ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للجغرافيا السياسية، رغم انقساماتها وصراعاتها، أن تتحول من عائق أمام الانتقال الأخضر إلى محرّك له، موضحًا أن النجاح في بناء عالم مستدام لن يقوم على التوافق الكامل، بل على التقارب العملي بين القوى والمناطق المختلفة، حيث يمكن للمنافسة بين الدول الكبرى والتحالفات الإقليمية الناشئة أن تخلق زخمًا جديدًا للابتكار والتمويل الأخضر، شريطة أن تُدار بذكاء وعدالة لبناء عالم أكثر صمودًا وقدرة على الاستمرار حتى وسط التوترات السياسية.
- لا يمكن للانتقال الأخضر أن ينتظر توافقًا جيوسياسيًا مثاليًا.
فالمرحلة المقبلة من التعاون العالمي ستعتمد على التقارب أكثر من الإجماع، وسيُقاس النجاح لا بالتناغم، بل بالقدرة على الصمود – أي بعالم قادر على الاستمرار في التقدّم حتى عندما تتفتت السياسة. - يجد العالم نفسه اليوم عالقًا بين التفكك والحاجة الملحّة إلى العمل.
إذ تعيد المنافسات بين القوى الكبرى تشكيل التجارة العالمية وتدفقات التكنولوجيا، فيما تعيد الحروب رسم خرائط الطاقة، وتُهدّد سباقات التسلّح الكثيفة الكربون بنسف المكاسب التي تحقّقت في خفض الانبعاثات في بعض المناطق. وفي الولايات المتحدة، أخذت موجة من الشعبوية المعادية لسياسات المناخ بالتصاعد.
ومع ذلك، يستمر “الساعة الفيزيائية” للكوكب في الدوران. الفيضانات والحرائق والجفاف تُعيد رسم جغرافيا المخاطر بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية على التكيّف.
المفارقة واضحة: في اللحظة التي نحتاج فيها إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى، يبدو النظام الجيوسياسي أقل قدرة على تحقيقه.
لكن هل يمكن للجغرافيا السياسية نفسها – التي طالما اعتُبرت عدوًا للاستدامة – أن تصبح جزءًا من الحل؟
هل يمكن للدول أن تُسخّر التنافس والإقليمية وحتى المصلحة الذاتية لتسريع الانتقال الأخضر بدلاً من إعاقته؟
هذا السؤال كان محور نقاشات جلسة «مختبر النتائج للطبيعة والمناخ» ضمن الاجتماعات السنوية لمجالس المستقبل العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دبي، حيث ناقش قادة من الحكومات والأعمال والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني كيف يمكن للقوى التي تفرّق العالم أن تحتوي في طيّاتها بذور التقارب.
وكانت خلاصة الحوار أن الانتقال الأخضر لا يمكن أن ينتظر الانسجام التام، بل عليه أن يتقدّم عبر حقائق القوة كما هي، لا بالالتفاف حولها.
القوة، التنافس، والفرص
خيّم غياب ملحوظ لبلدين على النقاشات في دبي: الولايات المتحدة والصين.
فالصين هي الدولة التي ساهمت أكثر من غيرها في توسيع نطاق تقنيات خفض الكربون – من الطاقة الشمسية والرياح إلى السيارات الكهربائية والبطاريات – وخفّضت تكلفتها عالميًا. لكنها أيضًا أكبر مصدر للانبعاثات في العالم، وتمتلك السيطرة الأكبر على المواد الأساسية للانتقال الأخضر.
وفي أكتوبر 2025، شددت بكين قيودها على صادرات العناصر الأرضية النادرة والتقنيات المرتبطة بها، وأدخلت قواعد ترخيص خارجية للمنتجات التي تحتوي على أكثر من 0.1% من المكونات الصينية، ما شمل المغناطيسات والأكاسيد والسبائك والمعدات والمعرفة التقنية. فالمعادن التي تمكّن التحول الأخضر يمكن أن تكون أيضًا أدوات للقوة والنفوذ.
أما الولايات المتحدة فقد سلكت اتجاهًا مغايرًا تمامًا، إذ انسحبت مجددًا من اتفاق باريس للمناخ، ووصف مسؤولوها التغير المناخي بأنه “خدعة” والطاقة المتجددة بأنها “طريق نحو الدمار”.
ورغم ذلك، يمكن أن تكون المنافسة محفّزًا للتقدّم. فالتسابق بين القوتين العظميين سرّع بشكل مذهل من تطوير صناعة الطاقة النظيفة، وأطلق الاستثمارات في المعادن الحيوية، وأعاد توطين الصناعات الخضراء، وركّز على تعزيز المرونة والابتكار.
والتحدي الآن هو منع “المنافسة الخضراء” من التحوّل إلى حمائية خضراء – سباق صفري القِيَم قائم على الإعانات والرسوم والاحتكار التكنولوجي.
الجغرافيا السياسية لن تختفي من مشهد المناخ، والسؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن تتحول من مصدر للشلل إلى مصدر للدفع؟ أي إلى إطارٍ تُصاغ فيه المصلحة الذاتية والأمن والاستدامة في اتجاه واحد.
زخم متعدد الأقطاب
بينما يتفكك النظام العالمي القديم، تنشأ بنية جديدة للنفوذ لا تتمحور حول قوة واحدة، بل تتشكل من خلال شبكات وتحالفات وتجارب في التكامل الإقليمي.
فالانقسام الذي يُضعف المؤسسات متعددة الأطراف يفتح في المقابل مجالات جديدة لنشوء مراكز ثقل في مجال الاستدامة.
في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط، تتشكّل تحالفات حول المناخ والطبيعة وأهداف التنمية.
تحالف البريكس (BRICS) بدأ يرسّخ استقلاله في رسم مساراته الخاصة للانتقال الأخضر.
أما منظمات مثل الآسيان (ASEAN) والإيكواس (ECOWAS) والاتحاد الإفريقي فتستكشف برامج للتعاون في تعزيز المرونة المناخية.
وفي الخليج، تُقام مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة واستعادة النظم البيئية تجمع بين الماء والطاقة والطبيعة في إطار واحد.
وفي كل منطقة، هناك سعي لإعادة تعريف السيادة ليس كعزلة، بل كمسؤولية بيئية مشتركة.
وتتسم هذه الدينامية الجديدة بثلاث سمات أساسية:
القدرة على القيادة من الجنوب: فدول كانت تُعتبر سابقًا متلقية للمساعدات أصبحت اليوم مصدّرة للنماذج والمعرفة والموارد.
تعاون جنوبي–جنوبي متبادل: تنمو شراكات مباشرة بين دول الجنوب، تقوم على الثقة والتجارب المشتركة أكثر مما على المساعدات التقليدية.
تجريب إقليمي مبتكر: في عالم هش، تصبح المنصات الإقليمية مختبرات للابتكار القابل للتوسيع، مثل شبكة بيانات مناخية في جنوب شرق آسيا، أو ممر لاستعادة التربة في شرق إفريقيا، أو تحالف للكربون في أمريكا اللاتينية.
الرسالة واضحة: يمكن للاستدامة الشاملة أن تزدهر حتى وسط الانقسام الجيوسياسي، شرط أن تُرعى هذه العقد الجديدة من التعاون بعناية وعدالة.
الاقتصاد والحوافز
لا يمكن لأي تحوّل أن يدوم دون حوافز صحيحة.
فالاقتصاد العالمي ما زال غير منسجم مع حدود الكوكب البيئية، لكن التحولات جارية لجعل الاستدامة هي القاعدة لا الاستثناء المكلف.
عودة السياسة الصناعية: فالحكومات تعود لتوجّه الأسواق نحو الاقتصاد الأخضر، كما في “الخطة الصناعية الخضراء” للاتحاد الأوروبي وخطط الصين الخمسية. حتى الولايات المتحدة تبنّت توجهًا مماثلًا خلال إدارة بايدن من خلال “قانون خفض التضخم” الذي تضمّن التزامات خضراء مهمة.
التنافس اليوم ليس حول الحماية التجارية، بل حول من يقود مستقبل الاستدامة بسرعة وفاعلية.تطور التمويل: لم يعد التمويل يقتصر على إدارة المخاطر، بل أصبح يصمم الفرص. صناديق الثروة السيادية والبنوك الإنمائية والمستثمرون يتعاملون مع المرونة المناخية والتنوع البيولوجي كأصول استثمارية.
وبرز نموذج التمويل الممزوج الذي يجمع بين رأس المال التنموي والتجاري، حيث تتحمل المؤسسات العامة جزءًا من المخاطر لجذب الاستثمارات الخاصة.تحسين القياس والمحاسبة: تتطور معايير الإفصاح مثل مجلس معايير الاستدامة الدولية (ISSB) لتسعير الشركات بناءً على القيمة الطويلة الأمد، مع توجه لتوسيع هذا المنطق ليشمل المياه والنفايات والطبيعة.
البنية التحتية الرقمية: الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وتقنيات البلوكشين باتت أدوات للتحقق من الانبعاثات وتتبع الأثر البيئي في الوقت الحقيقي.
السؤال لم يعد ما إذا كانت اقتصاديات الاستدامة مجدية – فهي كذلك بالفعل – بل هل الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية والثقة العامة قادرة على مجاراتها؟
الثقة والحوكمة
كل انتقال يعتمد في جوهره على الثقة.
فالتكنولوجيا ورأس المال والسياسات يمكن أن تسرّع التغيير، لكن الشرعية وحدها تضمن استمراره.
وحين تفقد المجتمعات الثقة في مؤسساتها، تتوقف عجلة التقدّم ويتعمّق الانقسام.
إعادة بناء الثقة تبدأ بالثبات والشفافية:
قواعد واضحة تُطبَّق بعدل، التزامات تُحترم، ومكاسب تُوزع بعدالة.
يجب أن تنتقل الأطر الدولية من الوعود إلى التنفيذ الموثوق، ومن الخطابات إلى النتائج الملموسة.
كما تتطلب الحوكمة إشراك الجميع: المدن، المجتمعات الأصلية، الشباب، والمشروعات الصغيرة – هؤلاء ليسوا أطرافًا ثانوية، بل المنفذين الحقيقيين للتغيير.
وفي الوقت نفسه، أصبحت حوكمة التكنولوجيا ميدانًا جديدًا للشرعية. فالأنظمة الذكية التي تساعدنا على اكتشاف حلول نظيفة يمكنها أيضًا أن تخلق فجوات جديدة في المساواة أو أن تضلّل الرأي العام. لذا يجب أن تقوم هذه الحوكمة على الشفافية والسلامة والمساءلة.
وأخيرًا، تلعب اللغة والسردية دورًا حاسمًا: فالفُهم العام يحدد ما إذا كانت المجتمعات ستقبل التغيير أو ترفضه. إن نموذج حوكمة يجمع بين الطموح والتعاطف، يشرح للناس ليس فقط ما يجب تغييره، بل أيضًا لماذا ولصالح من، يمكنه أن يجسر الانقسامات التي لا تعبرها المعاهدات.
من الانقسام إلى الصمود
في عالم يزداد انقسامًا، تركز العواصم الكبرى على المنافسة (واشنطن، بكين، موسكو، بروكسل)، بينما تسعى معظم الدول الأخرى إلى الموازنة أو الاستفادة من هذا التنافس أو تجنّب آثاره.
ومع ذلك، فإن التفتت يمكن أن يُغذّي التقدّم. فالمنافسة قد تُحفّز الابتكار وتسريع نشر التقنيات الخضراء وتأمين سلاسل الإمداد. الأنظمة المكرّرة، التي كانت تُعدّ سابقًا غير فعّالة، قد تصبح شبكات أمان تمنع أي نقطة ضعف من تعطيل مسار إزالة الكربون عالميًا.
لكن هذا الانقسام سلاح ذو حدين. فالمنافسة قد تؤدي أيضًا إلى هدر وتكرار بلا فائدة، أو إلى قومية متشددة تُقصي الآخرين. كما أن سباق التسلّح المتزايد يعيد ضخ الكربون إلى الاقتصاد العالمي.
لذا، التحدي ليس في تمجيد التعددية القطبية، بل في تأديبها وتوجيهها:
بتحويل التنافس إلى سباقات تستحق الفوز، مع الحفاظ على الشمولية واستقرار الكوكب كمقاييس رئيسية للنجاح.
المرحلة المقبلة من التعاون العالمي لن تُبنى على الإجماع، بل على التقارب العملي – حيث تتلاقى المصالح رغم اختلاف المواقف.
وإذا ما أُديرت التعددية القطبية بانضباط وخيال، يمكنها أن تحقق ما لم يستطع النظام الأحادي أو الشلل المؤسسي تحقيقه:
صمودًا موزعًا، وتجارب متنوعة، وقاعدة أوسع من الشرعية.
إن النجاح لن يُقاس بالانسجام، بل بالقدرة على الصمود – بعالمٍ قادرٍ على مواصلة التقدّم حتى عندما تنقسم السياسة.
وهذا بالضبط هو معنى المرونة الحقيقية.
استندت هذه الرؤى إلى مساهمات أعضاء 12 مجلسًا من «مجالس المستقبل العالمية» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، بما في ذلك مجالس: مقاومة مضادات الميكروبات، الهواء النظيف، حوكمة المناخ والطبيعة، حدود البيانات، تقنيات الطاقة، الاقتصاد الحرجي، الحوكمة الرشيدة، التمويل الابتكاري للمناخ والطبيعة، رأس المال الطبيعي، الأمن البيئي، الاقتصاد الأزرق التجديدي، والتربة.
