جمال صوافا Djamel SOUAFA – فنسنت جيلين Vincent GUILLIN
ترجمة: روابي العمري
كيف تجاوز فكر جون ستيوارت ميل السياسي بحر المانش؟
يحلل فنسنت غيلين وجمال صوافا الظروف التي أحاطت باستقبال كتاب وجهات النظر حول الحكومة التمثيلية في ظل الإمبراطورية الثانية بفرنسا، ويُبرزان الأهمية المتجددة لنظرية جون ستيوارت ميل في الحكم الديمقراطي اليوم.
أعرب پیر بورتز Pierre Bouretz منذ ما يقارب العشرين عامًا، عن أسفه للجهل العميق الذي يحيط جون ستيورات ميل في فرنسا، وذلك في مقدمة الطبعة الجديدة لكتاب عن الحرية، De la Liberte) سنتساءل يوما بجدية من ناحية تاريخية ومفاهيمية، عن الأسباب المختلفة التي تفسر غياب جون ستيورات ميل شبه التام في المشهد الفكري الفرنسي المعاصر ، وقد كان هذا الغياب المثير للدهشة، والذي يعزوه بروتيز إلى " السهو " 3 ؛ إذ كانت أعمال ميل معروفة، وناقشها الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماعيون السياسيون الفرنسيون على الأقل حتى عشرينيات القرن الماضي. ولكي نحتفي بهذه الأعمال، نلاحظ أيضا، بكل ارتياح، بأن الوضع قد تحسن بشكل ملحوظ منذ التسعينيات، حتى لو لم يكن فكر ميل محور النقاشات المعاصرة في فرنسا، فبعض كتاباته أصبحت مرة أخرى متاحة للعامة.
أتاحت اليوم آخر مساهمة في هذه الحركة للقراء الفرنكفونيين، المتمثلة في نشر ترجمة دقيقة ومنمقة لكتاب وجهات نظر حول Patrick لباتريك سافيدان des Considérations sur le gouvernement représentatif الحكومة التمثيلية Savidan العرض الذي يُعد بلا شك أكثر منهجية لأفكار ميل السياسية والدستورية. ويتبقى معرفة مكانة هذا النص: أيجب أن نكتفي بقراءته لأهميته من الناحية التاريخية بوصفه مساهمة مفتاحية، ولكن دون إغفال لحتميته التاريخية؛ من التقليد الليبرالي، إلى التأمل في "الديناميكية الديموقراطية المعاصرة لتوسع تدريجي لحق الاقتراع العام ليشمل الطبقات الشعبية، الذي فرض إعادة التفكير مجددًا في فكرة التمثيل ذاتها؟ أم أن علينا بدلا من ذلك عد وجهات النظر" سبيلا لتقديم منظور وثيق الصلة بالتحديات التي تواجه المجتمعات الديموقراطية اليوم، بعيدًا عن السياق الذي كتبت فيه هذه الأفكار، وبعيدًا عن السياقات التي تستجيب لها؟ وبدلا من الانحياز لأحد هذين النهجين، لربما تكون هناك طريقة ثالثة أفضل، تتمثل في قبول اقتراح باتريك سافيدان بالاستفادة من تأثير المرأة effet de miroir"، الذي قدمه نص ذو جذور تاريخية لا يمكن تجاهلها، بغرض تحديد سقف توقعاتنا الديموقراطية بشكل أفضل " . ولاعتماد هذا النهج الأخير، نقترح على القارئ أن يبدأ بحثه منذ بدايات الإمبراطورية الفرنسية الثانية وصولا إلى ميلاد الجمهورية الفرنسية الثالثة، حيث سيجد في تلك المرحلة بعض البوادر الفكرية المتعلقة بتمثيل الأقليات وحق تصويت النساء، ودور نظام الثنائية البرلمانية (الغرفة الثانية) الذي طوره جون ستيوارت ميل في كتابه وجهات النظر حول الحكومة التمثيلية. ويذكرنا ذلك بأن فكر ميل السياسي قد حظي فعلا باستقبال فرنسي، وبنقاش حول تطور نظرياته في الحكم الديمقراطي.
منظور تمثيل الأقليات
كان اقتراح ميل لتمثيل الأقليات الذي لفت الانتباه بشكل كبير في فرنسا، وغيرها بالتأكيد، مزامنا لعصر نشر كتابه وجهات نظر حيث غذى هذا الاقتراح الذي .des Considérations sur le gouvernement représentatif حول الحكومة التمثيلية ورد في الفصل السابع من كتاب الديموقراطية الحقيقية والزائفة De la vrai et de la fausse democratie، فكرة النقاشات في فرنسا حول الاقتراع العام، الذي كان لا يزال يعد جديدًا والذي كانت تأثيراته المحتملة مشكوكا بها في ١٨٦٠م، وأعطى الاقتراح بعدًا جديدًا للنقاش استمر طوال القرن التاسع عشر، وتعلق بنظام الاقتراع الذي اعتمد وسبق ما يعرف باسم التمثيل النسبي.
في الواقع، وبالتوازي مع النقاشات الدائرة حول إمكانية توسيع حق التصويت، برزت أصوات عدة منذ بدايات العصر الحديث تعبر عن عدم ثقتها في تصويت الأغلبية، ولا سيما في قدرتها على تمثيل عموم الشعب بكل تعقيداته، مما جعلها موضع شك حقيقي في هذا السياق. وقد أعيد طرح المبدأ الذي صاغه ميرابو (Mirabeau) في يناير عام 1789م، والذي ينص على أن الجمعيات الوطنية تمثل بالنسبة إلى الأمة نموذجا مصغرا منها من حيث مداها الواسع؛ سواء على النطاق الجزئي أو العام وينبغي أن تحافظ النسخة دائمًا على النسب نفسها التي يتمتع بها الأصل. 7 " ، وتخشى هذه الانتقادات الشائعة بين التيارات السياسية المتنوعة، وحتى بين أكثر المؤيدين حماسة للاقتراع العام، أن يؤدي الانتقال من مجتمع قائم على الهيئات إلى مجتمع قائم على الأفراد، مما سيلقي بظلال من الغموض على النظام الاجتماعي؛ فالشعب الذي كان يمكن ملاحظته مباشرة خلال الفترة الثورية، سيصبح من الصعب تصوّره بمجرد انتهاء تلك الفترة، وستصبح السيادة المعلنة لهذا الشعب مثيرة لماهية الوسائل التي يجب تبنيها لتمكينه من التعبير وتحمل المسؤوليات. وبدلا من التجميع البسيط للآراء المرتبط بالتصويت بالأغلبية، فإننا نريد تحقيق إعادة هيكلة لتمثيل المجتمع السياسي، وفقًا لواقعه الاجتماعي عبر دوق داين d'Ayen الليبرالي المحافظ في عام ١٨٦٣م قائلا: «في فرنسا ... إن ما نخشاه ليس الشعب، إنما الحشد، والقوة العمياء، وغير المسؤولة».
ولدرء هذا الصداع الاجتماعي " ، علينا إبراز ضرورة تمثيل الأقليات". لقد شهد هذا المصطلح العام نجاحًا واضحًا في الأدبيات السياسية في القرن التاسع عشر، ورغم اتسامه بالغموض الشديد، بيد أن المصطلح يشمل حقيقتين، تتعلق الأولى بالجانب الحسابي وتشير إلى ضرورة معاملة كل صوت بالأهمية نفسها، على عكس قاعدة الأغلبية التي تستبعد الأصوات الأقلية. وأما الحقيقة الثانية، فهي اجتماعية وسياسية، حيث تمثل الأقليات كل جانب في المجتمع، وكل خصوصية يمكن أن تساهم في إعادة تشكيل الشعب عبر تمكينه من ممثل ديمقراطي له وقد اقترح بعض المؤلفين الذين كان غالبيتهم علماء رياضيات مثل کوندرسيه Condorcet ، أو جان تشارلز دي بوردا Borda Jean-Charles de، أنظمة انتخابية من شأنها أن تسمح بتلبية هذين المتطلبين. كما قدم الأمريكي توماس هير Thomas Hare في عام ١٨٥٩م، طريقة لها الغاية نفسها في أطروحته عن وكما on the Election of Representatives Parliamentary and Municipal انتخاب النواب والبرلمانيين والبلديين هو الحال مع ميل، شهد هير الشمل التدريجي في حق الاقتراع في بريطانيا منذ إصلاح عام ۱۸۳۲م. ولما كان متأثرا بشدة بفرانسوا جيزو François Guizot، خشي مصادرة المؤسسات من السكان ذوي التعليم المتدني، والسكان الذين لديهم حساسية وعاطفية ويتأثرون بمشاعر الجماهير؛ لذا كانت النتيجة الطبيعية استبعاد الأقلية وتضمينها في الدولة. وبفضل نظام التصويت الذي قدمه، أراد هير ضمان حق التعبير السياسي للطبقات الحاكمة، عبر السماح لهم بتجميع أصواتهم للحصول على ممثل لا يشارك ميل تصورات هير المسبقة فيما يتعلق بالحق في التصويت الشامل، أو الاستبعاد السياسي للفرد كون أنه انحطاط في التمثيل ، وهو ما شرحه في الفصل السابع من وجهات نظر، الذي ساهم بنشاط في نشره. كما حذر ميل من التهديدات التي يشكلها هذا التوجه، ولا سيما خطر سيطرة أغلبية عددية على التشريعات الطبقية المكونة من فئة واحدة فقط، في حين أنه لا يمكنها ولا ينبغي لها، توجيه عمل الحكومة، بل يجب أن تظل "النخبة"، بالمعنى الأوسع للمفهوم، قادرة على عد ممثلين منتخبين في مقاعد الجمعية التمثيلية بسبب أهميتها في البلاد ليس لهذا الحضور أن يسمح بممارسة السلطة بفعالية، ولكن يمكن استخدامه للتعبير عن الاعتراضات في حالات الظلم من طبقة الأغلبية ضد الطبقة الأقلية، ويوكل إلى هذا الجزء من التمثيل مهمة " التضاد Antagonisme وذلك يعني أنه يشكل وسيلة تصد ضد تمدد سلطات طبقة معينة، وضامنا للتنوع واعتدال أعمال الجمعية. وفي هذا، يُصنف ميل ضمن المنحازين لهذا التقليد، الذي يميل له أيضا شخصيات مثل سيي Sieyes أو بيرك Burke الذي يرى أنه ينبغي أن يكون للحكومة التمثيلية التي تقبل بصفتها "حكومة للنقاش"، ومولودة في دول ذات كثافة سكانية، دفاع عن التنوع الاجتماعي، ومن ثم عن الأقليات. كما أن هذه الأقلية ستستعيد ضخ الكفاءة في المجلس المنتخب، وعبر اختلاطها بممثلي الأغلبية.
في الواقع، لا يخشى ميل فقط أن يؤدي التصويت بالأغلبية إلى تشريع يخدم مصالح طبقة معينة، بل يخشى أيضا أن يفضي إلى مستوى منخفض من الذكاء داخل الهيئة التمثيلية"؛ إذ ليس فقط أن مراجعة أو تخفيف شروط الحصول على حق الانتخاب قد تجعل الهيئة الانتخابية أقل وعيا مما كانت عليه سابقا، بل من المحتمل أيضا أن تتأثر جودة الممثلين سلبًا، على غرار جودة من يمثلونهم. وفي انسجام مع التحليل الذي قدمه توكفيل Tocqueville في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا De la Democratie en Amérique يلاحظ ميل بقلق أن شمل الحقوق السياسية يؤدي إلى توحيد الأذواق، حتى على نطاق أدنى المستويات في أنماط الحياة، ويحذر بأن الحكومة التمثيلية مثل الحضارة الحديثة، تميل بطبيعتها إلى الرداءة الجماعية. وعليه، فإن دور الأقلية يكمن في تسخير تعليمها أو خبرتها في خدمة الهيئة التشريعية، لتوجيه عملها. وكما يلاحظ الفيلسوف فيليب ريفيال Philippe Rivial: "لا يوجد في الحكومة التمثيلية مستويان فقط ممثلون وممثلون، بل إن هناك ثلاثة مستويات؛ إذ يتعين أن يتدخل بين المستوى الأول والثاني قادة الرأي، أو ما يمكن تسميته بالطبقة السياسية، بشرط أن تتألف من أشخاص مستنيرين وليسوا من الطامحين وحسب، أي نخبة النخبة ". ويبرز هنا أحد أوجه ما يصفه باتريك سافيدان في مقدمة كتاب وجهات نظر Considerations ، كونه من نظريات ميل حول الديمقراطية، فالانفتاح على مشاركة الطبقات الشعبية في الهيئة الانتخابية ليس كافيا للحديث عن الديمقراطية؛ إذ يجب أن يُقام حوار بين مختلف الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع السياسي، حيث تعمل النخب بصفتها قادة للطبقات الشعبية لإدماجهم في هذا المجتمع . ومن ثم، فإن منظور تمثيل الأقليات يتيح فهم جانب أساسي من النظرية السياسية لجون ستيوارت ميل، إلى جانب إدراك طبيعة العديد من التساؤلات المطروحة في تلك الحقبة، حول خطر التصويت بالأغلبية والحلول الممكنة للوقاية منها.
لقد مكنت هذه الأسباب نظام التمثيل النسبي ليجد مؤيديه، في ظل الإمبراطورية الثانية، وبالتزامن مع الفترة نفسها التي نشر فيها كتاب وجهات النظر Considerations للقارئ الفرنسي، ضمن إطار النقاش العام الذي تطرح بداخله هذه القضايا. لقد اعتمد النظام الإمبراطوري سلسة من الإجراءات الليبرالية في بداية ستينيات القرن التاسع عشر، وعودة قادة المعارضة الذين تم اعتقالهم أعقاب الانقلاب والذين أعفوا في أغسطس (۱۸۵۹م)، ومن ثم جددت القوى السياسية للأجيال الداعمة للارتقاء بالخطابات والازدهار الفكري. يقول دوق داين يبدأ عهد جديد في الهيئة التشريعية الجديدة، لقد أحدث يقظة فكرية، حتى فاحت منه مثل رائحة المعارضة. ومع اقتراب انتخابات عام ١٨٦٣م التي لم يكن يمكن التنبؤ بنتائجها، والتي قد تعني دخول المعارضة إلى الهيئة التشريعية، شكلت العديد من الكتابات موضوعًا للاقتراع العام، لا سيما العملية الاقتراعية ذاتها، التي كانت جانبًا مهما لهذه الاقتراعات . لقد كانت وجهات النظر بذاتها غنية أكثر من غنى كتاب وجهات النظر نفسه الذي كان قد نشر للتو، حيث كانت تحليلات ميل والتعليقات عليه جزءًا لا يتجزأ منه، وحيث انتشرت الأسئلة المطروحة حول نظام التصويت على نطاق واسع، بما يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.
وأما في الجيل الجمهوري الذي شارك في الجمهورية الثانية، والذي وضع في اعتباره الدعم الشعبي الذي استغله لويس نابليون بونابرت Louis-Napoleon Bonaparte لقلب نظام الحكم، توسع اقتراح تمثيل الأقليات، في الوقت الذي ازداد فيه التشاؤم بشأن الاقتراع العام. تلكأ فيليب بوشيه Philippe Buchez، الرئيس السابق للجمعية التأسيسية في وصيته السياسية حول هذا الإجراء. لم يكن للويس بلانك Louis Blanc المنفي إلى إنجلترا التي كون فيها صداقته بستيوارت، والذي دافع في عام ١٨٤٨ م عن اشتراكية تنادي بتوحيد الطبقات الاجتماعية، إلا أن يتأثر بتنبؤات جون ستيورات ميل؛ حيث نشر بلانك كتيبا كاملا يتعلق بهذا الموضوع بعنوان حول التمثيل النسبي للأقليات De la representation proportionnelle des minorites بعدما طرح هذه الأفكار في الصحيفة اليومية لوتوم Le Temps ومن المفارقة، انضم هؤلاء المدافعون القدماء، بشكل مناقض، إلى مواقف الكتاب الأورليانيين - الساعين إلى حركة مضادة، تسعى لتوفير ظروف جعل الاستفتاء العام مقبولا، ولا يمكن تفاديه، في تحيّزهم لمفهوم التصويت الشعبي، الذي يرى في التمثيل النسبي تصحيحا ضروريا لآلية الانتخابات. ومن هنا طويت صفحة التصويت النخبوي وحصر السلطة بيد ذوي القدرات"، واكتفي بالدفاع عن حقوقهم عبر تمثيلهم. وهكذا، يرى الليبرالي لوسيان أناتول بريفوست - بارادول - Lucien-Anatole Prévost-Paradol في "الاقتراع التراكمي suffrage accumulé" وسيلة لضمان تمثيل نسبي للأقليات، مما يمنع هيمنة الطبقة الأكثر عددا، والأقل وعيا في الأمة، على الجسد السياسي، حيث عبر عن ذلك في عمله الرئيس "فرنسا الجديدة " La France Nouvelle الذي أضفى حيوية على هذا النقاش في عام ١٨٦٨م.
لا شك في أنه كان هناك بعض القراء المتشككين حيال هذه الفكرة. يعتبر هيبوليت باسي Hippolyte Passy ، عضو الأكاديمية الفرنسية للعلوم الأخلاقية والسياسية، تمثيل الأقليات مؤشرًا على تناقض مذهب جون ستيوارت ميل ويقول: "ها هو السيد ميل يواجه المثالية، التي يرى فيها أن على المجتمعات البشرية أن تتقرب بعضها من بعض عبر استزادها من المعرفة والتحضر. إن هذه المثالية تتمثل في حكومة لكل الشعب، ومكونة من الشعب كله متساو للجميع. ولكن، بعد دراسة آثار تحقيق ذلك، أصيب الكاتب بصدمة خطر تسليم السيطرة إلى الأغلبية الساحقة، ليجد نفسه مضطرًا إلى هدم البناء الذي شيده بيده الأخرى".
وفي النهاية، لا يرى أنصار النظام الذي اقترحه هير في فرنسا أنه مجرد آلية تصحيحية للآثار الضارة التي قد تنجم عن حق الاقتراع العام، الذي يشمل تدريجيا جميع أفراد المجتمع وحسب بل يجدون فيه أيضا أداة سياسية فورية، تستخدم لانتقاد استغلال هذا الاقتراع العام نفسه خلال فترة الإمبراطورية الثانية، وذلك أن المعارضة كانت تعاني من صعوبات جمة في إيصال صوتها داخل المجلس التشريعي، حيث يتمتع الحكم الإمبراطوري بأغلبية مريحة. لقد سهل هذا الأخير انتخاب ممثليه عبر دعم "المرشحين الرسميين"، وهم المرشحون الذين تدعمهم الإدارة ماليا ولوجستيا، وأولئك الذين يستفيدون من شعبية نابليون الثالث. ويمكن تفسير هيمنة النواب البونابرتيين على المؤسسة التشريعية، عبر عدها واحدة من مظاهر استبداد الأغلبية التي ندد بها جون ستيوارت ميل. وبالمثل، يمكن عد دعوته إلى الحد الكبير من نفقات الحملة الانتخابية، وسيلة لضمان التعددية والتنوع في الترشيحات. ولهذا السبب، يرى الأورلياني كما دوق داين الذي يشكو من أن تمثيل الأقليات يقدم بديلا للصمت الذي تدان به المعارضة تقتصران السلطة والإدارة المتشابهة إلى حد كبير على تبادل صورتهما بعدة نسخ، عبر الدخول إلى غرفة الترشيح الرسمي"، حيث يتساءل: كم سيكون مثيرًا للاهتمام فحص عدد النواب غير المدعومين رسميا، والذين كان يمكن أن ينتخبوا في انتخابات عام ١٨٦٣ م من الأقليات المتناثرة في بلادنا، لو تم جمعهم وفقا للنظام الذي يقترحه السيد ميل. استمر هذا النوع من النقد الموجه للمؤسسات الإمبراطورية حتى أواخر عهد الإمبراطورية الثانية، لدرجة أن كاتبًا سياسيا مثل جول بورلي Jules Borely الذي كان من مناصري تمثيل الأقليات، حذر في عام ۱۸۷۰م من الهيمنة الكبيرة للسلطة في توجيه الاقتراع العام، مشيرًا إلى التفاوت بين عدد المرشحين الرسميين في المجلس التشريعي، وإلى حالة القوى السياسية في البلاد.
الحكومة التمثيلية والنساء
يتمثل العنصر الثاني اللافت لانتباه قراء كتاب وجهات النظر Considerations الفرنسيين في الدعوة إلى الاقتراع العام الحقيقي ليشمل حق تصويت النساء وحتى لو كان ميل معروفا بالفعل في ذلك الوقت بتوجهه النسوي، إلا أنه لم يعبر عن الوضع الاجتماعي للمرأة ومشاركتها في «الحكومة»، أي الحياة السياسية، إلا في كتاب وجهات النظر .
يؤكد ميل هنا، أنه لا يجب أن تحصل النساء على حق التمثيل، كونه الوسيلة الوحيدة لضمان أخذ مصالحهن في الاعتبار وحمايتها، وهو ما يعد الغاية الأولى التي تسعى إليها الإدارة الجيدة لشؤون المجتمع التي تميز النظام التمثيلي ، ولكن تعد المشاركة الفعالة للنساء في الحياة السياسية، أمرًا ضروريًا أيضا لتحقيق الغاية الثانية التي يجب أن تسعى إليها كل حكومة، وهو التقدم العقلي العام للمجتمع، وهو ما يفهم به التقدم في مجالات العقل، والفضيلة، وكذلك النشاط، والعقل. وبخصوص هذا الصدد الأخير، قد تكون الحجة مزدوجة، أولا، من وجهة نظر النساء أنفسهن، حيث يعني منح النساء حق التصويت كما يزعم ميل، منحهن الفرصة لتطوير بعض الصفات مثل الاستقلالية، والتجرد، والحصافة، وهي صفات قد لا تسمح لهن حياتهن المنزلية البحتة بتطويرها؛ إذ عندما يستشرن في المسائل العامة ويصبحن قابلات لفهم الاعتبارات السياسية، حينها قد ترى الناخبة أن نطاق اهتماماتها يمتد إلى ما هو أبعد من المجال المحصور في المنزل، وبذلك تبدأ عملية التعليم التي ستجعل منها فردا مكتملا. وثانيا، ومن وجهة نظر المجتمع، حيث يعني إدماج النساء في المجتمع السياسي، إثراء نوعية الهيئة الناخبة بشكل عام وفقًا لميل. ففي المنازل التي يسود فيها قدر أكبر من المساواة المدنية بين الزوجين، ستكون التبادلات ذات طابع يغلب عليه السياسية يتطلب تبرير تصويت الرجال غالبًا أن يجد أسبابًا صادقة، يمكن أن تقنع شخصا أكثر استقامة وحيادًا بأن يخدم تحت الراية نفسها، وهو ما يناقض بذلك "الهيمنة" الأخلاقية المنزلية البسيطة للنساء. ويعرض ميل هنا تأثيرًا مدنيا حقيقيا للناخبات على نظرائهن من الرجال ويستثمر في حجته لصالح شمل حق تصويت النساء، عبر إدراجها ضمن العناصر الأساسية لنظريته حول "الديمقراطية"، التي تشمل محاور أخرى، مثل: الإقرار بالمساواة بين الأطراف في النقاش العام، وتعزيز مفهوم التبادل السياسي كونه حوارًا عقلانيا، وتشجيع التنمية الفردية، ورفع الوعي بالمصلحة العامة.
إن من غير المفاجئ ملاحظة تشكيك أو معارضة غالبية القراء الفرنسيين للنداء النسوي في كتاب ميل، وجهات النظر Considerations فإذا عددنا النصف الأول من القرن التاسع عشر فترة بناء الهوية النسوية، عبر تقديس النظام الاجتماعي فإن هذا التصور يظهر الزوجة كعمود للهيكلية المنزلية في أوسع تجلياته في ظل الإمبراطورية الثانية. ومع فرض هذا التصور للمرأة، فإن دخولها إلى المجتمع السياسي لا يستبعد فقط من قبل المحافظين، ولكن أيضا من التيارات الأكثر ليبرالية، ومن الجمهوريين، وحتى الاشتراكيين، ويشهد على ذلك الفشل عام ١٨٤٨ م؛ حيث رفض الجزء الأكبر من الجمهور اتباع طريق تحرير المرأة السياسي على اختلاف المدارس الفكرية التي كانوا ينتمون إليها، متجاهلين بذلك المنطق الكلي الذي يحكم الفكر السياسي لميل الذي يتجلى في الاهتمام بتعليم الشعب نفسه، مما سيدفعه للمطالبة بتمثيل الأقليات ومنح حق التصويت للنساء.. ومن ثم، يعترف دوق أيان بأن الكتاب إبداعي وجديد فيما يخص الأصوات والانتخابات"، ولكنه يرى أيضا أنه يصبح جريئا جدا عندما يدافع بجدية عن فكرة منح النساء حق التصويت. ومن جانب التصور المدني للعلاقات بين الزوجين الذي اقترحه ميل، يعارض الدوق مثالاً تقليديا كان يُقدّر المشاركة السياسية للزوج، والمقام الأخلاقي لزوجته، حيث "لم تكن النساء يصوتن، بل كن يحكمن، وغالبا ما كن يحكمن رجالا من النخبة"، متسائلا: "ما الذي سنكسبه إذا أبعدنا هن عن المنازل والصالونات التي تعد إمبراطوريتهن ".
ويعد ذلك أيضا من النتائج المنطقية لتحررية المرأة سياسيا، إذ لا يفوت النقاد أن يذكروا معترضين فحتى إذا كان ميل يميز بين حق الاقتراع الذي يجب أن يسمع المرء من خلاله، والمشاركة في الهيئات المنتخبة، إلا أن التساؤل يكمن في أليست "فردانيته التقدمية"، التي تؤكد أهمية الممارسة السياسية والتعليم، تقود حتما إلى أن تكون النساء لا يُمثلن وحسب، بل يُصبحن أيضا ممثلات ؟ . وهكذا يمكن للناقد الأدبي إدموند شيرير Edmond Scherer أن يلوم ميل على أنه نسي أن من المرأة الناخبة إلى المرأة القابلة للترشح، لا يوجد سوى خطوة واحدة، أو بالأحرى، لا توجد خطوة أصلا 40 ، وهو رأي يتفق مع رأي الليبرالي المسيحي ألبرت دي لوستراك Albert de Lustrac ، الذي لا يتصور فكرة مباركة لجمعية مكونة من كلا الجنسين."
في نهاية المطاف، لا بد من الاعتراف بأن مساهمة كتاب وجهات النظر حول الحكومة Considerations sur le gouvernement فيما يخص النظريات النسوية لم تلق اهتماما كبيرا، سواء من خصومها أو من مؤيديها. لقد أغفلت تقريبا أمام الأعمال اللاحقة لميل حول هذا الموضوع، التي كان لها الفضل في مرافقة تطور وتنظيم حركة تحرير المرأة، بدءًا من إخضاع النساء assujettissement des femmes De' | المنشور في سنة ١٨٦٩م، والعمل الأكثر إسهابا حول هذا الموضوع الذي شرع في كتابته منذ بداية ستينيات القرن التاسع عشر - ١٨٦٠ م، حيث يعرض بشكل مفصل الحجج التي أشير إليها باختصار في كتاب وجهات النظر. ولكن الأهم من ذلك، كان النشاط البرلماني الذي قاده من أجل إدراج حق المرأة في الاقتراع في مشروع إصلاح الانتخابات لعام ١٨٦٧م، والذي ربط ميل بقوة بهذه القضية في الرأي العام الفرنسي. ربما يمكن أيضا أن نعتقد أنه، على غرار نظرائهم الإنجليز ، وجد القراء الفرنسيون المتأثرون بحجج ميل لصالح شمل الاقتراع العام للناخبين الذكور من الطبقات الشعبية، وتمثيل الأقليات، في هذه الابتكارات تغييرا كافيًا للنظام السياسي، تجنب هز النظام المدني والاجتماعي عبر منح النساء حقوق الرجال نفسها.
أي إرث في فرنسا؟
يمكننا أن نتساءل عن الأفكار التي ضمنت بشكل دائم في الخطاب السياسي في فرنسا، بعد هذه الفترة الأولية من ردود الفعل على كتابات الفيلسوف الإنجليزي. إن الإجابة على هذا السؤال تثير بعض الصعوبة، نظرًا لأن وجهات نظر جون ستيورات ميل حول الحكومة التمثيلية، كانت في منافسة مباشرة مع نصوص سياسية أخرى من النوع نفسه، مثل آراء حول حكومة فرنسا Vues sur le gouvernement de la France لفكتور دي بروغلي Victor de Broglie الذي نشر في ۱۸۷۰م بعد أن حظر في ١٨٦٢م)، أو الحزب الليبرالي Parti liberal لإدوارد لابولاي Edouard Laboulay المنشور في سنة ١٨٦٤م. بينما أصبح كتاب فرنسا الجديدة للوسيان بريفوست ياردول الكتاب اللافت للنظر، الذي أصبح على مدار عدة سنوات مرجعية أساسية لليبرالية الفرنسية "إنجيل الأوريليانية. ومع ذلك، دعونا نتذكر أن بريفوست بارادول نفسه، يمكن أن يكون قد استلهم من أفكار ميل عبر تفصيل مؤسسات فرنسا الجديدة. ولإعطاء مثال واحد فقط، يقوم بريفوست بتناول فكرة تمثيل الأقليات، والنظام الانتخابي الذي اقترحه هير وأيده ميل لتحقيقه، ويعلق عليها في الفصل الأول من فرنسا الجديدة، مما أثار حماسا جديدا لهذا الاقتراح في نهاية الإمبراطورية الثانية. بيد أن من الصحيح أن في عام ۱۸۷۵م، وبعد خمس سنوات من سقوط الإمبراطورية الثانية، وحينما لم تعد القضايا السياسية أو الاجتماعية تطرح بالطريقة نفسها، وجد النائب شارل بيرنوليه عند تقديمه لنظام يهدف إلى تمثيل الأقليات "ضجيج عدم المبالاة للجمعية. إذا ، إن من المهم أن نتساءل، إذا ما أردنا أن نفهم طبيعة ومدى تأثير أفكار ميل في المشهد الفرنسي، عن المكانة والقيمة الموجودة في السياق السياسي آنذاك.
تمعن بعض الأفكار في كتاب وجهات النظر النظر في سياق تاريخي ومؤسسي معين؛ حيث يتضمن ذلك مسلسل السنوات التي أعقبت الإمبراطورية الثانية مباشرة من فبراير ۱۸۷۱م إلى يوليو ١٨٧٥م، وهي الفترة التي شهدت جمعية وطنية ذات أغلبية محافظة، مضطرة لأخذ القوى السياسية في البلاد بعين الاعتبار، من أجل صياغة الشكل القانوني للنظام المستقبلي. لقد أنت التنافسات بين السلالات الحاكمة، وثقل الجمهوريين، وكذلك استمرار الدعم الشعبي للتيار البونابرتي إلى تقديم العديد من التنازلات والحلول الوسط وفي هذا السياق، ومع ترسيخ حق الاقتراع العام بشكل قوي، أشار بعض أعضاء هذا "المختبر الاستثنائي للرؤى الدستورية الذي تمثله الجمعية الوطنية لعام ۱۸۷۱م، وفي مناسبات متعددة، إلى مؤلف كتاب "وجهات نظر حول الحكومة التمثيلية. إن انجذاب مؤسسي الجمهورية الثالثة إلى كتابات ميل كان جزئيا وانتقائيا بطبيعة الحال، حيث كان الدافع الرئيس يتمثل في القضايا التي تشغلهم أنذاك، ومن ثم كان الأفكار ميل أن تستدعى أو تهمل بناء على مدى توافقها مع هذه القضايا.
وتأتي في طليعة هذه الانشغالات مسألة الشكل الذي يجب أن تتخذه السلطة التنفيذية، إذ منذ أغسطس ۱۸۷۱م، بدأت تتبلور تدريجيا فكرة إدخال رئيس للجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة، وولاية تمتد لسبع سنوات داخل البناء المؤسسي. وقد عززت هذه الوظيفة، وأعطيت فيها تفاصيل إضافية عبر القوانين الدستورية المتعاقبة من عام ۱۸۷۱م إلى عام ١٨٧٥م. يتمتع الرئيس إجمالا بمبادرة اقتراح القوانين، مما يتيح له منافسة مجلس النواب، حيث لا ينبع الوجود القانوني لمنصب الرئيس من الفلسفة الجمهورية التي كانت لا تزال حتى عام ۱۸۷۱م، تفضل السلطة التنفيذية المشتركة وغير الشخصية. وكما أشار إلى ذلك رينيه ريمون Rene Remond، فإن الاعتراف الفعلي بهذا المنصب، يعود بالأساس إلى الأغلبية المحافظة في الجمعية، التي سعت عبر "البديل عن السيادة، إلى استعادة الملكية الليبرالية لعهد يوليو.
وبالحديث عن ذلك، لم يكن الحزب الأورلياني مقتنعا بالتطورات الموجزة التي خصصها جون ستيوارت ميل الموضوع "مكانة السلطة التنفيذية في الحكومة التمثيلية" في كتابه "وجهات نظر حول الحكومة التمثيلية 1950. ومنذ عام ١٨٦٢م، أعرب هيبوليت ياسي عن أسفه لقلة الاهتمام الذي أبداء ميل تجاه هذه المسألة، التي لم يخصص لها إلا فصلا واحدا فقط يكمن نقد باسي في أن ميل تناول بالتتابع وظيفة رئيس الوزراء والرئيس دون تمييز بين الأنظمة الملكية الدستورية والجمهورية، على الرغم من أن السلطة التنفيذية في النظامين تستند إلى مبادئ مختلفة. كما لاحظ باسي: بقدر ما اهتم المؤلف بأدق الترتيبات المتعلقة بتعيين وتنظيم الجمعيات، بيد أنه أظهر الامبالاة كبيرة تجاه كل ما يتعلق بالسلطة التنفيذية . وبالمقارنة، تبدو الدراسة التي أجراها بريغوست بارادول حول المؤسسات المختلفة أكثر توازنا، وأكثر توافقا مع العقيدة الأورليانية في كتابه "فرنسا الجديدة"، مما يفسر لماذا تمكنت النقاشات البرلمانية أو العامة حول طبيعة ومدى وظيفة الرئاسة، من تجاهل الإشارة إلى نظرية ميل عن "الدولة".
تعد الإشارة إلى كتاب وجهات النظر شبه منهجية في الأدب السياسي عندما يتناول مسألة الغرفة الثانية (الثنائية البرلمانية). في الواقع، في عام ۱۸۷۱م، كان الاتجاه الليبرالي المحافظ الذي يدافع منذ فترة طويلة عن نظام ثنائي المجلس، يأمل في تبني النظام الذي سيولد من هذه القضية. ويرى ألبرت دي بروغلي، ابن فيكتور دي بروغلي ورائد الحزب الأورلياني، في ذلك شرطا لا غنى عنه sine qua non لأي اتفاق حول دستور مستقبلي . وإلى جانب الجمعية المنتخبة بالاقتراع الشعبي، يرغب هذا الأخير في رؤية سلطة معتدلة ، تكون مكلفة بالتخفيف من السلطة المطلقة. وعلاوة على ذلك، وعبر طريقة انتخابها، يمكن أن تعوض مثل هذه الغرفة عن النقص المفترض في الاقتراع العام من حيث التمثيل. وهكذا، ستجد الطبقات الاجتماعية، والهيئات المهنية، والمجموعات المنظمة، والمناطق، أو المصالح الخاصة في كلمة واحدة، الرؤية التي فقدتها بسبب ممارسة الاقتراع العام وبالعودة إلى هذه النقاشات الأساسية حول الليبرالية الفرنسية، يشير لوسيان جاوم Lucien Jaume إلى أي مدى يشكل "البحث عن وسيلة لتمثيل المصالح" حمامنا حقيقيا في جمعية فرساي، فضلا عن كونه موضوعا للتبادل بين الأورليانيين والشرعيين، أو بين الوسط اليميني والوسط اليساري، الذين سيضعون معا القوانين الدستورية لعام ١٨٧٥.
ومع ذلك، وفي الفصل الثالث عشر من كتاب وجهات النظر الذي يخصصه لهذا الموضوع، لا يبدو أن ميل يشارك حماس أكثر المؤيدين حماسة للنظام ثنائي المجلس من جانبي، أعترف أنني أعطي قيمة قليلة للحد الذي يمكن أن يفرضه المجلس الثنائي على ديمقراطية لا يحدها شيء آخر . وعبر نزعة ميل للدفاع عن الحق الفردي في الاقتراع، لا يمكن له إلا أن يرفض بشدة مؤسسة لا يكون لها وظيفة أخرى سوى الحد من وزن الناخبين الجدد، كما لا يتردد في التحذير من أن مثل هذا الاحتياط سيكون تاقها، متنبنا كما فعل توكفيل بأن الواقع الديمقراطي لا مفر منه. ومع ذلك، يبقى هذا التحذير مجرد حبر على ورق لدى بعض المدافعين عن الغرفة الثانية، مثل بيير برادييه Pierre Pradie الاشتراكي المسيحي الذي دعا إلى الملكية في عام ١٨٧١م. لقد قدم لوسيان جاوم مشروع القانون الذي قدمه هذا الأخير في أبريل ١٨٧٤م، على أنه يمثل بشكل خاص المخاوف الليبرالية المحافظة في ذلك الوقت ، حيث أكد برادييه من على المنصة: "إن من يمتلكون جرأة أكبر، يطالبون بإلغاء الاقتراع العام، ونجد أنه من الحكمة والسياسة، أن نحافظ على هذا المشروع عبر تنظيمه وترتيبه لماذا إذن تلغيه، طالما أننا نصل إلى النتيجة نفسها عبر تركيبة تركز على مخاطره، دون النظر إلى ما قد يكون جيدا فيه ؟ وحتى لو استثنينا هذا المشروع الذي يهدف صراحة إلى تهميش التصويت الشعبي، فإن المؤلفين الليبراليين بشكل عام، يرون في مجلس الشيوخ مؤسسة لا غنى عنها. وهذا هو الحال بشكل خاص مع بريفوست بارادول، الذي يعده أحد أعمدة فرنسا الجديدة، مبرزا وجوده بالقول ببساطة: إن "تنفق التجربة مع العقل في توصية الأمم الراغبة في الحكم بترتيب وحرية على إنشاء مجلسين يتقاسمان السلطة التشريعية بينهما ". وفي عام ١٨٣٦ م، أكد لابولاي أن "هذا التقسيم بديهي اليوم في العلوم السياسية، وتحققنا منه مرات عديدة عبر التجربة، لدرجة أنه لم يعد محل نقاش. ويعاود هذا الأخير تكرار قوله هذا البعيد عن آراء ميل، عندما يصبح في عام ١٨٧٤م، سكرتيرا للجنة الثلاثين الثانية المكلفة بإعداد القوانين الدستورية. وستقدر هذه، عند تقديم أعمالها، بالفعل أن "إنشاء مجلسين" هو "مسلمة في العلوم السياسية يكفي أن نذكرها لجعلها معترفا بها، دون الحاجة إلى إثباتها بطريقة ما . ولكن ما هو مثير للاهتمام بشكل خاص في هذه المناشدات لصالح الغرفة الثانية، يتعلق في أنها غالبًا ما تستند إلى سلطة ميل، والفصل الثالث عشر من كتاب وجهات النظر على الرغم من أن هذا الأخير لم يمنح هذه المسألة سوى "أهمية ثانوية بالتأكيد، إن ميل ليس معارضا تماما للمجلس الثاني. وإن كان يرفض أي اقتراح يهدف إلى تقليل سلطة الغرفة المنتخبة بالاقتراع الشعبي كونه اقتراحا غير مقبول، إلا أنه يخشى أيضا هيمنة الطبقة التي تمتلك الأغلبية على هذه الجمعية، وعلى الكيان السياسي ككل؛ إذ يفترض أن مجلس الشيوخ قد يعترف له بدور الوساطة الاعتدالية، ولكن هيكل مؤسسي ثنائي المجلس، يمكن أن يكون له أيضا مزايا تعليمية على سبيل المثال، من خلال معرفة أن تسوية النزاعات بين المجموعات أو الأفراد يجب أن تكون ضمن نظام تمثيلي، وعبر مناقشة عقلانية، كما يعتقد ميل أن العملية التي تحدث بين المجلسين، حيث يكون العطاء من جانب والمطالبة من الجانب الآخر، هي مدرسة دائمة [...] لهذه العادة المفيدة . يمكن أن تساهم التبادلات المستمرة لمجلس الشيوخ مع الجمعية الأولى في تهدئة العلاقات الاجتماعية وبدء الديمقراطية في المجتمع يمكن أن تؤدي في هذا الصدد، دورًا مشابها لتعليم الطبقات الشعبية، أو لخلط ممثلي الأغلبية والنخبة في الجمعية الأولى). وعلاوة على ذلك، قد تكون هذه الغرفة ملاذا للخبرة. إن كيانًا يتصف بـ محافظة حكيمة قادر على تعديل العمل البرلماني واستكماله عبر استضافة الخبراء والاستفادة من آرائهم وتجربتهم في الشؤون العامة يمكن أن تكون هذه الغرفة أكثر من مجرد هيئة موازنة". لن تكون عائقا، لا بل قوة دافعة أيضا. وقد تبنى العديد من المفكرين الفرنسيين المؤيدين لفكرة المجلس الثاني هذه الرؤية، حيث يقترح بول لاكومب Paul Lacombe، مستشهدًا بميل الانتقال من "غرف التهدئة" إلى "غرف التوجيه "
يبقى أن عددًا من مشاريع القوانين الدستورية كانت تتوقع وجود غرفة ثانية أرستقراطية بشكل كبير، التي كانت ستسعى إلى تحييد الغرفة الأولى، مثل المجلس الكبير للوجهاء الذي قدمه البرت دي بروغلي في ١٥ مايو ۱۸۷٤م، والذي استند إلى نموذج مجلس الشيوخ الذي تخيله والده إن هذه الهيئة، التي تضم أعضاء معينين مدى الحياة من قبل رئيس الجمهورية، وأعضاء بارزين وأعضاء منتخبين بناء على كفاءاتهم، رفضت بسرعة من النواب الجمهوريين والبونابرتيين، ولم تدعمها عائلة بروغلي السياسية بنفسها، ولكنها شهدت على الانتماء إلى تقليد ليبرالي محافظ ناطق بالفرنسية، وكان مطلوبا من قبل البرلمانيين الليبراليين في تأسیس دستور النظام الجديد.
في الواقع، وعلى الرغم من الاحتفاء القيم بأفكاره في عالم الفكر ، إلا أن اسم جون ستيوارت ميل، قل ما يذكر في البرلمان عند تقديم مشاريع القوانين الدستورية المختلفة، التي تفضل أن تكون تحت رعاية شخصيات أكثر شهرة في الجمهور الفرنسي، مثل: فيكتور دي بروغلي، وبريغوست بارادول، أو إميل دي لافلاي. ومع ذلك، فإن هناك تأثيرا واضحًا من كتابه وجهات النظر على بعض المنتخبين، الذين كانت قراءة ميل بالنسبة لهم عنصرا حاسما في مسيرتهم الفكرية لتفكر على سبيل المثال في أنطونين ليفيفر - بونتاليس Antonin Lefevre-Pontalis وهو يلخص أهداف لجنة الثلاثين أمام الجمعية الفكرة الرئيسية التي تبرز هي أنه لضمان منافع الحرية السياسية لدولة ماء يجب أن يكون هناك، في كل دستور مركز مقاومة ضد السلطة السائدة. ومن ثم، فإن من المهم في مجتمع ديمقراطي مثل مجتمعناء البحث عن، وتحديد وزن مضاد ضد الديمقراطية نفسها ، وهذه الجملة التي ذكرها، هي إعادة حرفية الاقتباس من كتاب وجهات النظر
الخاتمة
ماذا يعلمنا هذا التحليل السريع لتلقي كتاب وجهات النظر حول الحكومة التمثيلية شيئان على الأقل في اعتقادنا من ناحية، فإن بعض الأفكار السياسية التي طورها ميل في هذا العمل لا سيما تمثيل الأقليات وحق المرأة في التصويت، ووظيفة الغرفة الثانية كانت معروفة ومناقشة على الساحة السياسية الفرنسية في هذه اللحظة المصيرية من تاريخنا المؤسسي التي شكلت الانتقال من الإمبراطورية الثانية إلى الجمهورية الثالثة. يجب أن يشجعنا مثل هذا الاستنتاج على مواصلة التحقيق الذي بدأ هنا وتوسيعه ليشمل مجالات أخرى من أجل الوصول إلى صورة أكثر دقة عن التأثير الذي يمكن أن تكون قد أحدثته أعمال ميل في فرنسا، قبل أن تقع في جحيم فكري لم تبدأ في الخروج منه إلا الآن. ومن ناحية أخرى، يبدو أن هذه النظرة السريعة تشير إلى أن الطبيعة الانتقائية الجزئية، وأحيانا غير المخلصة لهذا الاستقبال، تعود إلى حقيقة أن القراء الفرنسيين المختلفين حول ميل، قد بحثوا في أفكاره السياسية عن إجابات لتساؤلات، أو عن حلول المشكلات كانوا هم قد طرحوها أكثر منه. وبعبارة أخرى، كان هذا الاستقبال في البداية، الأفكار ميل في فرنسا، مثل العديد من الاستقبالات الأخرى، مسألة فرصة. وقد يفسر هذا السرعة التي تم بها تناول هذه الأفكار، واستغلالها عندما بانت تخدم مصالح أو أهداف أولئك الذين كانوا يروجون لها، وكذلك اللامبالاة أو الرفض الذي قد حظيت به عندما لم يكن من الجيد التطرق لها أو استخدامها لأغراض سياسية معينة.
وبشكل عام، فإن هذه الانتهازية" في إدخال عناصر فكر ميل في فرنسا، يجب أن يقارن بواقع التبادلات الثقافية الفرنسية البريطانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لقد زاد المناخ السياسي، الذي ساهم في إبراز دعوة ميل للحكومة البرلمانية من تفاقم اتجاه الأنجلو فيلية الموجود منذ فترة طويلة في فرنسا في الدوائر الليبرالية. نحن نعرف الجاذبية التي يثيرها الحكم المختلط الإنجليزي، واستقراره لدى هذا التيار الفكري منذ مونتسكيو Montesquicu، وهو شعور يسري وفقا للمؤرخ البريطاني ج. ر. جينينغز J. R. Jennings حتى سنوات ۱۸۷۰م. ووفقا لذلك، فإن لعبة المقارنة بين النظام الإمبراطوري، والملكية الدستورية الفيكتورية، غالبا ما تكون في صالح الأخيرة، لا بل تصل إلى حد منحها دور النموذج السياسي. وبالنظر إلى هذا التقليد الإيديولوجي، ولكن أيضا بفعل الضرورة السياسية الناتجة عن الرقابة الإدارية على الصحافة والنشر خلال الإمبراطورية الثانية تزايدت الإشارات إلى المملكة المتحدة، أو إلى المؤلف البريطاني، وهو أمر يمكن أن يستخدم لتقويض النظام بشكل غير مباشر. ألم يحكم على مونتا لامبيرت Montalambert بثلاثة أشهر من السجن وثلاثة الاف فرنك غرامة في عام ١٨٥٨م، بسبب مقال كتبه يمتدح فيه إنجلترا الحرة؟ إننا نفهم الآن تلك الأعداد الكبيرة من المساهمات التي طورت التحيزات المنشورة في مجلة دو موند Deux Mondes وقع تشارلز دي ريموسات Charles de Remusat على سبيل المثال، ويعد واحدا من بين الأكثر انجلو فيلية، سلسلة من الصور للشخصيات البريطانية المثيرة للاهتمام في المجالات السياسية أو الفلسفية، ومن بينها تلك الخاصة بيولينغبروك Bolingbroke، وبورك Burke، أو لوك Locke، إنه نفسه ريموسات، الأول، الذي قدم للجمهور الفرنسي مقالة ميل في كتابه عن الحرية أصبح جون ستيوارت ميل في فرنسا رمزا للبرلمانية البريطانية أكثر من أي كاتب آخر عبر كتابه وجهات النظر توجهنا الإشارة إلى الأعمال الإنجليزية، أو إلى فصول التاريخ السياسي الإنجليزي بعمق إلى التقليد السياسي الفرنسي المعاصر، وإلى نجاته في كل الأحوال عند سقوط الإمبراطورية الثانية. وإذا كانت صورة ميل تتلاشى في فرنسا مع مرور السنوات الصالح صورة ويليام جلادستون William Gladstone داخل الوسط اليساري في الساحة الحزبية، فإن من المؤكد أن تأثيره الإنجليزي الحكومي المثالي لا يزال ينتشر ضمن إطار صياغة النموذج الديمقراطي الليبرالي الفرنسي للجمهورية الثالثة. وتستذكر هنا كلمات جان تاريخ Jean Gamigues: إن "جمهورية الجمهوريين" التي تفرض نفسها في عام ۱۸۷۹م، هي في الواقع جمهورية برلمانية وليبرالية، مستوحاة إلى حد كبير من النموذج البريطاني . ومن هنا، تأتي ضرورة العثور على النصيب الذي تدين به الجمهورية في عام ١٨٧٥م لعمل السياسي لجون ستيوارت ميل.
أخيرا، وفي ضوء هذه المحاولة لإحياء الصدى التاريخي الذي قد تواجهه الأفكار السياسية التي طورها ميل في كتاب وجهات النظر، يبقى أن نتساءل ما يمكن أن تكون عليه حداثة النظرية الميلية للحكومة الديمقراطية. وبعبارة أخرى، هل يمكن لما جذب انتباه أول قراء ميل الفرنسيين أن يثير اهتمام القارئ المعاصر مرة أخرى ؟ سوف نلاحظ بلا شك أن مسألة الثنائية، التي كانت حاسمة في التاريخ الدستوري لتشكيل الأنظمة الديمقراطية، قد فقدت أهميتها، ولم تعد تفرض نفسها اليوم بصفتها قضية مؤسسية ملحة وأما فيما يتعلق بمسألة المساواة بين الجنسين، يمكن القول: إنه حتى إذا لم يعد من الممكن طرح مشكلة عدم المساواة بين الجنسين بالمصطلحات نفسها التي استخدمها ميل حيث أصبح الاقتراع العام الحقيقي الآن القاعدة، بغض النظر عن أشكال الأنظمة، فإنه لا يزال هناك الكثير للقيام به في المجال المدني والاجتماعي، وهو ما يجب أن يحفزنا للبحث، ما وراء وجهات النظر (ربما في "كتاب إخضاع النساء ) عن وسائل لضمان هذه المساواة القانونية، والمهنية، أو التعليمية، بين الرجال والنساء. التي غالبا ما تكون غائبة. وفيما يتعلق بمسألة تمثيل الأقليات، فإن من المؤكد أن أفكار ميل يمكن أن تكون مفيدة لنا في هذا الصدد. من الواضح تماما، كما استذكرنا، أن الاقتراحات الميلية التي طرحت في هذا السياق قد تبدو في البداية أنها تهدف إلى تجنب "هيمنة الأكثرية" الخاص جدا، الذي كان من الممكن أن تمارسه الطبقات الشعبية على الطبقات الأكثر تفضيلا. ومع ذلك، فإن الحجة الليبرالية التي استخدمها ميل لتبرير هذا التمثيل لكل فرد الحق في رؤية مصالحة ممثلة، لأن هذا التمثيل هو ضمان لأخذ هذه المصالح في الاعتبار - وكذلك نظيره المؤسسي هو تمثيل سياسي أفضل متى ما سمح له بالتعبير الأكثر شمولا للمصالح المتنوعة والمتعددة، التي تميز المجتمع الذي من المفترض أن يمثلها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تختزل إلى رد فعل محافظ ياتس في مواجهة تطور لا مفر منه لـ "الديناميكية الديمقراطية. يبدو لنا تمثيل الأقليات على العكس من ذلك، وهذا صحيح بشكل خاص في المجتمعات التعددية، والمتعددة الثقافات التي نعيش فيها، طريقا وسطا يجب استكشافه بين البحث عن توافق أغلبية خانق، والانكفاء نحو مجتمع يذوب اجتماعيا وسياسيا. إن من المؤكد أن هذه الفكرة على الأقل تبرر إعادة قراءة وجهات النظر حول الحكومة التمثيلية لميل.
