢٤ من أوروبا، ميشيل فينافير، أبريل ٢٠٠٦، ص. ١٢٢.

مقالات ذات صلة