القائمة الرئيسية

فيما يتعلق بالفن، هل نحن على حق؟

فيما يتعلق بالفن، هل نحن على حق؟
ملخص المقال

يروي تشاو تشوان في هذا النص سيرته الفنية منذ مطلع الثمانينيات، حين بدأ مع رفاقه في أكاديمية شنغهاي للفنون الجميلة تجربة فنية متمرّدة تزامنت مع بدايات التحول والانفتاح في الصين. أقاموا معارض طلابية تجريبية تميزت بالتجريد والرمزية، لكنهم وُوجهوا بالقمع والاتهامات السياسية، فصار الفن بالنسبة إليهم وسيلة لمقاومة القيود والتعبير عن الحرية. لاحقًا، شكّلت أعمالهم جزءًا من ما عُرف بـ “حركة الموجة الفنية الجديدة لعام 1985” التي أرست ملامح الفن الصيني المعاصر، متأثرة بسياسات الإصلاح وبالمدّ الثقافي العالمي. ومع مرور الزمن، يرى الكاتب أن المثالية والحماس اللذين قادا جيله تراجعا أمام سوق الفن والعولمة، حيث تحوّل الإبداع إلى سلعة تخضع لقيم الربح والتسليع. وبين الحنين والنقد، يتأمل تشوان تحوّل الفن من تمرّد شبابي صادق إلى صناعة رأسمالية، متسائلًا إن كان جيله الذي ظنّ أنه “على حق” ما زال كذلك اليوم.

تشاو تشوان

ترجمة: غدي الغامدي

عام ١٩٨٠م، حين دخلت إلى المدرسة الإعدادية، كانت الأغنية على الراديو هي “الجيل الجديد من الثمانينات”، قال المعلم هذا جميل جدًّا لأنّ الثمانينات، بداية عصر جديد، في ذلك الوقت كنت جاهلًا ومرتابًا، لأن عمري كان بضع سنوات حين بدأت السبعينيات، لذلك لم تكن ثمة مقارنة، في أحد الأيام، قلت إن الثمانينات كانت مدة انتقالية للتحول الكبير بعد عام 1949م، بعد سنوات عديدة، كل شيء في الشوارع، وفي الغرف، وفي ذهني كان قد تغير فعلًا، على الرغم من أنني كنت صغيرًا وجاهلًا حين بدأت أنماط جديدة في الصين، “التحديثات الأربعة” التي استمعت إليها كانت مجردة مثل الشيوعية، لكن حين أعود بذاكرتي إلى شبابي وتمردي، أجد أنها حيوية ومميزة، بسبب قربها من الاتجاهات الاجتماعية المختلفة التي تسعى إلى التجديد.

بعد تخرّجي في المدرسة الإعدادية، تم قبولي في أكاديمية شنغهاي للفنون الجميلة عام 1983م، لكن في غضون عام، تم تغييرها إلى قسم المدرسة الثانوية الفنية بأكاديمية الفنون الجميلة بجامعة شنغهاي، والمعروفة أيضًا باسم المدرسة المتوسطة المُلحقة في ذلك الوقت، حين لم تكن الجامعة قد بدأت بعد قبول الطلاب، من المفارقات أن الفن الصيني الحديث وتعليم الفنون، بدأ وازدهر في شنغهاي، ولم تتم الموافقة على إنشاء أكاديمية للفنون هنا إلَّا بعد سنوات عديدة، وكنا من ضمن الطلبة الجدد الملتحقين بالأكاديمية الجديدة، في النصف الثاني من السنة الدراسية الأولى، في بداية ربيع عام 1984م، كنت في السادسة عشرة من عمري، ولأننا كنا متحمسين جدًّا للتعلم، نظَّمنا معرضًا للطلاب في المدرسة، قبل ذلك، عاد “جاو ووجي” من أوروبا إلى جامعته في “هانغتشو” ليقيم معرضًا فنيًّا، وكان رسومات تجريدية، ذهب بعض زملاء الدراسة لرؤيتها، وقد أُلهموا كثيرًا بسببها، في ذلك الوقت كان ثمة كثير من التيارات والنزعات الأجنبية التي تسببت في الطوابير الطويلة.

دشّنا المعرض الفني في فصلين دراسيين، حيث عرضنا أعمالنا الفنية اللامنهجية وبعض الإبداعات الصغيرة، خلال أيام التحضير للمعرض، بدا شعور بالهيبة ينتشر بين الزملاء على نحو لا يوصف، في الليلة السابقة لافتتاح المعرض، أشعل بعض الأشخاص الشموع في الفصل الدراسي وبدأوا يغنون الأغنية الإسكتلندية الشهيرة “جسر واترلو”، كنا نشعر بالحزن الشديد، كأننا نرحب بشيء ما، لكننا غنينا أغنية الوداع، قد تكون أغنية “الصداقة الأبدية” ثغرة تركها القدر، ولحظة الترحيب هي ذاتها لحظة الوداع، لكننا لا نستطيع أن نرى ما هو آتٍ.

في المعرض، قام بعض الطلاب بصنع صور مجمعة لشخصيات عظيمة بوصف ذلك فنًّا تلصيقيًّا، في حين قام بعضهم الآخر برسم منازل ذات جدران تذوب مثل الآيس كريم، استعملت أنا أسلوب قص الورق للشمال الغربي، وقصصت عددًا كبيرًا من الرموز الصينية القديمة، وكتبت الأشياء المحببة مستعملًا الورقَ الأحمر، وقصصت أيضًا أجسامًا كبيرة وألصقتها على النافذة، حين أشرقت الشمس، كان منظرها ملفتًا على نحو استثنائي.

تسببت هذه الأشياء بالمتاعب، حين افتتاح المعرض، أصيب بعض المعلمين ذوي الحساسية التقليدية فكريًّا، والَّذين هم في منتصف العمر بالذعر، لأن بعض أشكال اللوحات مقارنة بغيرها كانت غير مألوفة، ومختلفةً عمَّا اعتادوا رؤيته وتعليمه، فموضوع اللوحات غير واضح، أو شبه مجرد، أو له معنى سريالي[1].

تبعًا لنهجهم السابق، جعلوا من هذه الأفكار البسيطة قضية كبيرة، من بين إيجابيات هذا الموضوع وسلبياته، ثمة إمكانية للتعرف إلى المؤامرات السياسية بين هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والسابعة عشرة عامًا، أحد الأسئلة التي تم طرحها والتركيز عليها بشأن لوحات المناظر الطبيعية بالألوان المائية كان: لماذا ليس ثمة عشب أمام المنزل، وثمة كثير منه خلف المنزل كظل، هل هذا استهزاء بنظامنا الاشتراكي؟ في الحقيقة هذا الأسلوب لم يكن شيئًا جديداً خاصةً في الأزمنة السابقة.

لكن وقع الأمر علينا، وأصيب الطلاب بالذعر، كنا ضعفاء ومحبطين، كان من الصعب الدفاع عن أنفسنا أمام هؤلاء البالغين ذوي الخبرة، تم إغلاق معرض الطلاب، وأُلصِق ختمٌ على الباب، وأُبلِغت هيئة الأمن العام، وتمت مصادرة الأشياء جميعها وتصويرها وتسجيلها، تم التعرف إلى أربعة طلاب من بين أكثر من عشرين طالبًا آخرين وهم تانغ غوانغ مينغ، ويانغ شيو، وتشو تيهاي وأنا، وكان المعلمون مثل “تساو يوتشنيغ، ووانغ اين” وغيرهم من المدرسة المتوسطة المُلحقة هم المسؤولين عن التعامل مع الأمر.

بعد هذه الحادثة، وبطبيعة الحال أصبحنا نحن الأربعة مقربين من بعضنا بعضًا، ومنذ ذلك الحين أصبحنا مختلفين في المدرسة، الأمر الذي ربما طالَ وقتها ملفاتنا وتوزيعنا وما إلى ذلك، وبالتأكيد، لم يكن هذا الأمر سهلًا، لم أعد مراهقًا بعد الآن، فقد بدأ عصرٌ آخر من حياتي، وتعلمت على نحو رسمي وشامل النظرة غير المكتملة في الفن، والتعامل مع المجتمع، واستمررت في النمو من خلال القراءة والرسم على نحو كبير.

في السنوات الدراسية اللاحقة، تعرضنا للقمع باستمرار من قبل أنفسنا والبيئة الخارجية، أحيانًا، تخرج الأفكار والأحاديث عن المسار، الوقوع في الحب سرًّا، امتلاء العقل بالأفكار الغربية البعيدة عن الوضع الاجتماعي الراهن، أصبح فننا أداة لمحاربة القمع.

لم تُحمّسنا سوى الأشياء الحديثة الأجنبية، ومنحتنا المواساة، وبالنسبة إلى الأجواء الغريبة فتخيلها هو ما جعلنا قادرين على تحسين الواقع، عام 1986م، أقمنا معرضين آخرين، أحدهما كان معرضًا للتركيب، لكنني لم أعرف أن ما فعلته كان يسمى فعلًا فنَّ التركيب في البلدان الأجنبية، أما الآخر فقد كان معرضًا لفن الأداء، لكن في الصين، وفي ذلك الوقت لم تكن كلمة فن الأداء قد ظهرت بعد، لم أؤلف شيئًا مثل “فورست غامب” أو أتباهى بأنني متقدم إطلاقًا، إذا كنت مهتمًّا، اذهب لقراءة كتابي “قصص شنغهاي المجردة”، ففي الحقيقة أصلُ فنِّنا لم يكن شيئًا غامضًا، أو عرضيًّا.

أقيم معرض التركيب في “جامعة فودان”، لكن تم إيقافه من الفور وقت افتتاحه، وعُرض فنّ الأداء في أحد المراكز الثقافية لمنطقة “هونغكو”، وحضره كثيرٌ من الأشخاص، كان من بينهم “تشانغ شيان” الذي اشتهر فيما بعد بأعماله في المسرح الطليعي[2]، بعد سنوات عديدة، سمعتُه يتحدث عن أفضل حياة اجتماعية مرَّ بها في الثمانينات، مع ذلك، بعد هذا المعرض، جاءت استفسارات أكثر جدية من المؤسسات المعنية، في ذلك الوقت، كنت لا أزال طالبًا في المدرسة المتوسطة المُلحقة.

     عام 2007م، أقيم معرض للآداب والفنون المعاصرة في شنغهاي بعنوان “خطة التعرض لإطلاق النار”، ولا تزال المعلومات ذات الصلة معروضة في المعرض المذكور سابقًا، وتتضمن أيضًا لقطات حية، تجربتي الشخصية في التعرض لإطلاق النار في مدة الثمانينات، بالإضافة إلى تجارب كثير من الناس، والأهمّ من ذلك، تجربة السعي لفتح آفاق جديدة للتعبير الفني، ففي تلك المدة الزمنية، كان قد برز كثير منها كتصاعد أمواج البحر واحدة تلو الأخرى، في تلك السنوات، حدث ذلك في البلدان جميعها وفي مختلف الأرجاء، وقد قيل إنَّ آلاف الفنَّانين قد شاركوا فيها، حين تأمل هذه الأحداث الماضية، نجد أن لها علاقة بسياسة الإصلاح والانفتاح في البلاد وحركة التحرر الأيديولوجي[3]، بالتأكيد هذه ليست محض أحداث عرضية.

حتى عام 1989م، لُخص تأثير هذه الموجة على الفن البصري في الخطاب النظري الفني لاحقًا تحت مسمى “حركة الموجة الفنية الجديدة لعام 85″، أصبحت هذه الحركة الثقافية والفنية الاجتماعية، المفعمة بالخصائص الإقليمية الصينية، أساسًا للفن الصيني المعاصر، الذي بدأ في السنوات الثلاثين الأخيرة.

في الخريف، تلقيت خطاب دعوة من بكين، يفيد بأنه تمت دعوتي لحضور حفل العشاء الافتتاحي للمعرض الاستعدادي لـ”حركة الموجة الفنية الجديدة لعام 85″ والتي كانت باسم السيد والسيدة أولينز، وهما من أشهر هواة جمع الفن الأوروبيين والرعاة، كُتِب على الدعوة ارتداء ملابس سهرة رسمية، ما كان بالنسبة إليَّ أمرًا تهكميًّا، فالفن الصيني المعاصر بوصفه نوعًا من الفنون البصرية، كان حريصًا في ذلك الوقت على التحرر من القيود والتعبير عن صوت العصر على نحو أكثر فاعلية، لا أستطيع الانتظار حتى أتمكن من الإمساك بالغرب واستقبال المعلومات.

على الجانب الآخر، طريقة التفكير في المشكلات، وطريقة اللعب، وأسلوب الحياة، هذه كلها أشياء تحاكي ما نحب سماعه ورؤيته، هذه بالتأكيد تجعلهم سعداء، لذلك بعد مدة التسعينيات أتى كثير من الأشخاص الأجانب واحدًا تلو الآخر، لتقديرنا، ودعوتنا للمشاركة في المعرض، وجمع أعمالنا، الآن أُدرك أن هذا كان في الواقع جزءًا أكثر سماكة من النظام، أي أنه سلسلة من رأس المال، بالنسبة إلى “حركة الموجة الفنية الجديدة لعام 85″، فالأشخاص الذين حضروا مرتدين ملابس سهرة رسمية في تلك الليلة، كان لديهم طريقة تفكيرهم الخاصة، لكن حتى من أجل ذلك، أو من أجل تبادل المجاملات مع المشاهير مرتديًا ملابس السهرة الرسمية، لم أرد فعل ذلك.

بالنسبة إليَّ، “حركة الموجة الفنية الجديدة لعام 85” تتعلق برفض التلاعب في النظام السائد واحتقاره، وبانتفاضة عامة الناس، وجعل فنهم ينمو كالعشب الناعم من بين الجليد والنار، كي يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم على نحو طبيعي، لذلك، كنت أريد الاستهزاء بمخطط العشاء ذلك، وأعده مراجعة جدية لتجربتي في “حركة الموجة الفنية لعام 85”.

في التسعينيات، حين عدت من الخارج، أخبرني زميلي القديم “يانغ شو” بأن الشخص المسؤول عن مدرستنا المتوسطة المُلحقة، البروفيسور “تساو يوتشنغ،” قد رآه مرتين في السنوات الأخيرة واتصل به من بعيد، قائلًا إنه يريد الاعتذار بسبب معاملته السيئة للطلاب في الماضي، في هذا الوقت، كان يرسم فعلًا لوحات زيتية بمساعدة الحاسوب، خريف عام 2000م، في معرض الرسم لزميل قديم، رأيت السيد “تساو” لأول مرة بعد التخرج، جسده الذي بدا فارع الطول في السابق لم يبدُ الآن بالهيئة نفسها. 

كان الاعتذار أول ما قاله الرسام العجوز حين التقينا، قال لقد كنتم على حق في ذلك الوقت، لكننا نحن كنا مخطئين! أفهم أن ما قاله سواء كان صوابًا أم خطأً لم يكن يشير إلى عملية تعاملهم مع أحداث معينة، بل إلى آرائهم عن كيفية تطور الفن في ذلك الوقت، لقد تأثرنا جميعًا بالمعلم “تساو يوتشينغ”، فما قاله كان جيدًا، هذا هو الإخلاص والمسؤولية التي تندر رؤيتها في بلدنا، حين قال هذا، كان برج “جين ماو” قد تم بناؤه، وكان بينالي شنغهاي الذي ضم فن التركيب والأداء والفيديو والتقنيات الفنية الأخرى قد تم افتتاحه لأول مرة في المعرض الوطني، وعبارة “التوافق مع المعايير الدولية” عبارة ثقيلة لها أهميتها في القيادة الوطنية، وخفيفة كما يتحدث بها الناس العاديون في المدينة.  

اتجاه الفن الجديد الذي بدأ في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات، أي أن الدراسة الشاملة ومحاكاة الحقبة الغربية المعاصرة، أصبح اتجاهًا شائعًا، في بداية قبولنا في مدرسة الفنون، أخبرنا المعلم “تساو” بأن الفن يجب أن يخدم العمال والفلاحين والجنود والشعب، وأن يحبوه ويستمتعوا به، في هذه المرحلة، كان الأمر محض اسم وليس حقيقة، كان قد رأى كثيرًا من أساليب الفن، ولديه كثير من التبادلات مع البلدان الخارجية، وقد أشاد به الأجانب، بعد بيعه لوحاته الفنية، أصبحت أسعارها أكثر تكلفة، وتحولت حياته إلى الأفضل.

هذه الأشياء كلها صحيحة، لذلك هو يريد إخبارنا بأننا محقون وأنه مخطئ، أنا أظن، هذه الأشياء التي يراها الآن هي شيء لم يفكر فيه قط أو يجرؤ على تخيله حين كان رسامًا في مقتبل عمره، إن بداية هذه التغييرات، في رأيه، نبعت من شبابنا الجريء والمفعم بالحماس في الثمانينات، الذي كان مدفوعًا بالإخلاص والبساطة، لذلك رغب في إعادة التأكيد عليها، كنا آنذاك طلابه.

مع ذلك، وبعد هذّه السنوات كلها، وقفت عند رقم 50 لطريق “موغان شان”، وهو المركز الفني الأكثر أناقة في شنغهاي اليوم، نظرت حولي إلى أبعد نقطة تستطيع عيني أن تراها، حينها سألتني طالبتي “كانديس نغوين”، ما علاقة هذا الفن، هذا المكان، بالناس في البيئة المحيطة الذين يفصلهم عنه جدار؟ قبل أن أتمكن من الإجابة، تحدث أحد الطلاب بأنه ليس ثمة أي علاقة، معظم هذه الفنون موجهة للأجانب، الفن على طريق موغان شان في الواقع لا علاقة له بالأشخاص الذين يعيشون من حوله، إمَّا أنه بعيد المنال أو افتراضيّ، فضلًا عن ذلك، البيئة المعيشية لهؤلاء الأشخاص سيتم هدمها من قبل المخططين، وإعادة تصميمها، ما يتيح للسوق تحقيق الربح.

أُطيح بالسرد العظيم في التسعينيات، وفي الوقت نفسه، فقدت المثالية والمسؤولية الاجتماعية في مدة الثمانينات تأثيرها، وبدلاً من ذلك اسُتخدم الصواب والخطأ في التحدث عن السوق، في الوقت الحاضر، تم افتتاح المعارض والمساحات الفنية في كل مكان، وازدهر سوق الفن الصيني المعاصر، وحققت المزادات أرقامًا قياسية، واحتفت وسائل الإعلام بذلك، عصرنا فعلًا لديه آفاق واسعة لتحقيق مكاسب مادية، لم يعد التجريد والغريب يمثلان مشكلة، فالصور الأكثر إثارة أو الفن المبتذل أو الممل، أصبحت ممتعة أو مثيرة للسخرية، فهي فعلًا شفرة ترويجية، هل يرتبط هذا بجيلنا الجديد في الثمانينات والذي أصبح تدريجيا أساس المجتمع؟ فقد أصبح “تانغ غوان مينغ” معلمًا، و”يانغ شو” مهندسًا معماريًّا، و”تشو تيهاي” فنانًا يتمتع بشهرة عالمية وحقق نجاحًا كبيرًا، لقد تغير الزمن، ليس فقط بالنسبة إلى الآخرين، ولكن بالنسبة إليَّ أيضًا، أنا الذي لا أزال أعتمد على الفن مصدرًا للرزق، في خريف وشتاء 2007م، ألقيت محاضرة عن تطور الفن الصيني المعاصر لطلاب جامعة نيويورك القادمين إلى شنغهاي للدراسة، بدأ المحتوى الرئيسي لهذه المحاضرة من أواخر مدة السبعينيات، وما فعلناه في تلك المدة، الأشخاص الذين تواصلنا معهم، والصور التي تركناها خلفنا، أصبحت الآن جزءًا من التدريس.

لتاريخ الفن المعاصر في الصين منطقه الخاص في تطور الشكلية، لكنّه أشبه بهدم المباني وبنائها على جوانب الشوارع، والتي تنطوي على المفاهيم القديمة للانسحاب والإخلاء القسري، والمطورين، والاستثمار في المشاريع الضخمة، والمباني الشاهقة، والانتقال إلى الضواحي، والانتقال إلى المنازل الفاخرة، والأرباح الضخمة والحيل التجارية المختلفة، كلما اقتربنا من الحاضر، كلما شعرت بأن هذا النوع من الفن القوي والذي كنت أتعامل معه بكل جدية ذات يوم، بدأت معاييره تفقد معناها، ولم يتبقَّ إلَّا معايير البيع والشراء التي تعتمد على إنتاجنا نحن، والتي يتم تسعيرها من قبل الآخرين.

ربما يكون لهذا علاقة بالأمور التي كان علينا التمسك بها في ذلك الوقت، والتي لم تكن بالضرورة خطافَ صيد، استقبال المعلومات هذا يمنحنا صلة قرابة مع العالم الخارجي، حين يصبح التواصل سلسًا ويندمج مع نظام القيم، يأتي الاستثمار والتطوير بسرعة، ويطلق على هذا الأمر اسم العولمة، ذات ليلة، قال مدرس الفنون الغربية في شنغهاي، ما المشكلة في ذلك؟ إذا تم استبعاد من الصين، فسوف يكسبون العالم.

ما أجادل بشأنه هو، هل هذا “العالم” يشمل الصين؟ هل يشمل البلدان المجاورة وإفريقيا؟ أي عالم هذا؟ الفن الصيني المعاصر الذي لا يزال يتشرَّب المعلومات، يقعُ أسيرَ المؤسسات الفنية والمعارض، والمقيّمين وتجار الأعمال الفنية وجامعي الأعمال الفنية ونحو ذلك، معظمها تبدو مطيعة، لكن الحقيقة هي أنها شاحبة وضيقة الأفق، ولا يمكنها المشي في الشارع، ولا بين الأحياء، أو بالقرب من أحبابها، إن ما يسمى بالسعي وراء الحرية ممتلئ بالأكاذيب والتعظيم الذاتي، أولئك الذين يمتلكونها مقيدون بالحدود التي رسموها إلى درجة أنهم غير قادرين على محاسبة أنفسهم إطلاقًا.

هذا كله بدأ من جهلنا طبعًا، وليس فقط من تلك الفنون، والحق في الحكم المستقل للقيم الذي أردت الحصول عليه في ذلك الوقت، وقع بعد سنوات عديدة في أيدي الآخرين، الآن، مثلما قلت في الماضي، ولأنه يتعلق بالشباب، فليس ثمة طريقة لأكون أكثر موضوعية، حين نشك في هذا الأمر بهذه الطريقة، فمن المستحيل أن نبتعد عن الموضوع تمامًا، وفضلا عن ذلك، لم أتحدث إلَّا عن جانب واحد من الأمر، ولم أتطرق إطلاقًا إلى العقبات المختلفة التي تعترض حرية التعبير داخل الصين، ولكن على الرغم من ذلك، فقد أصبحت حركة الفن المعاصر القادمة من الغرب خلال الثلاثين عامًا الماضية أقوى وأكثر رسوخًا، واكتسبت زخمًا، إذ دمجت روح التقاليد الفنية الأصلية الأخرى وفكرها، بما في ذلك التقاليد التي تأسست قبل عقود من الزمان، لا سيما تحت ضغط السعي وراء أرباح السوق، هل يثبت هذا أن ثقافتنا وفنّنا الحاليين قويان ومتطوران ومثمران ويستحقان التباهي؟ قال المعلم “تساو” إننا على حق، ولكن هل نحن حقًّا على حق؟ أنا لست متأكدًا.

نشرت في الأصل في العدد الحادي عشر من مجلة “القراءة” عام ٢٠٠٨م


[1]١ “هو نمط من أنماط الفن وحركة ثقافية تستخدم الفن والأدب والسياسة للتعبير عنها”.

[2]١ “والمسرح الطليعي هو نمط من أنماط المسرح الذي يتحدى المعايير والتوقعات التقليدية للجمهور، غالبًا ما يكون تجريبيًّا ومبتكرًا وغير تقليدي في أسلوبه”.

[3]٢  “الأيديولوجيا هي نسق من المعتقدات والمفاهيم يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منظور يوجّه الاختيارات السياسية الاجتماعية للأفراد والجماعات”.

مقالات ذات صلة