القائمة الرئيسية

الروح الإبداعية للشعر الرومانسي الإنجليزي

الروح الإبداعية للشعر الرومانسي الإنجليزي
ملخص المقال

تتناول تسوي دان في هذا المقال تأثير الرومانسية الإنجليزية في تاريخ الأدب العالمي، مركّزةً على ابتكارها للتقاليد الشعرية وتحررها من قيود الكلاسيكية الجديدة. يبرز شعراء مثل ووردزوورث، كولريدج، شيلي، كيتس، وبايرون في إعادة تعريف الشعر عبر تصوير المشاعر الإنسانية والطبيعة والهوية الوطنية، مع دمج الخيال الشرقي والعناصر الغريبة في أعمالهم. فقد استخدموا المناظر الطبيعية، والموسيقى، والأساطير الشرقية لتجديد روح الشعر وتوسيع أفقه الجمالي والسياسي. تكشف المقالة أن الشعر الرومانسي لم يكن مجرد تعبير عاطفي، بل مشروعًا فكريًا متعدد التخصصات يجمع بين الفن والسياسة والجغرافيا والأخلاق، ويعكس رؤية جديدة للعالم ترى في الطبيعة والإنسان مصدرًا متجددًا للجمال والحرية والوعي الاجتماعي.

 تسوي دان

ترجمة: غدي الغامدي

في التاريخ الأدبي الإنجليزي وحتى في التاريخ الأدبي العالمي، كان تأثير شعراء الرومانسية الإنجليزية مهمًّا جدًّا، سعى جيلان من الشعراء الرومانسيين الإنجليز جاهدين -سواءٌ في موضوع خلق الشعر أو تشكيله- لابتكار التقاليد والتخلص من قيود الكلاسيكية الجديدة الأوروبية وإبراز السحر الفريد للأدب الرومانسي.

سعت الرومانسية الإنجليزية إلى عكس تأثير الكلاسيكية الفرنسية على الكلاسيكيات الإنجليزية، وفيما يتعلق بمحتوى الشعر الإبداعي وجوهره ونواحي تشكيله جميعها، سعت لاختراق التقاليد الإبداعية الأصلية والابتكارية، كان يأمل ويليام ووردزوورث، وهو أب الرومانسية الإنجليزية، في التحرر من أسلوب الفن الأكاديمي والواقعية النبيلة للكلاسيكيات الجديدة، وعوضًا عن ذلك كتب عن مشاعر البشر العاديين جميعًا، ودمج اللغة العامية في الشعر، يركز شعر الرومانسية الإنجليزية على الأجواء الغريبة، ويدمج المشاعر الغريبة في الشعر، ولا يشمل ذلك الدول التي تمثل أوروبا، مثل فرنسا وإيطاليا فحسب، بل يشمل أيضًا الدول الشرقية البعيدة مثل الصين والهند، أتقن كولريدج رسم الحدائق الشرقية، وألَّف جزءًا من قصيدة “قوبلاي خان” لتسليط الضوء على عظمة العمارة الشرقية القديمة وغموض الثقافة، سافر بايرون في أنحاء البلاد الشرقية، وانتشرت المشاعر الغريبة في أسلوبه الكتابي، ليعرض على أوروبا حب ثقافات الدول الشرقية وفضولها،  كان بيرسي بيش شيلي شغوفًا بالهند، وأظهرت قصيدته الطويلة “ألاستور” -أي روح العزلة- إعجابه الشديد بالحكمة الشرقية والمعابد القديمة، يستخدم الشاعر سعي بطل قصيدة “ألاستور” للآلهة الهندية لتسليط الضوء على العادات الغريبة، كان كيتس معجبًا على نحو خاص بالهند والدول العربية، وعرض العادات الهندية في “السرينادة الهندية”، في “عشية القديس أسيني” تم تصوير الفواكه المجففة والتوابل المستوردة من بلاد المشرق القديمة، وفي القصيدة الطويلة “لاميا”، والتي تحاكي “حمى الصين” في أوروبا، تُعرض صورة فريدة لامرأة ثعبان؛ لاميا.

من الجدير بالذكر، أن تشكيل صورة المرأة الثعبان في قصيدة كيتس الطويلة “لاميا”، مزجت بين الهند والجزيرة العربية وأمريكا وبين الأساطير الصينية للثعابين، وسلَّطت الضوء على الثقافات، وكذلك صوَّر كيتس في قصيدته “إنديميون” صورة رموز أسطورية بجمعه لرموز الميثولوجيا الهندية الشرقية مع رموز القمر في الميثولوجيا اليونانية، تُسلّط الأولى الضوء على الحب الروحي، في حين تسلّط الأخرى الضوء على المتعة الجسدية، ومن ثم يجسد الشاعر مجازيًّا التوازي والمواجهة بين الثقافتين الشرقية والغربية. صوَّر كيتس إنديميون في قصيدته “إنديميون” كونه متعلقًا بالسعي وراء الرموز المقدسة، ويتوافق هذا الموضوع مع تصوير شيلي لمطاردة ألاستور لتلك الرموز المقدسة: إن الرموز التي وصفها شيلي لا تُظهر فقط العقلانية المقدسة في الميثولوجيا اليونانية، بل أيضًا الإحساس الدنيوي في الميثولوجيا الهندية. يعكس التوازي في أعمال الكاتبين المزايا التكافلية للثقافات الأجنبية. في الحقيقة، لا يمكن إنكار أنه سواء كان شيلي أو كيتس، فإن الرموز الميثولوجية في أعمالهم لا تزال غير قادرة على الهروب من النموذج من منظور الاستشراق، والذي يكون بمدح الغرب من خلال التقليل من شأن الشرق.

يدمج إنشاء الشعر الرومانسي الإنجليزي المعرفة من تخصصات متعددة، وخصائص الكتابة التي تتقاطع بالعلوم السياسية والاقتصاد والهندسة المعمارية والجغرافيا الأدبية وعلم النفس والقانون والمشهد الصوتي والمناظر الطبيعية ونحو ذلك على نحو لافت، كتب ووردزوورث عن الجغرافيا الفريدة والتضاريس والسكان في ريف إنجلترا وإسكتلندا، وصوّر مواقع تاريخية فريدة ومناظر طبيعية ثقافية، ثم كتب عن بناء النظام السياسي في إنجلترا، كما كتب عن الهوية البريطانية واللغة الإنجليزية من خلال تصوير الخصائص المحلية للقارة الأوروبية وإنجلترا، رأى ووردزوورث الريف الإنجليزي بمنزلة قلب بريطانيا، حيث صور المناظر الطبيعية للريف وطبيعة المزارعين الطيبة، لذا سلّط الضوء على الخصائص المحلية لأماكن إنجلترا وشعبها، مثلًا، في قصيدة “مايكل”، يصور ووردزوورث جيلين من سكان الريف؛ مايكل راعي الغنم من الجيل السابق، والذي يتمتع بمزاج صارم وجسد قوي ومجتهد في عمله إلى جانب تحلّيه باللطف والبساطة، والابن لوك الذي يتوق إلى الهروب من الريف والمغامرة في المدينة، لكنه تضرر من الجو الملوث للمدينة ما تسبب في تدهور أخلاقه، في النهاية، عاد لوك إلى الريف وأكمل مهمة إصلاح حظيرة الأغنام مع والده، وبذلك أظهر دور الطبيعة الريفية في إصلاح أخلاق الإنسان، سلّط ووردزوورث الضوء على الطابع الإنجليزي من خلال الكتابة عن المنطقة الطبيعية للريف، أي إظهار الجوهر الأساسي لبناء الهوية الوطنية.

يجيد ووردزوورث التقاط عادات وتقاليد المناطق المختلفة ودمجها وربطها بالتاريخ، من ثم إظهار الصراع على السلطة الوطنية والممارسات الاستعمارية، في قصيدة “الحاصدة الوحيدة”، صور ووردزوورث صورة المسافر المتعب الذي تأثر بشدة حين سمع غناء الفتاة التي تحصد القمح في المرتفعات الإسكتلندية، والتي ذكَّرته بالواحة في الصحراء العربية، أثار صوت الغناء الرائع والاستثنائي تأمل المسافر في محتوى الغناء، متسائلًا عمَّا تتحدث عنه، وبسبب حاجز اللغة، لا يستطيع المسافرون سوى تخمين محتوى الأغنية: هل هي الأفراح والأحزان القديمة والبعيدة؟ أم حربٌ من زمنٍ بعيد؟ في نهاية المطاف، دمج الشاعر المناظر الطبيعية الجبلية الفريدة في إسكتلندا، وتاريخ بريطانيا الطويل، وحتى العادات الغريبة للصحراء العربية في غنائها، وألهم القراء للتفكير في الصراع على السلطة بين إسكتلندا وإنجلترا، وحتى السلوك الاستعماري للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأقصى.

كان ووردزوورث ماهرًا في تصوير المواقع التاريخية والمناظر الطبيعية الثقافية الفريدة، ففي قصيدته “على جسر ويستمنستر” يصور جغرافية لندن الطبيعية والهندسة المعمارية الإنسانية فيها تحت التوهج الذهبي للشمس المشرقة: “تغمر أشعة الشمس المشرقة الأخاديد والتلال، ويلف ضوء الصباح الساطع السفن والأبراج والمسارح والكنائس والقصور” يشبِّه الراوي لندن بقلب بريطانيا المفعم بالحيوية على نحو مجازي، يركز ووردزوورث على تصوير القلاع التاريخية ويعدُّها مصدر القوة العسكرية البريطانية والروح الوطنية، ثم يناقش المقترحات الأساسية لبناء الهوية الوطنية من منظور الجغرافيا الأدبية.

يتم تسليط الضوء أيضًا على كتابة المقترحات السياسية في كتابات كولريدج، كما ينعكس اهتمامه بالقضايا الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية على نحو بارز في “قصيدة البحار العجوز”، من خلال وصف رحلة بطل الرواية الغريبة والرائعة جنوبًا، إذ يصوّر ندم الشاعر وتأمله في الجرائم الشنيعة التي ارتكبتها الإمبراطورية البريطانية في المستعمرات، بالمثل، اهتم كيتس بالحرية الداخلية للدولة البريطانية وأبرز في كتابه “إنجلترا السعيدة” أن حرية إنجلترا تحدد حرية القارة الأوروبية، ما يعبر عن مكانة إنجلترا الأساسية في أوروبا، في “عشية القديس أسيني” صوَّر على نحو مجازي النزاع بين إنجلترا وإسكتلندا، وفي “إيزابيلا” صوَّر بناء النظام السياسي الداخلي في إنجلترا.

من حيث المشهد الصوتي والمناظر الطبيعية، فإن لكل من الإبداعات الشعرية للشعراء الرومانسيين مزاياها الخاصة والمختلفة، لكنها تؤدي إلى الغرض ذاته، فيما يتعلق بالمشاهد الصوتية، فإن الشعراء الرومانسيين يجيدون التقاط الأصوات الطبيعية والأصوات البيولوجية وما إلى ذلك، ما يوجّه النظر نحو قدسية الطبيعة ووقارها وهدوئها، تكثر الأصوات البشرية، سواء كانت أغنية الفتاة الوحيدة التي تحصد القمح في رواية ووردزوورث، وهي هادئة ذات أهداف سامية ومعنى عميق، أو الصوت الصاخب لأغنية كيتس وحفلة الرقص الممتلئة بالناس والأسرار الخفية، الموسيقى العظيمة لها نغمات خافتة، والشكل العظيم لا يمكن تحديده، والشعراء الرومانسيون بارعون في تصوير الصمت وسط الضجيج، فالصمت أفضل من الصوت، والغناء البشري أفضل كثيرًا من صوت العندليب، والهدوء أشبه بأرض خيالية على الأرض.

من حيث المناظر الطبيعية، يرتبط الشعراء الرومانسيون ارتباطًا وثيقًا بمدارس الرسم، إذ تبرز إبداعاتهم الشعرية على الطبيعة التصويرية، وتسد ما يسميه ليسينج الطبيعة الديناميكية للسرد والطبيعة الثابتة للرسم، ما يدل على خصائص الرسم الفريدة، اتبع كيتس أساليب الرسم لدى ميلتون، وسبنسر، وبايرون وشيلي وغيرهم من أسلافهم وزملائهم الشعراء، فقد صوّر الألوان الغنية والرائعة، والتباين بين الضوء والظلام، واستخدم الكلمات وسيلةً لتسليط الضوء على الرسم، والذي هو في الواقع مثال إبداعي لخصائص المناظر الطبيعية في الشعر الرومانسي، إبداع الشعر الرومانسي الإنجليزي مفعم بالحيوية العميقة والأبدية، ويشكل نموذجًا للإبداع الأدبي من وجهات نظر متعددة الثقافات والتخصصات، ويُظهر إبداعه الشعري سحرًا فنيًّا فريدًا ويلقي الضوء على الوظيفة الاجتماعية العميقة للأدب.

(المؤلف أستاذ في الجامعة الدولية لأبحاث اللغات والثقافات بجامعة جيلين للدراسات الأجنبية)

مقالات ذات صلة