بينغ تشنغ غوانغ
ترجمة: غيداء العبودي
الملخص:
تعريف الفن ليس تفضيلًا حصريًّا لفلسفة الجمال، بل هو الحاجة الداخلية لعرض الفن نفسه. من خلال ترتيب تاريخ تطور تعريف الفن على مراحل، يمكن اكتشاف بأن للفن وعلم الجمال علاقة جوهرية دائمة التغير. يوجد انتقادات لعلاقة الجمال والفن في فلسفة الجمال، كغموض العلاقة بين الفن والجمال في فترة “الفن الشامل”، ووحدة الفن مع الجمال في فترة “الفن الجمالي”، وفصل الفن عن الجمال في فترة ما بعد الفن، وغيرها من الحالات. إن لاستكشاف الخصائص الدقيقة لتعريف الفن من الناحية النظرية، ودراسة وترتيب تطور تعريف الفن وعلاقته بعلم الجمال، قيمة نظرية وأهمية عملية في التطور المعاصر للفن وعلم الجمال.
لم تتوقف النقاشات المتعلقة بتعريف الفن إطلاقًا في تاريخ تطور الفن ومفهوم علم الجمال، على سبيل المثال، اعتقد العقلانيون الغربيون الأوائل بأنه يوجد مفاهيم سابقة عن الفن لمواجهة ظواهر أو أعمال فنية محددة، ومع تطور علم الجمال الفينومينولوجي، أصبح التعريف بحد ذاته قضية، لذا ركزوا على أعمال فنية معينة ونادوا بالعودة إلى أصل الشيء. يُعد كتاب “الأعمال الأدبية” لرومان إينجاردين، وكتاب “أصل العمل الفني” لمارتن هايدغر، وغيرها من الأعمال أمثلة على ذلك، حتى إن هانز جورج جادامير استبدل الفن مباشرة بالعمل الفني وشكّل أنطولوجيا مميزة للأعمال الفنية. على عكس علم الجمال الفينومينولوجي، ذكر مؤرخ الفن إرنست غومبريتش في كتابه الشهير “قصة الفن”: “لا يوجد شيء يُدعى الفن، بل يوجد فنانون فقط.”، يصبح تعريف الفن قضية أكثر تعقيدًا عند تحليل علم الجمال. استنتج موريس ويتز استنادًا إلى نظرية لودفيغ فيتغنشتاين “التشابه العائلي” بأن الفن لا يخضع لتعريف صارم واحد، بل يُفهم من خلال شبكة من التشابهات بين الأعمال الفنية المختلفة، على نحو مماثل للأشخاص الذين تتشابه وجوههم في ملامح مميزة لعائلة معينة.
لكن بالتأكيد، لم تتخل الأوساط الأكاديمية عن السعي لتعريفِ الفن بسبب ذلك، على سبيل المثال: “النظرية البنائية الوظيفية” لتالكوت بارسونز، و”النظرية المؤسساتية للفن” لجورج ديکي، و”عالم الفن” لآرثر دانتو، واستقلالية الفن، والذرية، والأفلاطونية، والرمزية الفنية، وغيرها من الآراء التي ظهرت تباعًا. باختصار، لا يوجد تعريف عالمي مشترك للفن حتى الآن، وعلى الرغم من أنّ هذا محزن قليلًا، فإنه حتمي. لو استطعنا التوقف قليلًا بعد انتهاء الجدالات، دون استكمال الحديث أو متابعته ببساطة، بل نبتعد أولًا قدر المستطاع ونسأل لماذا علينا التحدث، أي الإجابة عن سبب حاجتنا لتعريف الفن، فقد نحقق نتائج مختلفة من خلال استكشاف العلاقة الجوهرية بين الفن وعلم الجمال عبر ترتيب مراحل تطور الفن.
1- أصل تعريف الفن الأنثروبولوجي وخصائصه:
أولًا: الأصل الأنثروبولوجي لتعريف الأنشطة:
تعريف الأنشطة هي قدرة خاصة بالبشر، لا يكتفي الاستنتاج المحدود لسؤال “ما ذلك؟”، بل تحوله إلى “ما هذا؟”، للبحث المشترك عن الكيفية، ما يُظهر بعمق وعي الإنسان بذاته. إن الشيء الذي يحتاج إلى تعريف لا يظهر من تلقاء نفسه إطلاقًا. على سبيل المثال، تعريف الإنسان، فمن الجلي بأن البشر موجودون بصفتهم أشياء، لكن أسئلة: “ما الإنسان؟” أو “كيف يكون الإنسان؟” لا تزال موجودة. من قول الفلاسفة اليونانية القدماء: “اعرف نفسك”، وتساؤل شكسبير على لسان الملك لير: “من بإمكانه أن يخبرني من أنا؟”، وفي السيميولوجيا الحديثة التي تفرق بين الدال والمدلول للإشارة إلى الأشياء (بما في ذلك البشر)، بالإضافة إلى إرنست كاسير الذي اعتبر بأن البشر كائنات رمزية، ذلك كله يعد سعيًا للبحث عن تعريف البشر. مقارنة بالفلسفة الغربية، على الرغم من أن الفلسفة الصينية تميل إلى وصف مظهر الأشياء أو الحقائق أكثر، فإنه لا يزال هنالك سعي كبير للتعريف. على سبيل المثال، المذهب الطبيعي، والجدالات التي كانت شائعة في الصين في حقبة الممالك المتحاربة، كالجدل حول “الاسم والواقع”، و”الجدل بين الطاوية” و”الجدل بين الوجود والعدم”، وكذلك استخدام عناصر مثل “التشي”، و”اليِن واليانغ”، والعناصر الخمسة لتعريف طبيعة العالم، والتي تعكس جميعها السعي وراء المعنى الجوهري بدلًا من الاكتفاء بالمظاهر. للتعاريف دافع أساسي من ناحية تطور البشر، وهو المظهر الخارجي لسعي الإنسان نحو الشمولية، والجوهر، والأنظمة وغيرها، وقد حاول البشر بناء وتأسيس معنى للعالم في أثناء البحث عن التعريفات.
ثانيًا: كيفية التعريف: من البحث عن الجوهر إلى تحديد الوظائف والقيم:
فيما يتعلق بالفن، فإن تطور التعريف المعقد ليس فقط بحاجة للبحث النظري، بل هو تعبير ذاتي عن الروح الداخلية للفن. يرى آرثر دانتو أن الأعمال الفنية هي تعبير عن “الفن”، والتي تتضمن إعادة إنتاج المفاهيم الفنية وإظهار الروح الفنية وغيرها. هذا النوع من “التعبيرات” يُشكّل جزءًا مهمًّا من المحتوى الفني، مثل الروح الاستكشافية للفن، والإرادة الحرة، والتعبير والنقل، والمعنى الإضافي وغيرها. لذلك، فإن عملية تعريف الفن هي المعنى الداخلي لتطور الفن، والفن يعبّر عن نفسه من خلال التعريف.
لا يقتصر التعريف على البحث عن جوهر الشيء فحسب، بل أيضًا يحدد ويلخص قيمته ووظائفه وفقًا لذلك، ويمكن اعتبار التعريف الصيني للأدب بمنزلة تفسير. على عكس العقلانيين الغربيين الذين يسعون إلى تعريف الجوهر، تُبرِز النظرية الأدبية الصينية التفكير المنطقي بوضوح، سواء أكان ذلك بإثارة استياء الجماهير، أو بالسخرية من الملك وتعليم العامة، ومراقبة السياسة المعاصرة، وتوجيه المشاعر الإنسانية، ومن وجهة النظر الكونفوشية لتعليم الشعر التي تعتمد على الرقة والعطف كالمحتوى الرئيسي، أو الرؤية الشعرية للطاوية المتمثلة في “طريق الطبيعة”، و”إرادة الطبيعة”، و”الطبيعة النقية والصافية”، و”الاهتمام بالصناعة الكيميائية”، أو المفاهيم الأدبية التي تركز بالكامل على وجود الفرد كـ”القلب المطمئن يكتب” و”الترفيه عن النفس والآخرين”، والتي تتجنب تعريف جوهر الأدب، يفترضون وجود الأدب مسبقًا، ويجيبون عن سؤال كيف يكون الأدب؟” من خلال شرح وتعريف قيمته ووظائفه. ذلك يوضح بأن تعريف الفن لا يقتصر على توضيح جوهر الفن أو العناصر التي تشكل الفن فحسب، بل يستجوب قيمة الفن ووظائفه كذلك.
بحسب ستيوارت ديفيس، يمكن تعريف الفن بتقسيمه إلى نوعين: “وظيفي” و”إجرائي”. بغض النظر عما إذا كانوا من معارضي المذهب الجوهري، أو من المنتجين أو الباحثين في النظرية لفئات فنية محددة، لا يمكن لأي منهم تجنب قضية تعريف الفن.
ثالثًا: الخصائص “غير المكتملة” لتعريف الفن:
على الرغم من أن التعريف مبني على السعي وراء اليقين، لكن من خلال تغير شكل الأشياء، فإنه من المقدر أن يكون عملًا غير مكتمل، وهذا النوع من انعدام الاكتمال له خاصية إيجابية متجسدة في “لم يحدث بعد” وفقًا لمعنى إرنست بلوخ، مما يتوافق مع الروح الاستكشافية البشرية، بالإضافة إلى أنه قادر على أن يضفي الشرعية لتطور أشكال الفن. من حيث تطور تاريخ الفن كاملًا، فإن الأنشطة الفنية أيضًا توجد بفضل حالتها المتغيرة وغير المكتملة، على الرغم من أن نظرية “نهاية الفن” لهيجل لها تأثير واسع، فإن جوهرها في الواقع هو مجرد تطور أنواع أو فئات فنية معينة، وليست نهاية الأنشطة الفنية.
ذكر جورج ديكي بأن الفلاسفة اليونانيين القدماء قد حرصوا منذ العصور القديمة على تعريف الفن، وشكّلوا نموذجين يمثلهما: الذريون والأفلاطونيون. إن الذريين يشبهون الباحثين العلميين، والذين يسعون لفحص الهيكل الداخلي الدقيق للفن، معتقدين أن لكل عمل معين هياكل مختلفة، وأن أنواعًا معينة للفن لها أيضًا هياكل تناسبها، وقد يكون الهيكل شكلًا أو مادة، باختصار فهو هيكل موضوعي قابل للاختبار وله روابط سببية. بينما أكد الأفلاطونيون على الوجود المتعالي للأفكار، واعتقدوا أن السبب وراء وضع أنواع وأعمال فنية مختلفة تحت المفهوم العام للفن هو لأنها تقسم مفهوم الفن. كما أشار ديكي إلى أنه على الرغم من أن الذريين قد يرون الهيكل الداخلي الدقيق للأعمال الفنية الفردية، فإن كل عمل فني له هيكل مختلف، لذا يتوقف الذريون عند هذا الحد، ولا يستطيعون حل المسألة الأساسية للفن، فيما يركز الأفلاطونيون أكثر على معنى الكلمات بالمقارنة مع الذريين. على سبيل المثال، تقسيم أرسطو للمعرفة إلى “المعرفة النظرية”، و”المعرفة العملية” و”المعرفة الإبداعية في “المنطق”، وإدراج البلاغة والشعر في المعرفة الإبداعية، كما تمتع الأفلاطونيون بالطابع الميتافيزيقي في مفاهيمهم، اهتموا بالكلمات نفسها والدلالات التي نشأت منها.
يتعرض التعريف الأفلاطوني للفن لتحديات شديدة في الوقت الراهن، فعلى سبيل المثال، نظرية “التشابه العائلي” لفتغنشتاين، والتي تدحض وجود جوهرٍ للفن نهائيًّا، وتؤكد وجود خصائص متشابهة ومتداخلة في الأعمال الفنية المختلفة وحسب. وردّ ديكي على هذا التشابه مستنكرًا: “أولًا: يفتقر هذا التشابه إلى شروط معينة، ولا يوضح كيف تتشكل أوجه التشابه للنوع نفسه، ثانيًا: قد يؤدي التشابه إلى دخول العناصر جميعها ضمن نطاق التشابه، مما يفقد إمكانية الاستقراء. ثالثًا: افتراض التشابه يحدث قبل التأكد من التشابه الفعلي للشيء، بالإضافة إلى وجوب أن يكون هناك شيء سابق موجود، وهي عملية تراجع مستمرة”، على هذا الأساس طرح ديكي النظرية المؤسسية للفن، لكن تكمن المشكلة في أنه تجاهل عمدًا الخصائص الجوهرية للفن، ولم يُجِب عن كيفية بناء معايير للنظام، لذلك شكلت الأوساط الأكاديمية نظريات مثل “نظرية استقلالية الفن” و”نظرية رمزية الفنية” وغيرها، حتى إن الممثلين مثل ويتز وغيره يعتقدون أن الفن لا يمكن تعريفه.
2- الجماليات الفلسفية والجمال والفن في عصر “الفن الشامل”:
أولًا: نقد الفن في الفلسفة وعلم الجماليات:
للفن وعلم الجمال ارتباط جوهري من حيث الدلالة المعنوية العامة للمجال الأكاديمي، وقد لخص بعض العلماء ذلك إلى أربع علاقات مشتركة بين الاثنين: “نظرية التوازي”، و”نظرية الشمول”، و”نظرية الهوية”، و”نظرية التقسيم المختلف للأدوار”، كما دافعوا عن “نظرية التوازي المتداخل”، واعتقدوا كذلك بأن: “هناك مستويات من الفهم الفلسفي ومجالات البحث التجريبي في كلٍ من علم الجماليات والفن. ففي علم الجمال، هناك أيضًا العديد من الممارسين لعلم الجمال العلمي التجريبي الذي يبدأ بنهج تصاعدي، بجانب المدارس الفلسفية المختلفة للجماليات. أما في علم الفن، فبالإضافة إلى البحث التجريبي في العديد من أقسام تاريخ الفن والنقد الفني والفنون الخاصة، هناك أيضًا نقاشات واسعة حول فلسفة الفن وعلوم الفن العامة ومبادئ الفن.”، كما أشار عالم الجمال الماركسي التشيكي يوجين سيمونيك إلى ذلك قائلًا: “دائمًا ما تتشكل العلاقة الجدلية المتبادلة بين الوعي بطريقتها المميزة في الأعمال الفنية، ومن منظور العلاقة الجدلية بين الوعي والواقع، فإن الفن هو موضوع علم الجماليات، أي إن الظواهر الجمالية ضمن نطاق الموضوعات الفلسفية المتعلقة بالفن.”، وبناءً على ذلك، يظهر لنا أن سبب الطبيعة التقاطعية للفن وعلم الجماليات الأساسي هو توافق أهدافهما البحثية، أي إن كليهما يدرسان أعمالًا أو ظواهر فنية معينة.
إلا أن الفلسفة وعلم الجماليات لا تتفقان مع العبارة السابقة، بل حتى تعدَّان أن العلاقة بين الفن وعلم الجماليات ليست وثيقة، وبوسعنا تحديد الفرضيات النظرية التي تقوم عليها هذه العبارة، والإشارة إلى تناقضاتها الجوهرية.
أولًا، تفترض الجماليات الفلسفية المفهوم المسبق لعلم الجماليات، وترى بأن له دلالات معينة سواء كانت داخلية أو خارجية، وتستخدم هذه المجموعة “القوالب” كمعيار لفحص وتطبيق واختبار أنواع عديدة من الأعمال الفنية، فما يتوافق مع مفاهيمهم الخاصة يُعتبر فنًّا، أما العكس، فليس ذلك. إن الاعتقاد بأن الجماليات هي التي تحدد الفن أمر مثير للشك، بغض النظر أكان هذا الافتراض صحيحًا أم لا، فلماذا لا يستطيع الفن بدوره من خلال طرقه المستمرة والمتجددة تحديث تعريف علم الجماليات؟ تكشف هذه التساؤلات عن المشكلة الجوهرية في أسلوب البحث الثابت للجماليات الفلسفية.
ثانيًا، تركز الفلسفة الجمالية بشكل أكبر على مسألة جوهر الجمال، وأصله، وشكله، ووجوده ومعناه، فالأعمال الفنية مجرد تابع لمفاهيم الجماليات وحاملٌ لإظهارها، وهذا الشيء الحامل قابل للاستبدال. بالنسبة لعلم الجماليات الفلسفي، فخصائص العمل الفني المعين ليست مهمة، بل حتى إذا ما كان هناك عمل فني معين أم لا، لأن الأعمال الفنية ليست سوى أحد موضوعات الدراسة لعلم الجماليات وليس لها تفرد.
أخيرًا، دائمًا ما يحدد علم الجماليات الفلسفي المهام الفنية من مكانة رفيعة، ويعتبر أنه قد أتم مهمة التعريف. “لطالما اعتبر تقديم تعريف فعال للفن إحدى المهام الأساسية لعلم الجماليات”، إلا أن الأمور سارت بنتيجة عكسية، فلم يتفق مجتمع الفن مع تعريفات الفن التي قدّمها علم الجماليات، فقد اعتقدوا أن دراسة الجماليات بالنسبة للفن نفسه ليست ضرورية ولا مفيدة، بل إنه حديث فارغ وضار. على سبيل المثال، لودفيغ فتغنشتاين الذي أنكر إمكانية تعريف الفن من الناحية الفلسفية، وفي النهاية استبدل الاستقراء بنظرية “التشابه العائلي”، وهربرت ريد الذي أكد على أن “الفن ليس تقدميًّا”، والذي لا يتوافق مع الفكرة التي طرحها علم الجماليات الفلسفي، التي ترى أن الفن يتسم بالتقدمية، وقد أبدى ريد اتفاقه مع آرثر شوبنهاور في أن: “أنواع الفن جميعها تكمن في السعي لتحقيق التأثيرات الموسيقية”، واعتبر أن: “الفن غالبًا ما يُعرّف كشيء يهدف إلى خلق أشكال مبهجة”، وبناءً على ذلك، فلا توجد علاقة حتمية بين الفن والجمال.
ثانيًا: الغموض بين الجمال والفن في عصر “الفن الشامل”:
كان الهدف الأساسي للمفهوم المبكر للفن هي الحرفية، والمهارة، والبراعة لإظهار مدى تفوّق الصانع. كان اعتبار الفن “حرفة” أمرًا موجودًا منذ القدم، أما اعتبار الفن “جمالًا” لم يكن موجودًا إلا مع تطور علم الجماليات. من الجدير بالذكر أن الحرف القديمة اشتملت على جانبين: الأول هي الحرف المادية التي تضمن بقاء الإنسان بشكل أساسي، كصناعة الأدوات الحجرية، والفؤوس، والمنازل، والسفن، والملابس، وغيرها، والآخر هو إتقان المهارات للأشياء غير المادية مثل الخطابة، والبلاغة، والهندسة وغيرها، والسحر والقرابين وغيرها من الطقوس في عصر “الفن الشامل”، بالإضافة إلى “الفنون الصينية الستة” و”الفنون الغربية السبعة”، والتي تركز جميعها على الفنون “غير المادية”. اشتمل المفهوم المبكر للفن على أمرين مختلفين: “المادي” و”غير المادي”، مما وضع حجر الأساس لتطور مفهوم الفن في المستقبل، كما ساعد في فصل الفن عن بقية الحرف بشكل أساسي، فقد أصبح التقسيم اللاحق للفن إلى “الفنون الميكانيكية و”الفنون الحرة” قاعدة أساسية لفنّ ما بعد الحَداثة.
عند العودة إلى المفهوم المبكر لـ “الجمال”، سنكتشف العلاقة المعقدة بين الجمال والفن. أشار فوادسواف تاتاركيفتش ذات مرة إلى أن: “المفهوم اليوناني للجمال له معنى أوسع بكثير من مفهومنا، فهو لا يمتد إلى الأشياء والأشكال والألوان والأصوات الجميلة فحسب، بل أيضًا إلى الأفكار الرائعة والأساليب الجميلة”، ليس هذا فحسب، فقد كان لليونانيين أيضًا مفردات مخصصة للتعبير عن الجمال البصري والجمال السمعي، مما يُوضح بأن للجمال أشكالًا مختلفة. بذلك، تقاطَع المفهوم المبكر للفن مع المفهوم المبكر للجمال، بمعنى أن كليهما تطورَا من مهارة إلى فن. بالتأكيد، لا يمكن الاستنتاج من ذلك أن إتقان الفن كحرفة يؤدي حتمًا إلى إنتاج أشياء جميلة، ولكن من المؤكد بأن الصانع سيشعر بالسرور والرضا بسبب براعته، وهو ما يندرج ضمن المفهوم المبكر للجمال. ومن مبدأ “للجمال والخير المصدر نفسه”، أكد أرسطو أن الأشياء الجيدة يجب أن تمنح الناس المتعة، كما اعتبر توما الأكويني أن الجمال هو ما يجلب للناس المتعة عند النظر إليه، أما بالنسبة إلى الفنانين، فيجب أن يتضمن الفن الجمال الذي يجلب المتعة. بالتأكيد، هذه المتعة مقتصرة على الفنان، ولا يمكن أن تمتد إلى المشاهد، ولا يمكن تحقيق المتعة العالمية إلا من خلال “الحس المشترك الجمالي” من كتاب نقد ملكة الحكم لإيمانويل كانط.
ثالثًا: الجمال والفن في عصر “فن الجمال” و”ما بعد الفن”:
1- وحدة الجمال والفن في عصر “فن الجمال”:
لقد كان عصر النهضة البداية الحقيقية للعلوم الإنسانية الحديثة، والذي فتح بدوره التقسيمات بين الحداثة بالمعنى الذي حدده ماكس فيبر، والذي أحدث تأثيرًا كبيرًا في تطور الفن والجمال، فقد وفر أساسًا علميًّا لمناقشة الجمال والتطور الكامل لفئات الفن، كما وضع الأساس الفكري للتطور المستقل المستقبلي لكليهما، ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو التمييز بين المفاهيم الفنية الغامضة التي استُخدمت حتى العصور الوسطى. من ناحية، ركز “الفن الميكانيكي” على المهارات اليدوية، لافتقارها الإبداع والحرية والوعي التنويري، فإنه حتمًا يستبعد “الفنون الحرة” و”الفنون الجميلة”، ومن ناحية أخرى، فقد برز دور العوامل العلمية في المجتمع الحديث بشكل متزايد، ولكن الروح العلمية تعارضت مع الروح الفنية إلى حد ما، فوجب على الفن استبعاد العلم لاستخدام “العلوم الإنسانية” كتشريع له، بالتالي ظهر مفهوم يُمثل ذلك؛ الفن معادل للجمال.
بتمثيل من الباحث الفرنسي تشارلز باتو، الذي فصل الشعر، والرسم، والنحت، والموسيقى، والرقص عن الخطابة والعمارة، وأطلق على الفنون الخمسة الأولى “الفنون الجميلة”، وعلى الرغم من تقليص نطاق الفن، فإن العلاقة بين الفن والجمال قد زادت بشكل غير مسبوق، واستنادًا على نظرية المحاكاة، فقد اعتبر باتو أن كلًّا من “الفنون الجميلة” و”الجمال” محاكاة لـ”الطبيعة الجميلة”، فتُمتع “الفنون الجميلة” الناس بشكل أساسي، بينما توفر “الفنون الميكانيكية” تأثيرات وظيفية. من الواضح بأن “الفنون الجميلة” و”الجمال” متوافقان من وجهة نظر باتو، سواء من ناحية التراكيب أو الأنشطة، وعلى الرغم من أن كتاب “نقد ملكة الحكم” لإيمانويل كانط يركز على تقديم براهين فلسفية تامة للأنشطة الجمالية، فإنه لا يزال يناقش مسألة أنواع الفن بتوسع، وقد قسم الفن إلى نوعين: “الفنون السريعة” و”الفنون الجميلة”، وعدَّ أن “الفنون الجميلة” بإمكانها نقل السعادة العالمية وهي أساس الجمال.
أكبر ممثل لفكرة أن الفن مساوٍ للجمال، وأن علم الجمال هو فلسفة الفن، هو جورج هيغل. يرى هيغل بأن الجمال الفني أفضل من الجمال الطبيعي، “لأن الجمال الفني هو الجمال الذي ينبع ويتجدد من الروح، والروح ومنتجاتها أفضل من الطبيعة وظواهرها، فلذلك يكون الجمال الفني أفضل بكثير من الجمال الطبيعي”. قد يبدو هذا انتقاصًا من “الجمال الطبيعي” ظاهريًّا، ولكنه بدوره يضفي الشرعية للوجود المنضبط لـ”الجمال الطبيعي”، وعلى الرغم من أن هيغل رفع مكانة الفن، فإنه في الواقع قلص دلالاته، لأن موضوع الجماليات لا يكون إلا في الفن فحسب وليس الطبيعة.
ليس من الصعب العثور على السبب الذي جعل هيغل يساوي بين الفن والجمال؛ فهو في فلسفته الغائية عارض نظرية المحاكاة من ناحية، معتبرًا بأن: “لا يمكن للفن منافسة الطبيعة من خلال المحاكاة البحتة، فلو تنافس مع الطبيعة فسيكون كالحشرة الصغيرة التي تزحف لمطاردة فيل”، والأهم من ذلك أن المحاكاة لا يمكن أن تُنتج الجمال، لأن مبدأ المحاكاة هو مبدأ شكلي بحت، فإذا اعتُبر هدفًا، فلن يكون فيه أي جمال موضوعي”، ومن ناحية أخرى، فقد عارض أيضًا نظرية إثارة العواطف، معتقدًا أن الفن بإمكانه أن يلمس الروح ويجعل الناس نبلاء، وبإمكانه أيضًا أن يضعف الروح ويجعل الناس حقراء، وفي النهاية توصل إلى أن: “الجمال هو المظهر الحسي للأفكار”، وأن الهدف من الفن هو الكشف عن الحقيقة.
ترى الجماليات التطورية أيضًا، أن الفن والجمال لهما علاقة متقاربة منذ نشأتهما. كما أشار بعض العلماء إلى أنه: “على عكس هيغل الذي أثبت أن الفن هو الجمال من منظور الفلسفة التأملية، تحاول الجماليات التطورية إثبات ارتباط الفن والجمال ارتباطًا وثيقًا من خلال مجالات مثل علم الأحياء، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب وغيرها”، وتعد هذه من الأمثلة النموذجية التي تساوي بين الفن والجمال.
2- الفصل بين الجمال والفن في عصر “ما بعد الفن”:
يُرى بأن المفهوم الذي فصل بين الفن والجمال وُجِد في عصر “الفن البدائي” و”ما بعد الفن”. ارتبط الفن بالحرف اليدوية العملية في عصر “الفن البدائي”، ولم تكن الأفكار الجمالية الحديثة التي تتسم بالراحة والمتعة كمفاهيم رئيسية قد تكونت بعد. تحتوي الحرف القديمة على تجربة الجماليات الحديثة، كالحرية والمتعة التي يمكن تجربتها في الحرف الناضجة، وبعد هيغل، وعلى أساس تأكيد فلسفة الفن، اعتبر كونراد فيدلر أن: “مشكلة الجماليات تختلف كليًّا عن مشكلة فلسفة الفن”، كما ينتمي الاثنان إلى مجالين مختلفين؛ مما يوفر إلهامًا لإعادة التفكير في الفن والجماليات. مع التطور في عصر “ما بعد الفن”، والذي تميز بأعمال فنية مثل “النافورة” لمارسيل دوشامب، و”صندوق بريللو” لآندي وارهول، تحول الفن من الحرف التقليدية إلى “الأشياء الجاهزة” و”الفن المفاهيمي” الذي يمكن الوصول إليه بسهولة. يفصل “الفن المفاهيمي” الجمال عن الفن من خلال الأشياء الجاهزة، والأشياء العرضية، وإزالة المادية، والطرق غير الإدراكية، بل وقد تطور الأمر ليرفض الفن الجمال وينكره.
بالتزامن مع الممارسات الفنية في عصر “ما بعد الفن”، بدأت الأبحاث النظرية في جماليات الفن المعاصر بالفصل بين الفن والجمال تدريجيًّا. على سبيل المثال، تعكس بداية الجماليات التحليلية وازدهار “الفن المفاهيمي” العملية التي فصلت بين الفن والجمال، على وجه التحديد، استنادًا إلى فكرة فتغنشتاين عن “جوهر اللغة” و”جوهر اللعبة” الذي يتمتع بخصائص “التشابه العائلي”، وقد طور فيلسوف علم الجماليات ويتز نظرية أن الفن لا جوهر له ولا يمكن تعريفه، وأجرى مراجعة للعديد من التعريفات الفنية مثل “الأشكال المعنوية” لكلايف بيل، و”نظرية التعبير” لتولستوي، و”نظرية الحدس” لبينيدتو كروتشه، و”النظرية الجوهرية” لفرانسيس هربرت برادلي، و”نظرية التطوع” لباركر وغيرها، معتبرًا أن: “مفهوم الفن منفتح ويجب التمييز بين الاستخدام الوصفي التقييمي له”، وقد خضعت مفاهيم فنية وأعمال فنية معينة لتغييرات هائلة في عصر “ما بعد الفن”، والتعريف التقليدي للفن، خاصة مساواة معيار “الجمال” بالممارسات الفنية، لم يعد فعالًا، وبالتالي فُصل الفن عن الجمال.
ختامًا..
علينا الإجابة عن الأسئلة التالية فيما يتعلق بتعريف الفن: هل يشكل “تعريف” الفن مشكلة جمالية؟ وما علاقته بعلم الجماليات؟ نؤمن بأن تعريف الفن له جاذبية دائمة، سواء من منظور الاحتياجات الداخلية للبشر أو تاريخ تطور الفن ومفاهيم الجمال، ويمكن فهم العلاقة المتقلبة بين الفن والجمال على أنها تجسيد مركّز لسعيهما المتبادل بينهما في البحث عن الشرعية. باختصار، ما دام أن هناك تصرفات أو أعمالًا فنية معينة، فإن تعريفات الفن لن تتوقف أبدًا، فتعريفات الفن مرتبطة دائمًا بعلم الجماليات، لأنها تظهر العلاقة بين الفلسفة والفن.
في هذا السياق، فإن كتاب كارتر “عبور الحدود: تقاطع الجماليات مع الفن” يلخّص العلاقة بين الفن وعلم الجماليات لدى والتر بنيامين، وموريس ميرلو بونتي، وجيل دولوز، وآرثر دانتو وغيرهم، فعلى سبيل المثال، أشار بنيامين إلى أن مهمة الفلسفة التشكيك المستمر للسعي وراء المثل العليا، ورغم التشابه العميق بين الفن والفلسفة، فإنه لا يشكل الفلسفة نفسها، أما دولوز، فيعتقد أن هدف الفلسفة هو خلق مفاهيم جديدة، بينما يتعلق جوهر الفن بخلق أشياء حسية واستخدامها كأداة لمساعدة الفكر. وذلك يدل على أن للفن وعلم الجماليات شرعية منفصلة، ولا يمكن لأحدهما أن يستبدل الآخر.
على هذا الأساس، حاول هذا المقال توضيح مسار تطور المفهومين من خلال المصادر المفاهيمية وسياقات التطور، ودرس بشكل تفصيلي العلاقة بين الجمال والفن في الفترات الأربعة: “الجماليات الفلسفية”، و”الفنون الشاملة”، و”فن الجمال” و”ما بعد الفن”.
يمكن تقسيم الفن من خلال عملية تطور تاريخ الفن إلى ثلاثة أنواع رئيسية: “ما قبل الفن بوصفه فنًّا شاملًا”، و”الفن بوصفه فنًّا صغيرًا”، و”ما بعد الفن الذي يميل إلى الفن الكبير”. ليس للفن مفهوم موحد، بل يُحدد بناءً على أعمال فنية معينة، ومن ثم تُصنف المفاهيم الفنية التي تنقلها تلك الأعمال. من المهم التوضيح بأن الفن والجماليات مختلفان بطبيعتهما في تطورهما المفاهيمي، فعندما نتحدث عن علاقتهما اليوم، فإننا نستخدم بشكل أساسي المفاهيم الموجودة للتفكير في العلاقة التاريخية بينهما، والذي يوفر النقاط الأساسية لتحديد مراحل تطور تعريف الفن، كما يتضمن حتمًا أحكامًا مسبقة، وكما قال كارل ماركس: “إن تشريح الإنسان هو مفتاح تشريح القرد”، فعلى الرغم من أن النظر إلى الوراء قد يعوقنا، فإنه يتيح لنا التمعن بوضوح وترتيب مراحل تطور تعريف الفن، كما يوفر مسارًا أساسيًّا للتحليل لمجتمع الفن المعاصر عند مواجهتهم اتجاهات فنية محدثة أو مدارس معينة، وبالتالي يوفر بعض المراجع والنقاشات التنويرية لفهم اتجاه الفن المستقبلي.
