خي خواي هونغ
ترجمة: غدي الغامدي
مارثا كرافن نوسباوم فيلسوفة أمريكية معاصرة مشهورة، تركّزت أبحاثها المبكرة على الأدب والأخلاق في روما واليونان القديمة، في حين أولت أعمالها في السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بالشؤون العامة، وأحدث كتاب لها هو “العدالة للحيوانات: مسؤوليتنا الجماعية”، هذا العمل من أعمال الحب، ليس فقط من أجل إحياء ذكرى ابنتها التي كانت مسؤولة عن التنظيم القانوني للحيوانات “أصدقاء الحيوانات” والتي توفيت صغيرة، بل أيضًا من أجل “الحيتان جميعها”، أي الحيوانات الواعية المختلفة التي تمثلها الحيتان، لهذا السبب، تعمقت مارثا كرافن نوسباوم في “عالم الحيوانات”، إذ تشربت كثيرًا من الأبحاث والمعرفة الجديدة عن الحيوانات في السنوات الأخيرة، عزَّز عملها هذا بالنسبة إلينا المسؤولية والحساسية الأخلاقية تجاه الحيوانات، بما في ذلك التعديلات المناسبة في السياسات والقوانين التي تعود بالنفع الكبير.
تظن نوسباوم أن النظريات الثلاث الحالية لرعاية الحيوانات غير مُرضيَة؛ النظرية الأولى من الثلاث هي نظرية السلم الطبيعي ونهج “مثلنا نحن البشر”، والتي يكمن القول إنَّها نوع من المسائل المتعلقة برعاية الحيوانات والمتمحورة حول الإنسان، النظرية الثانية هي نظرية النفعيّة التي تركّز بشدة على إدراك الحيوانات للألم، وتتضمن أشهر ممثل هو بيتر سينجر مؤلف كتاب “تحرير الحيوان”، أمَّا النظرية الثالثة فهي النهج الأيديولوجي الكانطي للفيلسوفة الأمريكية كريستين كورسغارد من جامعة هارفارد، والتي تتمتع بتأثير اجتماعي أقل كثيرًا، إذ قدمت وجهة نظر بأن الحيوانات “أهداف”.
حاولت نوسباوم نقد النظريات التي تم ذكرها مسبقًا واستبدالها بناءً على “نظرية القدرة”، بالتأكيد، هذا يشمل استيعاب بعض عناصر النظريات المذكورة أعلاه، لكنها تظن أن “نظرية القدرة” نظرية جديدة للعدالة في حدها الأدنى، تهدف إلى إدراج الحيوانات جميعها التي تملك القدرة على الشعور بالفرح والأسى، ولديها “منظور حياة ذاتي” خاص بها إلى نطاق تنظيم العدالة، بحيث تتمكن من الحصول على “حياة مزدهرة” خاصة بها.
تشير العدالة عامةً إلى استخدام الأخلاق في النظام، خاصةً في الأنظمة السياسية والسياسات والقوانين، لكن، في تاريخ البشرية، مفهوم وسلوك العدالة في الحقيقة كانا سابقين للسياسة، هذا يعني أن مفاهيم العدالة البدائية وأفعالها كانت موجودة فعلًا قبل إنشاء البشر الأنظمةَ السياسية، وهذا التعبير المركز “العدالة العقابية” والذي يعني أن في المستعمرات أو المجموعات البشرية البدائيّة الصغيرة ثمة التوزيع العادل، والمعاملة بالمثل والانتقام المتبادل من الخارج، قيمتها الجوهريّة هي الحياة، فالمكافآت والانتقام جميعها تدور حول الحياة وأضرارها، لكن لم يكن الأمر كذلك إلَّا بعد أن قامت البشرية ببناء مجتمعات سياسية وتشكيل الحكومات، إذ أصبحت هذه المفاهيم البدائيّة للعدالة ذات ضمان وتنفيذ أكثر موثوقية واستقرارًا.
على الرغم من أن أصل العدالة يعود إلى زمنٍ بعيد، إلا أن نطاق تنظيمها كان في البداية محدودًا جدًّا، ولم تُدرج الحيوانات فحسب، بل إن كثيرًا من الأعراق البشرية لم تُدرج كذلك، لا يزال البشر والحيوانات الأخرى في “حالة طبيعية” أو تحت “قانون الغابة” إذ يأكل القوي الضعيف، واحدة من أكبر إنجازات العصر الحديث، هي تضمين كثير من الناس في نطاق تنظيم العدالة والحقوق المتساوية، لكن قبل منتصف القرن العشرين، يمكن القول إن فلاسفة السياسة والأخلاق السائدين كانوا يناقشون على نحو أساسي مسألة تحقيق العدالة ضمن نطاق البشر، يظن جون رولز وهو فيلسوف أمريكي، أن البشر كائنات لديها مفهوم الخير وهو “التخطيط ووضع المخططات من أجل حياة جيدة”، كما لديهم إحساس بالعدالة، بسبب السعي المختلف للبشر نحو حياة جيدة “مفهوم الخير”، كانت ثمة حاجة إلى العدالة، ولأن البشر لديهم إحساس معين بالعدالة، وإحساس بالصواب والخطأ، كما لديهم قلوب طيبة، فثمة أيضًا إمكانية لتحقيق العدالة، دعت الأخلاقيات البيئية، التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى إدراج الحيوانات والكائنات الحية والبيئة بأكملها ضمن نطاق تنظيم العدالة والأخلاق، هذا نمط فريد من “العدالة التوزيعية”، أي أنها ليست مثل المعاملة بالمثل، لكن هي الاعتقاد بأن الكائن الحي “الإنسان” يمتلك وعيًا روحيًّا وقدرةً كبيرة، وهذا الكائن يجب أن يُدخل الحيوانات الأخرى في نطاق المعايير الأخلاقية والتنظيم السياسي.
السبب في أن مارثا كرافن نوسباوم ضمَّنت الحيوانات في نطاق تنظيم العدالة، هو أحد المفاهيم الأساسية: الشعور أو الإدراك (الوعي)، ووفقًا لذلك تظن نوسباوم “أن العدالة تتناسب فقط مع بعض الحيوانات التي تمتلك وجهة نظر بشأن العالم، لكن لا تتناسب مع الحيوانات التي ليس لها مثل وجهة النظر تلك، كما أنها لا تتناسب مع النباتات”، أشارت نوسباوم أيضًا إلى أن العلماء قسموا المشاعر إلى ثلاثة عناصر؛ العنصر الأول هو المشاعر المؤذية، العنصر الثاني هو الإدراك الحسي الموضوعي، أي أن العالم يبدو/يشعر بطريقة ما، أمَّا العنصر الثالث فهو إدراك المعنى أو الأهمية، ما الحيوانات التي يمكن تضمينها في نطاق العدالة؟ يبدو أن هذا يعتمد على الاجتهاد والمنظور الحسي للحياة، يمكن القول تحديدًا، إنَّ العدالة يجب أن تشمل كلًّا من الثدييات، والأسماك، والطيور والزواحف، من بين اللافقاريات، رأسيات الأرجل مثل “الحبار، والسبِّيط، والأخطبوط” هي الأكثر احتمالًا للشعور بالعدالة، كما أن ثمة بعض حالات الحيوانات غير الواضحة تمامًا، ولكن من وجهة نظرها فالنباتات مستبعدة تمامًا من نظرية العدالة، التركيز الأخلاقي على الكائنات الأخرى الحية وغير الحية قد يحتاج إلى نظريات أخرى مثل أخلاقيات الأرض، ونظرية مركز البيئة لتنظيمها، فاستكشافات نوسباوم ركّزت على نحو أساسي على حقوق الحيوانات والعدالة فقط.
أظن أن مواقفنا تجاه الحيوانات الأخرى ربَّما لها جزء متأصل من الطبيعة الحيوانيّة التي نتشاركها مع بعض الحيوانات الأخرى، فمثلًا، كثير من الحيوانات من الممكن أن تشعر أيضًا بالآلام، ولها وجهة نظرها الخاصة في الحياة، كما تحب أن تشعر بالرضا والتكيف مع الحياة، جزءٌ من الموقف متأصل في الاختلافات بيننا وبين الحيوانات الأخرى، والاختلاف الكبير يكمن في الوعي الروحي، مفهوم “الخير” والشعور بالعدالة غير موجودين في الحيوانات الأخرى، لذلك، يحتاج البشر إلى أن يأخذوا مكانة “الوكيل الأخلاقيّ” من أجل الحيوانات جميعها وحتى الكائنات الحية والأشياء الطبيعية جميعها، فضلا عن ذلك، بالنسبة إلى بعض الحيوانات، مثل الحيوانات التي لديها مشاعر وحتى عواطف أقوى، نحتاج أيضًا إلى تحمل مسؤولية أخلاقية أكبر، أما موقفنا تجاه الحيوانات من الممكن تضمينه في الأخلاق الإنسانية، اللطف تجاه البشر من الممكن أن يمتد إلى اللطف تجاه الحيوانات، أو بالأحرى، إذا كان المرء قاسيًا على الحيوانات، فمن المرجح أيضًا أن يكون قاسيًا على البشر، على الرغم من أن بعض الروابط الإيجابية والسلبية والعلاقات المقابلة ليست قانونًا ثابتًا لا يتغير، فقد يكون بعض الأشخاص يحبّون الحيوانات، لكنهم مهملون وغير مكترثين بالبشر.
أنا أشعر حقًّا أنه في حياتنا اليومية، ليس ثمة فقط كثير من السلوكيات القاسية لإساءة معاملة الحيوانات بسبب دوافع الاستغلال أو حتى الحقد والقسوة، لكن ثمة أيضًا مزيد من السلوكيات التي تبدو غير مقصودة ولا تهتم لمشاعر الحيوان وعاداته وخصائصه المعيشية، ناقشت مارثا كرافن نوسباوم بتحديد ودقة كثيرًا من سلوكيات البشر القاسية والمهملة تجاه الحيوانات، بما في ذلك “الحيوانات التي تعيش معنا” مثل الحيوانات المنزلية الأليفة، و”الحيوانات البرية”، فهي تظن أن هذه السلوكيات غير عادلة، ويجب علينا أن نبقى يقظين ونتحمل مسؤولية تغيير هذا كله.
في ظني فإن المسائل التي طرحتها نوسباوم عن الرعاية الأخلاقية العميقة والملموسة مهمة جدًّا، وتستحق الثناء، لكن في الواقع لدي شكوك عن المكانة والهدف التي أضافتهما إلى نظريتها، تظن نوسباوم أن النظرية التي طرحتها هي نظرية شاملة وعالمية، هذه النظرية هي “إنشاء أهداف قابلة للتحقيق تتناسب مع الدول جميعها، وأنا أسميها “ميثاقًا افتراضيًّا”، أرى أن هذه المسألة يمكن -بل ويجب- تطبيقها في كل مكان”، تتفق نوسباوم مع المفهوم الذي طرحه جون رولز عن “الإجماع المتداخل”، كما تظن أيضًا أن نظريتها يمكن أن تكون بمنزلة “الحد الأدنى من العدالة” لتصبح بمثل هذا الإجماع.
يجب أن تكون العالمية في حدها الأدنى، لكن هل تتناسب الأهداف المطروحة من نظرية نوسباوم مع أهداف ومعايير العالمية؟ الهدف الذي قدمته نوسباوم هو “حياة مزدهرة” للحيوانات جميعها، أو بعبارة أخرى “الازدهار والرخاء” للحيوانات الفردية جميعها، لكنني أشعر أنَّه بدلًا من القول إنَّ على الحيوانات الفردية جميعها أن تعيش “حياة مزدهرة”، من الأكثر واقعية القول أن تكون قادرة على العيش والتعايش مع البشر على هذه الأرض، وألَّا تعاني الألم بسبب البشر، وأن نجنبها التعرض إلى الإساءة من البشر، حتى بالنسبة إلى البشر، نحن نتمنى ونجتهد بقدر ما نستطيع ليس من أجل البقاء فحسب، بل أيضًا من أجل عيش حياة إنسانية أكثر كرامة، ولكن من المستحيل ضمان السعادة والرفاهية والازدهار للجميع، وبالنسبة إلى الحيوانات فهذا الأمر ينطبق عليها كذلك.
من الممكن أن نواجه صعوبة، وهي صعوبة إدراكية: هل يمكن أن نعرف بالضبط كيف تفهم الكائنات الحية الأخرى سعادتها ومفهوم “الحياة المزدهرة”؟ (ألقِ نظرة على المناظرة بين جوانغ زي وهوي شو بشأن موضوع “سعادة السمك”)، الأمر أصعب كثيرًا من أن نعرف مصائبهم ومعاناتهم، في الواقع، كيفيّة فهمنا لـ “المنظور الذاتي للحياة” للكائنات الحية الأخرى مشابه لتلك الصعوبة، حتى إنه مستحيل، (بالنسبة إلى هذه النقطة، يمكنك الرجوع إلى مقال توماس ناغل الشهير عن الخفافيش “كيف سيبدو الأمر لو كنت خفّاشًا؟”)، ينطوي “الإدراك” المذكور هنا على الاستجابة الحسية، فالاستجابة الحسية للحيوانات جميعها مختلفة عن بعضها بعضًا، لأن ثمة فجوة كبيرة بين “إرادتها” أو “رغبتها”، وإذا أجبرنا أنفسنا على حل هذه المشكلة، فقد نقع أيضًا في المركزية البشرية المتمثلة في “محاولة أن تكون مثلنا”.
لديّ أيضًا شكوك بشأن ملاءمة استخدام المفهوم الأساسي “القدرة” في “العدالة المادية”، حتى لو كان يشير إلى “القدرة الممكنة” أو “الإمكانات”، لكن بعد ذلك كله لا تزال “القدرة” تعني أن تكون “قادرًا” على الممارسة العملية، لدى البشر أيضًا اختلاف في القدرات والتطلعات، أما الحيوانات فتختلف جوهريًّا عن البشر، سنظن على نحو مناسب أنه على الرغم من أن الأطفال القاصرين لا يملكون القدرة على الاستقلال العقلي، فلا يزال علينا أن نوليهم اهتمامًا أكبر في إطار العدالة المؤسسية، في نهاية المطاف، يمكنهم اكتساب هذا النوع من القدرات العقلية والمستقلة حين يكبرون، مع استثناء عدد قليل جدًّا من الأشخاص المصابين بأمراض عقلية، فإن معظم الناس لديهم هذا النوع من القدرة، بالإضافة إلى أن الحيوانات لا تستطيع اكتساب هذه القدرة طيلة حياتها، لذلك، فإن “نظرية القدرة” قد لا تواجه فقط بعض المشكلات حين استخدامها على العدالة الأساسية للإنسان، لكن قد تواجه مشكلات أكبر حين تطبيقها على الحيوانات.
حين تتحدث نوسباوم عن “نظرية القدرة” فهي تؤكد دائمًا على نوع من “التمكين”، وهو “تمكين جوهري”، أي توفير الظروف والموارد العملية للأشخاص الذين لم يُظهروا هذه القدرات لتمكينهم من اكتساب هذه القدرات، وهو أيضًا نوع من تمكين العالم الخارجي، أي أنهم يظنون أنهم لا يملكون هذه القدرة بسبب عقبات العالم الخارجي، لكن سواء أَكان البشر أو الحيوانات الأخرى، هل عدم القدرة على إدراك قدرات معينة يرجع إلى العوائق الخارجية؟ أم أن ثمة قيودًا داخلية؟ لذلك، أظن أنه من الأفضل أحيانًا قول “القدرة” بدلًا من القول المباشر “الخير الأساسي” و”العناصر الأساسية” و”الاحتياجات الأساسية” كما يفعل رولز وغيره من العلماء.
وضعت نوسباوم “قائمة من الكفاءات الأساسية” للبشر، تتضمن هذه القائمة: الحياة، والصحة البدنية، والسلامة الجسدية، والشعور، والتخيل والتفكير، والعواطف، والعقلانية العملية، والعلاقات الاجتماعية، والاهتمام بالكائنات الحية الأخرى والعالم الطبيعي، واللعب، والتحكم في بيئة الفرد (تشمل: أولًا، البيئة السياسية، أي القدرة على المشاركة الفاعلة في الخيارات السياسية التي تحكم حياة الفرد، وثانيًا، البيئة المادية، أي امتلاك الممتلكات).
استحقت تلك القيم السعي وراءها، لكن نوسباوم قالت إن تفكيرها كان “أنّ هذه القدرة يمكن توضيحها على نحو أكبر، بناءً على الاحتياجات والظروف الخاصة لكل دولة، لأن الدول تضع معايير لتحقيق الحد الأدنى من العدالة “، و”إذا لم تتمكن الدولة من توفير ضمانات أساسية لكل قدرة من قدرات كل مواطن، فإنَّه بغض النظر عن مدى تحقيق ضماناتها في جوانب أخرى، فإنها لم تصل إلى الحد الأدنى من تحقيق العدالة”، لا أعرف ما الحد الأعلى من تحقيق العدالة في ذهن المؤلفة، ولكن إذا تم قياسها بهذا المعيار من “الحد الأدنى من العدالة” فأنا أظن أن هذه ليست قائمة بالحد الأدنى، بل هي بالأحرى قائمة مثالية إلى حد كبير، باستخدام هذه القائمة لقياس تاريخ البشرية، وحتى الوضع الحالي “لتقدّم” البشرية حتى هذه اللحظة، ربما لن يمكن لكثير من المجتمعات أن تلبيها على نحو كامل، لكن هل يمكن أن نقول على هذا الأساس إن تاريخ البشرية الماضي هو الشر الظالم؟ إضافةً إلى ذلك، هل يمكننا طلب الكثير من الدولة والحكومة؟ إذا كنا نطلب حكومة مطلقة، فهل من الضروري المطالبة بحكومة تتمتع بصلاحية شاملة؟ في الواقع، كانت نوسباوم تمثل الأفراد في تقديم المطالب إلى الحكومة والقانون، لكن من أجل تحقيق هذه المطالب وحمايتها، لا يزال يتعين عليها المرور عبر الحكومة.
لم تدرج نوسباوم قائمة مفصلة تنطبق على الحيوانات جميعها، لأن ثمة كثيرًا من الاختلافات بين مختلف الحيوانات والأنواع، وشرحت على نحو رئيسي قدرات الحيوانات بالرجوع والإشارة إلى القدرة الجوهرية للإنسان، إذا أرادت نوسباوم أن تعيش الحيوانات الأخرى “حياة مزدهرة” مع تحقيق الحد الأدنى من العدالة، فيجب على البشرية أن تتحمل كثيرًا من المسؤوليات الكبرى، لكن في مثل هذا الأمر يكون الهدف “الأعلى” هو المطلب “الأدنى”، ومع ذلك لا يستطيع معظم الناس تحقيقه، إذا كنا نود السعي على نحو عادل من أجل حياة مزدهرة للحيوانات جميعها، ليس علينا فقط جعل الحيوانات متساوية مع البشر، بل أيضًا جعل الحيوانات متساوية بين بعضها بعضًا، وفي هذا الأمر سنواجه كثيرًا من الصعاب، مثلًا، إذا لم يكن لدى البشر تفضيلات لموقف الحيوانات مثل حب الكلاب والأحصنة وكرههم للحشرات والفئران، فذلك من الممكن أن يعرِّض الناس إلى الانتقاد، وستصبح الحياة مرهقة وحتى مملة بأكملها، (في الواقع سيكون للناس تفضيلات مختلفة لمواقف الآخرين)، لذلك سيعتني البشر بأنفسهم أكثر، لأنها طبيعة البشر، وهي أيضًا طبيعة الحيوانات، تمامًا مثل الحيوانات الأخرى، كل حيوان سيعتني بنفسه.
هذا بالضبط أحد الأسباب التي تقلقني؛ أن المفكرين والمثقفين تحت راية التقدم والوعي، يضعون أهدافًا ومتطلبات “أخلاقية” بصورة مستمرة، لكن السلوك الداعم لذلك هو أمر لا يستطيع الناس القيام به، حتى المناصرين يحققون ذلك بصعوبة، يتضمن ذلك بعض المتطلبات البسيطة والواضحة، مثل التخلص من مركزية الإنسان على مستوى الوعي والسلوك، ووضع الإنسان والحيوانات الأخرى على قدم المساواة، إذا كنتُ في الأصل حيوانًا غير واعٍ، سأندمج تلقائيًّا مع الحيوانات الأخرى، لكن إذا كنت حيوانًا واعيًا وأردت أن أندمج مع الحيوانات غير الواعية، وأكون غير واعٍ للحدود بين ذاتي وبين العالم الخارجي، سيكون هذا الأمر صعبًا، وسيتطلب قدرةً عقليةً قوية لجعل ذلك ممكنًا.
أدرجت نوسباوم كذلك مهارات كثير من الحيوانات التي تتجاوز مهارات البشر، حتى إنها أدرجت بعض النتائج الجيدة عن حياة الحيوانات، وهذا صحيح فعلًا، من حيث كثير من نواحي القدرات الجسدية، سواء من حيث السرعة، والطاقة، والمرونة والقدرة على التحمل، أو حتى العمر الافتراضي، فإن البشر ليسوا أبطالًا فرديّين في عالم الحيوانات، لكنهم يمتلكون الوعي العقلي، واعتمادًا على “الذكاء والحكمة”، سيتغلبون على كثير من المهارات التي لا تحصى، النتائج الجيدة عن حياة الحيوانات، تبدو كأنها لا تقارن بكثير من الإنجازات العقلية والثقافية للبشر، وهذا بالضبط يرجع إلى الوعي الأخلاقي للبشر اعتمادًا على “الذكاء والحكمة”، لذلك فنحن الآن نتناقش بشأن “العدالة للحيوانات”، بالتأكيد، هذه القدرة الواعية لدى البشر ليست جميلة وجيدة فحسب، بل تُستخدم أيضًا في فعل الشر أو ارتكابه بموضوعية، حتى الآن، يزداد ذكاء البشر الذي يمتلكون القدرة على التحكم في الأشياء بسرعة، في حين أنَّ قدرتهم على التحكم في ذاتهم المرتبطة بالحكمة والأخلاق تتخلف على نحو هائل.
إضافةً إلى ذلك، يجب أن نركز على التوازن الطبيعي في العالم الطبيعي، يبدو هذا مثل قول ليوبولد المناصر لـ “أخلاقيات الأرض” في مقال “فكر كالجبل”، تعيش الغزلان في “الخوف الشديد” من الذئاب، كما يعيش الجبل في “خوف شديد” من الغزلان، فإذا كان عدد الغزلان كثيرًا، فسيتدمر الغطاء النباتي، ومن ثم سيصبح الجبل قاحلًا، أما بالنسبة إلى الذئاب فهي تتغذى على الغزلان، ما يؤدي إلى حماية الجبل، وهذا نوع من التوازن الطبيعي، على الرغم من أن البشر لديهم القدرة على التدخل، لكن مع ذلك تحتاج بعض سلوكيات الحيوانات التي تتنافس في البقاء على قيد الحياة إلى “التجاهل”، وإلَّا فإن التوازن لن يتحقق، يحتاج البشر على نحو أساسي إلى التفكير في سلوكهم، لأنهم فعلا أكبر مفسدي التوازن الدقيق في الطبيعة، إذا ظهر في يوم من الأيام ذكاء اصطناعي خارق، وهيمنت الكائنات القائمة على السيليكون على العالم، واختفت الكائنات الحية القائمة على الكربون، فسيكون ذلك أيضًا شرًّا من صنع الإنسان.
لا أعارض اقتراح أهداف سامية، وأظن أن بعض الناس سيعملون بجدٍّ لتحقيقها، ولكن لا بد من وضعها في المكان المناسب، وليس بوصفها نظرية توجيهية ينبغي تنفيذها والترويج لها عالميًّا، بل قد تكون نظرية داعمة تهدف إلى حماية الحيوانات والسلوك البيئي، وهذا يعني أنها واحدة من نظريات رولز الواسعة والمتنوعة التي ذكرها بدلًا من “الإجماع المتداخل” في حده الأدنى، إذا لم نستخدم هذه النظرية بوصفها نظرية إرشادية، بل بوصفها نظرية داعمة، فمن الممكن استخدام الموارد العقلية والقوة الدافعة للنظرية الأيديولوجية على نطاق واسع، يمكن أن تكون هذه النظريات الداعمة “نظرية الكفاءة”، أو نظرية مانموهان سينغ لتحرير الحيوان، أو المركزية البيئية، أو حتى النظرية التي تركز على الإنسان لرعاية الحيوانات، من الممكن أيضًا أن تكون معتقدات دينية مثل البوذية، بالإضافة إلى حكمة الحياة التقليدية في مختلف الحضارات، مثل “العيش إلى الأبد” في التقاليد الثقافية الصينية.
باختصار، أنا مقدر ومعجب بتمنيات الكاتبة، فالأمثلة البغيضة التي ذكرتها عن معاملة الحيوانات كانت صادمة، كما اقترحت بعض التدابير المحددة والتحسينات القانونية، غيَّر مقال “العدالة للحيوانات” موقفنا تجاه الحيوانات بتقديمه مصادر عقلية فكرية، ويمكن أيضًا استخدامه دليلًا نظريًّا مباشرًا من قبل بعض الأشخاص، فضلا عن ذلك، يجب أن يكون قادرًا على نحو عام على أن يوقظ الحساسية الأخلاقية لدينا تجاه الحيوانات ويعززها، قد لا يكون خبث الناس أو اشمئزازهم تجاه الحيوانات قويًّا ودائمًا وواضحًا مثل خبثهم واشمئزازهم تجاه بعض الناس، فالأذى الذي نسببه للحيوانات هو في الأصل قادم من عدم الاهتمام بها وعدم حساسيتنا تجاهها، لذلك، من المهم جدًّا تحسين موقفنا على نحو عام تجاه الحساسية الأخلاقية للحيوانات.
كان حكم المؤلفة صحيحًا: “حيوانات العالم بأسره في مأزق”، وهذا بسبب “أن البشرية تحكم كل جزء من العالم، من اليابسة والبحار إلى السماء، لا يستطيع أي حيوان غير بشري أن يهرب من هيمنة البشر”، بسبب مكانتنا المسيطرة العالية، يجب علينا أن نوقظ حس المسؤولية تجاه المخلوقات الحية الأخرى، ربما أن هذه المسألة لم تكن مهمة في الماضي، وذلك لأن البشر لم يسيطروا على العالم بهذه القوة مثلما سيطروا عليه بعد الثورة الصناعية، بسبب التطور السريع للتكنولوجيا، وبسبب “الحياة الفاخرة” الحديثة التي اعتدنا عليها (بالمقارنة مع القدماء، يمكن القول إن حياة كل إنسان هي تقريبًا حياة “مترفة”)، هذا النوع من الحياة قد يعوق بقاء الحيوانات الأخرى، حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحبون الحيوانات، قد تكون بعض سلوكياتنا وقراراتنا غير المقصودة تمثل كارثة للحيوانات الأخرى.
ولكن السؤال الآخر هو: أَلا نريد أن نسعى إلى التوافق؟ أي السعي للتوصل إلى توافق في الآراء الذي يشمل أكبر عدد ممكن من الناس، والذي بدوره يؤدي إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية الحيوانات، بدلًا من مجرد السعي نحو عالم روحي شخصي، إذا أردنا أن نسعى إلى تحقيق التوافق، فيتعين علينا أن نأخذ في الحسبان الواقع، والطبيعة البشرية، وغالبية الناس، وبهذه الطريقة، بالإضافة إلى النظر في نطاق تعديل العدالة، يجب علينا أيضًا النظر في درجة متطلبات العدالة وقابلية تنفيذ العدالة، وبالنسبة إلى نطاقات التعديل المختلفة، قد تكون المتطلبات أيضًا مختلفة، بل من الممكن أن تكون ثمة علاقة عكسية بين الاثنتين.
