القائمة الرئيسية

نحو نهضة العطاء في آسيا: كيف يمكن للثروة أن تصبح قوة لتغيير العالم

نحو نهضة العطاء في آسيا: كيف يمكن للثروة أن تصبح قوة لتغيير العالم
ملخص المقال

آسيا تضم اليوم أكثر عدد من المليارديرات مقارنة بأي منطقة أخرى، ومع ذلك يظل أسلوبهم في "فعل الخير" محافظاً، إذ يركّزون على المنح التقليدية، ما يترك إمكانات هائلة غير مستغلة لمواجهة التحديات التي تواجه الناس والكوكب في لحظة حرجة من التاريخ.

[post-views]

ملخص: تتناول هذه المقالة كيف يمكن لأثرياء آسيا أن يحولوا العمل الخيري من تبرعات تقليدية إلى رأس مال تحفيزي قادر على إطلاق استثمارات ضخمة في مجالات المناخ والتنمية والعدالة الاجتماعية، موضحةً أن تبنّي نهج جريء في العطاء يمكن أن يجعل آسيا قوة عالمية في سد فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة وتعزيز الأمن الاقتصادي والبيئي من خلال شراكات مبتكرة تجمع بين القطاعين العام والخاص والعمل الخيري.

  • آسيا هي موطن لأكبر عدد من المليارديرات في العالم.
  • ومن خلال توجيه رؤوس الأموال نحو المخاطرة التحفيزية بدلاً من التبرعات الحذرة، يمكن لأصحاب الثروات الآسيويين تسريع الاستثمارات الأكثر أهمية للعالم.
  • فإذا ما تبنّى الأثرياء في آسيا نهجاً أكثر جرأة في العمل الخيري، يمكن أن يصبح العمل الخيري الآسيوي ركيزة استراتيجية لحل المشكلات العالمية، مؤثراً بشكل غير متناسب في الأمن المناخي والمرونة الاقتصادية ومستقبل التنمية المستدامة.

آسيا تضم اليوم أكثر عدد من المليارديرات مقارنة بأي منطقة أخرى، ومع ذلك يظل أسلوبهم في "فعل الخير" محافظاً، إذ يركّزون على المنح التقليدية، ما يترك إمكانات هائلة غير مستغلة لمواجهة التحديات التي تواجه الناس والكوكب في لحظة حرجة من التاريخ.

يكفي أن ننظر إلى فجوة التمويل السنوية البالغة 2.5 تريليون دولار اللازمة لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs) — أموال مطلوبة لتحسين الصحة العامة، وتوسيع الوصول إلى التعليم، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ. ويأتي ذلك في وقت ما زالت فيه الحكومات تعاني من آثار جائحة كورونا، بينما تتقلص المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA)، إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) انخفاضاً يتراوح بين 9% و17% في عام 2025 بسبب تغيّر أولويات المانحين.

إذا ما نهض أصحاب الثروات في آسيا بمسؤوليتهم، فقد يكون للعالم فرصة حقيقية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، نظراً لحجم المنطقة وقدرتها على إحداث أثر كبير، خاصة في مجال المناخ. وبذلك، سيكون لهم تأثير مباشر على مسارات الأمن والاستقرار والازدهار العالمي.

الاختيار أمام أثرياء آسيا واضح وبسيط لكنه عميق في معناه: إما الاستمرار في سدّ الثغرات الصغيرة عبر المنح التقليدية، أو التحرك بجرأة نحو التغيير الحقيقي.

لقد قُدّر أن بلوغ نسبة العطاء في آسيا إلى مستوى الولايات المتحدة (2% من الناتج المحلي الإجمالي) يمكن أن يعبئ ما يصل إلى 700 مليار دولار سنوياً، أي ما يغطي أكثر من ربع فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة.

لكن الأهم من زيادة حجم العطاء هو تغيير طريقة العطاء نفسها.

التحول من العمل الخيري التقليدي إلى رأس المال التحفيزي للمخاطرة

هذا يعني تقديم تمويل مرن وطويل الأمد وذي طبيعة تنازلية، يهدف إلى تحفيز استثمارات أكبر من القطاعين العام والخاص. في هذا الدور الجديد، يمكن للعمل الخيري أن يصبح الركيزة الأساسية للتمويل المدمج، إذ يُستخدم لتقليل المخاطر في المشاريع المؤثرة وجذب رؤوس الأموال التجارية. فـ"رأس المال التحفيزي" لا يحلّ محل المنح، بل يعظّم أثرها عبر الرافعة الاستثمارية.

وتُظهر الأدلة قوة هذا النهج: كل دولار واحد من رأس المال الخيري التحفيزي يمكن أن يطلق استثمارات تتراوح بين 4 و30 دولاراً في مشاريع موجهة نحو أهداف التنمية المستدامة.

من الأمثلة البارزة صندوق “Zero Gap” لمؤسسة روكفلر، الذي استطاع عبر التزام بقيمة 30 مليون دولار أن يحفّز استثمارات تفوق 1.05 مليار دولار في دعم الوظائف وتحسين حياة الناس وتمويل عدة مشاريع في آسيا.

وفي جنوب شرق آسيا، نجح برنامج التعافي الأخضر للبنك الآسيوي للتنمية، المدعوم من مرفق التمويل الأخضر التحفيزي (ACGF)، الذي أطلق بفضل مساهمة قدرها 300 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر، في تعبئة 3.7 مليار دولار لمشاريع بنية تحتية منخفضة الانبعاثات، مع أكثر من 15 مشروعاً قيد التنفيذ.

لكن رغم هذه الأمثلة الملهمة، ما تزال قليلة جداً لإحداث التحول الجذري المطلوب للانتقال من مليارات إلى تريليونات الدولارات اللازمة للتأثير الفعلي.

من الجرأة إلى التنفيذ: ثلاثة تحولات ضرورية

1. الانفتاح على التعاون المشترك

يتردد بعض المانحين في تبني أساليب جديدة بسبب افتراضات قديمة — منها أن أموالهم يجب أن تظل بعيدة عن تمويل الحكومات أو القطاع الخاص الربحي. آن الأوان لتغيير هذه الذهنية، وكسر الحواجز بين القطاعات من خلال بناء شراكات جديدة تجمع بين القطاعين العام والخاص والعمل الخيري (PPPPs).

من الأمثلة الملهمة مؤسسة Central Square Foundation (CSF) في الهند، التي تعاونت مع الحكومات المحلية لتحسين التعليم الأساسي من خلال فرق تقنية متخصصة وإصلاح مناهج التدريس وإشراك القطاع الخاص، ما ساعد في تعبئة نحو 240 مليون دولار من الميزانيات العامة وجعل محو الأمية والعدّ أساساً وطنياً.

وفي مجال الصحة، يُعد صندوق GHIT الياباني نموذجاً عالمياً للتعاون في البحث والتطوير للأمراض المهملة. فبدعم قدره 50 مليون دولار من مؤسستي غيتس وويلكوم، إلى جانب الحكومة اليابانية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تمكن الصندوق من تعبئة أكثر من 200 مليون دولار للابتكار الصحي العالمي.

هذه النماذج توضح مساراً ناجحاً يقوم على تكامل الأدوار: العمل الخيري كرأس مال للمخاطرة، الحكومات كقادة للنظم، والقطاع الخاص كمحرك للابتكار.

2. إثبات الأثر على حياة الناس ومعيشتهم

في جنوب شرق آسيا، يدعم مشروع SEAFOAM التابع لمركز Climateworks، والممول من تحالف Philanthropy Asia Alliance (PAA)، استراتيجيات المناخ البحرية المبتكرة، من خلال دمج النظم الساحلية والكربون الأزرق والنقل البحري والطاقة المتجددة في السياسات الوطنية، مما يعزز قدرة المجتمعات الساحلية ويدعم تمويل المناخ المستدام.

وفي الزراعة، يبرز مشروع “إزالة الكربون من الأرز” التابع لمختبر Temasek للعلوم الحياتية، الذي يهدف إلى إدخال ممارسات زراعية منخفضة الكربون وتحسين كفاءة المياه وتطوير أصناف أرز مقاومة للمناخ. تجري حالياً تجارب ممولة من المانحين في الهند وإندونيسيا ولاوس، والتحدي المقبل هو ضمان تبنّي هذه الحلول على نطاق واسع بالتعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمزارعين.

3. بناء منصات للتعلم المشترك والثقة

العمل الخيري القائم على المخاطرة ليس بالأمر البديهي؛ إذ تتطلب صفقاته هياكل مالية معقدة وتعاوناً غير مألوف بين القطاعات. لذلك تُعدّ المنصات التي تجمع الفاعلين المختلفين لتبادل الخبرات ضرورية لبناء الثقة وتعميم التعلم من النجاحات والإخفاقات.

تشهد آسيا اليوم تنامياً في مثل هذه المبادرات، مثل قمة Philanthropy Asia في سنغافورة ومؤتمر AVPN العالمي في هونغ كونغ، حيث بدأت النقاشات الصريحة حول التمويل المدمج تحظى باهتمام جدي. كما ظهرت مبادرات جديدة مثل ASPIRE، وهي شراكة آسيوية للاستثمار في الاقتصادات القادرة على الصمود، أُطلقت من قبل AVPN وBCG، لمساعدة المانحين على فهم وتطبيق آليات التمويل التحفيزي.

قرن آسيا، لحظة آسيا

التحول المطلوب ليس مالياً فقط، بل قيادياً أيضاً. يمكن للعمل الخيري الآسيوي أن يصبح ركيزة استراتيجية لحل المشكلات العالمية، مؤثراً بشكل كبير في أمن المناخ والمرونة الاقتصادية ومستقبل التنمية.
ومن خلال تحويل رؤوس الأموال من المنح الحذرة إلى الاستثمارات التحفيزية الذكية، يستطيع أثرياء آسيا تقليل المخاطر وتسريع الاستثمارات التي يحتاجها العالم بشدة، بل والمساهمة في رسم قواعد اللعبة الجديدة لكيفية مواجهة البشرية لتحدياتها الكبرى.

بقلم شون سيو (الرئيس التنفيذي لتحالف Philanthropy Asia Alliance) وفاراد باندي (شريك ومدير في مجموعة بوسطن الاستشارية). شاركا في صيف 2025 في مركز روكفلر بيلادجيو، حيث انطلقت مبادرة ASPIRE لتوسيع نطاق التمويل المبتكر والمندمج في آسيا.

المصدر

مقالات ذات صلة