ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للنظام المصرفي الحديث أن يستلهم من جذور التمويل التعاوني في القرن التاسع عشر، حيث كانت المجتمعات تبني شبكات دعم متبادل تقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة. من خلال تجربة بنك مونتبيو البرتغالي، يبرز المقال كيف يمكن للمصارف اليوم أن تعيد توجيه رسالتها نحو الشمول المالي، والمساواة بين الجنسين، والحوكمة الرشيدة، وتمويل الانتقال العادل نحو اقتصاد أكثر استدامة، ليعود المال إلى غايته الأصلية: خدمة الناس والمجتمع لا مجرد تحقيق الأرباح.
- قبل أن تتخذ البنوك شكلها الحديث، كان التمويل يعتمد على آليات غير رسمية قائمة على فكرة المعونة المتبادلة — أي أن المجتمعات المحلية كانت تدعم بعضها البعض في أوقات الحاجة.
- من خلال تبنّي مبادئ رأسمالية أصحاب المصلحة، يمكن لجمعيات المعونة المتبادلة اليوم أن تتعامل مع التغيرات بعدالة أكبر، وأن تستخدم مواردها لتحسين مجتمعاتها.
- ومن هذا المنطلق، يمكن لهذه النماذج القديمة أن تلهم المصارف الحديثة لتبني مبادئ أكثر عدلاً تعزز الشمول المالي، والأثر البيئي الإيجابي، والمكاسب المجتمعية المشتركة، والثقة بين الأفراد.
بدايات مصرف مونتبيو: التعاون من أجل الصالح العام
هكذا وُلد مصرف مونتبيو في البرتغال عام 1844، على يد مجموعة من المعلمين والحرفيين والموظفين الحكوميين الذين جمعهم هدف واحد: مساعدة بعضهم البعض.
منذ ذلك الحين، تطورت المؤسسة لتتجاوز مفهوم الربح، وتتجه نحو فكرة أن الازدهار يجب أن يكون مشتركاً بين الإنسان والكوكب والمؤسسات التي تخدمهما.
واليوم، وبعد أكثر من 180 عاماً من الخبرة، يسعى بنك مونتبيو إلى إثبات أن التمويل يمكن أن يكون أداة تخدم الناس والخير العام، لا مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح.
التمويل يجب أن يدعم الشمول
الصحة المالية تُعد من أكثر عناصر الصمود الاجتماعي إهمالاً، فالميزانية الحقيقية للبنك لا تُقاس بالأرقام فحسب، بل بحياة الناس الذين يمكّنهم من التقدم.
يمكن للمؤسسات المالية أن تحقق هذا الهدف بعدة طرق:
دعم الشباب: في البرتغال، أصبح السكن ميسور التكلفة تحدياً متزايداً، إذ يبلغ متوسط سن مغادرة المنزل نحو 33 عاماً. لذلك، تقديم مزيد من القروض العقارية لمن هم دون 35 عاماً يوفّر لهم قدراً من الأمان في عالم متقلب، كما أن الاستثمار في التثقيف المالي يمكّن الشباب من اتخاذ قرارات أفضل لمستقبلهم.
خلق فرص عمل: دعم التعاونيات والمشروعات الاجتماعية والمنظمات غير الربحية التي تولّد الوظائف في المناطق الأكثر احتياجاً يمكن أن يرفع معدلات التوظيف.
المساواة بين الجنسين: تمثيل النساء في مجالس إدارة البنوك يضمن أن نصف المجتمع له صوت في صنع القرار.
تضمّ إدارة بنك مونتبيو حالياً 58% من النساء في مجلس الإدارة و50% في اللجنة التنفيذية. وفي عام 2024، منحه المنتدى الاقتصادي العالمي جائزة التميز في التنوع بوصفه أصلاً استراتيجياً.
“من خلال تمويل السكن اللائق والميسور والمستقر، خاصة للأسر ذات الدخل المنخفض والمجتمعات المهمّشة، يمكن للبنوك أن تضاعف القيمة الاجتماعية والاقتصادية.”
التمويل من أجل انتقال عادل
رغم أن مؤسسي بنك مونتبيو في القرن التاسع عشر لم يتحدثوا عن “البصمة الكربونية”، إلا أنهم فهموا مبدأ الوصاية: أي أن كل جيل مسؤول عن الموارد التي سيتركها للجيل التالي.
ويمكن لهذا المبدأ أن يرسم خارطة طريق للقطاع المصرفي نحو تحقيق الحياد الكربوني:
ابدأ بالمصداقية: مراقبة الانبعاثات في العمليات الداخلية وعبر محافظ الإقراض لتكوين صورة دقيقة عن الأثر البيئي.
الانتقال لا الانسحاب: بدلاً من سحب الاستثمارات من القطاعات الملوِّثة، يمكن للبنوك مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على التحول تدريجياً نحو الاستدامة.
الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة: مثل إعادة التشجير واستعادة التنوع البيولوجي ودعم الشركات الناشئة في مجال الزراعة التجديدية. في بلد مثل البرتغال الذي يعاني من الحرائق والجفاف، تعد هذه الإجراءات ضرورية للمرونة طويلة الأمد.
التقدم لن يدوم إلا إذا كان شاملاً ومسؤولاً وخاضعاً للمساءلة.
الازدهار المشترك: خدمة المجتمع لا الأرباح فقط
الازدهار الحقيقي لا يُقاس بالعوائد المالية وحدها، بل بأثرها المتسلسل في المجتمع: كل مشروع صغير يُموّل، وكل بيت يُبنى، وكل تعاونية تُدعم، تسهم في نسج نسيج اجتماعي أكثر صلابة.
ولزيادة هذا الأثر، يجب على البنوك التركيز على محورين رئيسيين:
الاقتصاد الاجتماعي:
دعم التعاونيات والمشروعات الناشئة ذات الأهداف الاجتماعية برأس مال صبور وأدوات عملية للحوكمة وقياس الأثر. هذه المؤسسات تساعد على تدوير القيمة محلياً، وتخلق فرص عمل، وتعزز اتخاذ القرار الديمقراطي، وتقدم خدمات قد تعجز الأسواق أو الحكومات عن توفيرها.السكن:
المنزل هو أكثر من مجرد مأوى؛ إنه مصدر للاستقرار والصحة والتعليم وبناء الثروة. تمويل السكن الميسور والمستقر، خصوصاً للأسر محدودة الدخل، يمكن أن يغيّر حياة الأجيال القادمة.
أظهرت دراسة لجامعة هارفارد أن أبناء أصحاب المنازل يتمتعون ببيئات منزلية أفضل بنسبة 13 إلى 23%، ودرجات أعلى في الرياضيات بنسبة تصل إلى 9%، وفي القراءة بنسبة 7%، إضافة إلى سلوكيات أفضل بنسبة 3%.
“على القطاع المصرفي أن يستعيد الغاية التي جعلت منه في الأصل مرفقاً عاماً يخدم الجميع.”
الحوكمة الرشيدة أساس الثقة
الثقة هي حجر الأساس في عالم المال، ويجب اليوم أن تتجاوز العلاقات الفردية لتشمل المواطنين والمؤسسات أيضاً.
وتقوم الحوكمة الجيدة على مبادئ رئيسية منها:
الشفافية في كيفية اتخاذ القرارات ومن يتخذها وكيف يتم تبادل المعلومات.
دمج الاستدامة في إدارة المخاطر ومساءلة مجالس الإدارة.
تعزيز جودة البيانات لضمان قرارات مبنية على أدلة موثوقة.
وضع الأخلاق في صميم القرارات، مع إعطاء الأولوية للإنسان والكوكب.
تدريب الموظفين بانتظام على النزاهة وثقافة التبليغ لضمان التنوع والمساءلة.
وقد حازت جهود بنك مونتبيو على اعتراف الميثاق العالمي للأمم المتحدة الذي صنّفه ضمن فئة “المؤسسات المتقدمة” في إطار حوكمة التحول لتحقيق الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة: السلام والعدل والمؤسسات القوية.
العودة إلى الجذور
في أكتوبر الماضي، اجتمع قادة العالم خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمناقشة سبل جعل النمو العالمي أكثر شمولاً واستدامة.
لكن نجاح هذه النقاشات يعتمد في النهاية على مبدأ أقدم وأبسط: الإيمان بأننا مسؤولون عن بعضنا البعض.
لا يزال بإمكان النظام المصرفي الحديث أن يستلهم من جذوره الأولى — عندما كان التمويل عقداً اجتماعياً أكثر منه نظام معاملات.
قد تتغير الأدوات (من الدفاتر إلى الخوارزميات، ومن النقود إلى البيانات)، لكن الجوهر يبقى واحداً: الازدهار يجب أن يكون مشتركاً ليستمر.
أولويات بنك مونتبيو للمستقبل
لتحقيق مزيد من الأثر، يركّز البنك على ثلاث أولويات رئيسية:
الانتقال من القياس إلى التنفيذ في مسار الحياد الكربوني، ومساعدة العملاء على بناء خطط واقعية للانتقال العادل.
تعزيز الحوكمة والأنظمة البيانية لضمان الشفافية والمساءلة مع تحقيق الأداء الاقتصادي والمالي اللازم لإعادة الاستثمار في الاقتصاد والمجتمع.
توسيع الشمول المالي، خصوصاً في مجالات سكن الشباب وريادة الأعمال المجتمعية وتنمية المهارات.
وفي النهاية، وكما يقول البنك:
“إن مستقبل التمويل يعتمد على من يقوده بالمعنى والغاية.”
