القائمة الرئيسية

كيف يكون “تاريخ البشرية الجديد” ممكنًا؟

كيف يكون “تاريخ البشرية الجديد” ممكنًا؟
ملخص المقال

يستعرض وانغ مينغ مينغ في هذا المقال تطور فكرة عدم المساواة في تاريخ البشرية من منظور فلسفي وأنثروبولوجي، بدءًا من تصورات روسو وهوبز حول “الحالة الطبيعية” وظهور الحضارة، وصولًا إلى النقد الحديث الذي قدّمه ديفيد جرايبر وديفيد وينجرو في كتابهما «فجر كل شيء: التاريخ الجديد للإنسانية». يوضح وانغ أن جرايبر ووينجرو قدما تصورًا مغايرًا للسرد التقليدي للتاريخ البشري، مؤكدين أن المساواة وعدم المساواة، الإيثار والتسلسل الهرمي، البساطة والتعقيد — كلها كانت موجودة منذ البداية، وأن التطور لم يكن خطيًا من “البدائية إلى الحضارة”، بل موسميًّا ومتداخلًا كما في تعاقب الصيف والشتاء. يستخلص الكاتب أن التاريخ الإنساني لا يمكن فهمه ضمن ثنائية “التقدم أو التدهور”، بل كحركة متناوبة وغنية بالتنوع، وأن الحضارة ليست امتيازًا لثقافات معينة بل تعبير إنساني شامل يقوم على التعاون والإحسان والاختلاف الخلّاق بين البشر.

وانغ مينغ مينغ

ترجمة: غدي الغامدي

قال جان جاك روسو في تحفته “حول أصل وأساس عدم المساواة البشرية”، بأن بداية حياة البشر كانت في “حالة طبيعية” بغض النظر عمّا إذا كانت ظاهرة عدم المساواة موجودة أم لا، فإنَّ إدراك الناس لها كان ضئيلًا، ظهر عدم المساواة مع ظهور الحضارة، فالحضارة تعبّر أولًا عن عملية تفكير وتطور قدرة البشر، كما تعبّر عن القانون والملكية الخاصة، فالأول يجعل عدم المساواة ممكنًا، والثاني يجعله مستقرًّا وقانونيًّا. 

في الأنثروبولوجيا، يجب السعي للعودة إلى النقاء والبساطة الثقافية، لذا فإننا حتمًا سنعاني من إغراء صورة “الحالة الطبيعية”، ولهذا السبب تحديدًا، أشاد المعلم كلود ليفي ستروس بروسو كونه “مؤسس علوم الإنسان”.

في رواية روسو لتاريخ البشرية، لم تكن وجهة نظره الضمنية بهذه البساطة، ويجب الاعتراف بأنها نسخة طبق الأصل من قصة جنة عدن، تفترض نظرته أنّ الناس كانوا أبرياء في الأصل، ويستمتعون بحياة سعيدة بكل حرية، شر الإنسان في الأصل ليس ثمرة أو زهرة، بل هو شيء قادم من الخارج، كما يقال في قصة جنة عدن، فهم أكلوا بدون حذر فاكهةً من الشجرة المحرمة، هذه الفاكهة منحت الإنسان تقدمًا فكريًّا، وحررته من حالته الأصلية البريئة، وأدخلت البشر عصر النزاعات لتنظيم الحقوق الملكية والقوانين التي تتطلب “الحكم الغيري”.

تركز رواية روسو على منظور الفلسفة السياسية التي طرحها هوبز عام ١٦٥١م في كتابه “اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة”، في حين يظن الأخير أنّ الطبيعة البشرية عنيفة، فعادات “الإنسان الطبيعيّ” (والتي تعني “الشعب البدائي” و”البرابرة” الذي وصفوه علماء الأنثروبولوجيا في وقتٍ لاحق) هي أفضل تفسير، الآلية الرئيسية للحضارة هي السلطة القضائية، وتتضمن صفات اللامساواة، لكن هذه الآلية موجودة من أجل إيقاف حرب الناس جميعا ضد بعضهم بعضًا، لأن لها أسبابًا منطقية، لكن روسو يظن أنه “ما دام عدم المساواة الأخلاقية الذي تعترف به حقوق الإنسان لم يتناسب مع عدم المساواة الفسيولوجية، فسيعدُّ ذلك انتهاكًا للحقوق الطبيعية”، “الحالة الطبيعة” هي قصة ذات مغزى أخلاقي وسياسي، ومع ذلك، ومنذ أكثر من قرنين، فقد عُدَّت امتدادًا للمعرفة الحقيقية لتاريخ البشرية.

يعدُّ التمييز بين “المجتمع البارد” و”المجتمع الساخن” الذي صنعه ليفي شتراوس، وهو من رأى نفسه خليفة روسو، مثالًا دقيقًا، كما أن سلسلة الإنجازات المتراكمة التي حققها عالم الآثار جوردون تشايلد منذ ثلاثينيات القرن العشرين هي بلا شك الوسيلة التي أدت إلى “ظهوره”.

بحث جوردون تشايلد على نطاق واسع عن أدلة لتاريخ الحضارة المادية، إذ وجد أنه في العصر الحجري الحديث، قام البشر بتدجين بعض الحيوانات والنباتات، ونتيجة لهذا، انتقل أسلافنا “من صيد الحيوانات وصيد الأسماك إلى حياة البدو، ومن حياة البدو إلى الزراعة” (كلمات ليانغ تشي تشاو)، حينها بدأت “الثروة الزراعية”، أو ما تسمى “ثروة العصر الحجري الحديث”، هذه الثروة قادت البشرية إلى التحول من باحثين عن الطعام “الصيادين” والذين لا يستطيعون إنتاج ما يحتاجون إليه للبقاء على قيد الحياة، إلى مزارعين ورعاة قادرين على إنتاج الغذاء، منذ ذلك الحين، وبناءً على ذلك، اندلعت الثورة الحضرية، وانطلق الناس في طريق الحضارة من دون عودة، مقارنة بالأشخاص البدائيين الباحثين عن الطعام والذين لا يملكون أي نوع من عدم المساواة، كان المزارعون والرعاة وسكّان المناطق الحضرية بحاجة إلى التمييز بين الطبقات الاجتماعية، وذلك بسبب زيادة الكثافة السكانية، بسبب تقدّم الحضارة، ابتعد البشر أكثر فأكثر عن “حالتهم الطبيعية”، كما أصبحت الفجوة الطبقيّة بين البشر تزداد عمقًا، ونتيجةً لذلك، يواجه الناس المتحضرون ظلمًا أكبر مقارنةً بالبرابرة من أجل البقاء على قيد الحياة.

ترتبط “النظرية الثورية” التي طرحها تشايلد عن الحضارة المادية الأثرية بالأفكار الموجودة، خلال السنوات الطويلة التي أعقبت القرن السابع عشر، استمر العلماء الغربيون ذوو الخلفية العلمية الإيمان بنظرية التطور التاريخي، كما أنهم “تحاججوا” بشأن هذه النظرية، ترى مجموعة من أتباع روسو أن التاريخ الذي مضى هو مصدر لسوء الحظ، كما تعدُّ أن “الحالة الطبيعية” هي حالة مثالية، في حين ترى المجموعة الأخرى من أتباع هوبز أن عدم المساواة محنة ضرورية للحضارة، معتقدين أنه من دون السيطرة على عدم المساواة، فإن الناس ذوي الطبيعة الشريرة لن يكون لديهم أيّ أخلاق، ثمة مجموعة تعتز بـ”الفوضى البدائية” وتراها قيمة، وتنكر عدم المساواة في تاريخ الحضارة الممتد لآلاف السنين، ومن ثم إنشاء وصيانة صناعة معينة أصبح بمنزلة “الصوابية السياسية” للعادات والمعتقدات العالمية، أما المجموعة الأخرى فهي إما تعترف بالمصائب الضرورية للحضارة أو تتجاهلها وتنغمس في التوسع المتكرر لعملية الحضارة.

قبل أن يكتب تشايلد، طرح علماء الأنثروبولوجيا أيضًا وجهات نظر مختلفة عن مسألة ما إذا كان ثمة عدم مساواة في “المجتمع البدائي”، كان المؤسسون الإنجليز للتجارة يميلون إلى تصوير الناس البدائيين على أنهم كائنات قادرة على التمييز بين الأعلى والأدنى في الفكر، في حين صوّر معظم نظرائهم الإسكتلنديين المجموعة نفسها من الناس على أنهم “أناس خيِّرون” يتمتعون بفرح جماعي وفقًا لإيقاع طبيعي معين.

حين كان تشايلد يحضر أطروحة لعلم الآثار في كل ما يتعلق بـ”فجر الحضارة”، كان علماء الأنثروبولوجيا إلى جانبي القناة الإنجليزية أيضًا يقومون بإجراء أبحاث عما يتعلق بنشأة عدم المساواة، كان علماء الضفة الغربية يبحثون عن المساواة النسبية في المجتمع البدائي بين سكان جزر الميلانيزيا الطبيعيين وسكان القبائل الأفريقية الفوضوية، في حين كانت المدرسة الفرنسية على الضفة الشرقية -والتي أطلقت على نفسها علماء الاجتماع وعلماء الأعراق- ملتزمة بإعطاء هذا النوع من المجتمع تعقيدات طبقيّة معيّنة يشابه مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا، بعد مدة قصيرة، في إحدى جانبي القناة، ظهرت فجأة قبائل النوير الفوضوية والمنظمة، وبعد أكثر من عشر سنوات، على الجانب الآخر، نشأ “الشعب الهرمي”، ربما لأن صاحب الفكرة كان مثل معلمه، فهو من نسل روسو روحيًّا، لكنه يشبه هوبز سياسيًّا، بالإضافة إلى ذلك، ونتيجة للتبادلات بين الاثنين، ظهرت في السابق على الساحل الغربي “نظرية البندول” المعتدلة والمتقلبة إلى حد ما.

ربما كان تنوع تفسيرات علم الأنثروبولوجيا سببًا في تقليل سرعة انتشار تفسيرات علم الآثار المباشر الذّي قدمه تشايلد، مع ذلك، وفي الوقت نفسه انطلاقًا من الاهتمام بحالة “أقدم البشر”، أجرى علم الأنثروبولوجيا أبحاثًا ميدانية أكثر تركيزًا على الصيادين وجامعي الثمار مثل الأقزام وشعب بوشمن “مجموعة عرقية بدائية إفريقية”، بسبب الارتباط الوثيق بصورة “الحالة الطبيعية”، حققت هذه الدراسات نجاحًا كبيرًا من خلال الاستفادة من مفاهيم معروفة، في وقتٍ لاحق، قادنا هذا إلى الاعتقاد بأن الشعوب المهمشة في العالم المعاصر (الصيادين وجامعي الثمار) هي الشعوب الأساسية في العصر الحجري القديم، وسبب ذلك أن البشر عاشوا باحثين عن الطعام طيلة ٩٥٪؜ من التاريخ، لذلك كانت أهمية دراستها أكبر كثيرًا مقارنة بالتفسيرات الأنثروبولوجية التي تأتي من المجتمعات المنتجة للغذاء.

تتكون الأبحاث المتخصصة من التفاصيل الصغيرة، حتى إذا كانت هذه الأبحاث تقود إلى تعبيرات متدفقة، لن يكون ثمة أي تأثير كبير غير ضروري، وما كان من السهل أن يجذب الانتباه ويكون ذا شعبية كبيرة هو الظهور المتكرر لتاريخ البشرية العظيم، من دوّن هذا التاريخ، كان في الأصل ذا روح متعلمة، فضولية وناقدة، لكن خلال مدة قصيرة تطرّق إلى موضوع “طفولة البشرية”، وتحوّل فجأة إلى أمرٍ غير مدروس، في سرد القصص الشعبية، يصوَّر الباحثون عن الطعام على أنهم متساوون، من دون أي تمييز.

هل القصص بوصفه سردًا للمسارات العالمية في تاريخ البشرية حقيقي؟ كان المتخصصون كسالى في تلخيص التاريخ العالمي للإجابة عن هذا السؤال، في حين كان الذين يحبون التلخيص يسمون “أساتذة”، يستمرون في خلق أنماط مختلفة من أسطورة روسو-هوبز، لقد تأرجح تاريخ البشرية منذ زمن طويل بين نظريتي التدهور والتقدم، وهذا ما يجعل علم التاريخ المثير للاهتمام يبدو مملًّا جدًّا، والأمر الأكثر إحباطًا هو أن هذه الملخصات المملة غالبًا ما تنتج تأثيرًا سياسيًّا أيديولوجيًّا فظيعًا بسبب قدرتها على مواكبة العصر.

يعاني كثير من المثقفين أزمة وصف العلوم الإنسانية، لكن عالم الأنثروبولوجيا (ديفيد جرايبر) وعالم الآثار (ديفيد وينجرو)، اللذين يقيمان في العاصمة الرأسمالية لندن، كانا من قلائل الأشخاص وأفضلهم من الذين امتلكوا العزيمة والقدرة للوصول إلى أصل الأمور، عمل هذان الاثنان معًا على نحو وثيق لأكثر من عشر سنوات بناءً على ميولهما النظرية واهتماماتهما الاجتماعية، فجمعا بعناية الأدلة التي تراكمت في العقود الأخيرة من خلال تخصصات مثل علم الآثار والأنثروبولوجيا، في محاولة استخدامها لإثبات سخف نظرية التدهور ونظرية التقدم في تاريخ البشرية، وذلك من أجل تقديم تفسير مختلف جذريًّا للتغيرات في المجتمع البشري على مدى الثلاثين ألف سنة الماضية، في النهاية، وقبل وفاة جرايبر المؤسفة والمبكرة في سن التاسعة والخمسين (2020م)، فقد أكملا تحفة فنية بعنوان فجر كل شيء: التاريخ الجديد للإنسانية.

كلمة “Dawn” في العنوان سهلة الفهم، فهي تعني الفجر، والضوء الأول للصباح، والبذور، والبداية، غالبًا ما يستخدمها علماء الآثار لوصف أصل الحضارة (غير المتساوي)، كلمة “Everything” تعني كل شي في العالم، في الواقع ما يخيف هو أن هذه الكلمة تشير إلى “الطبيعة الكاملة لأسلافنا”، بما في ذلك “طبيعتهم المعقدة” التي هي البراءة والشر، والمساواة وعدمها، والبرودة والسخونة، إن معنى العنوان الفرعي واضح نسبيًّا، إذ يشير إلى سرد التاريخ الجديد والمختلف تمامًا عن سرد التاريخ القديم الموجود للتاريخ البشري، من وجهة نظرهم، إذا كان علينا أن نتتبع الطبيعة البشرية تاريخيًّا، فعلينا أولًا أن ندرك أنه ليس ثمة طبيعة إنسانية أحادية الجانب، وأن احتساب جانب واحد من الطبيعة البشرية بمنزلة الطبيعة البشرية الكاملة التي تطورت أولًا (مثل: طبيعة الإنسان الطبيعي أو المتوحش) والجانب الآخر من الطبيعة البشرية بوصفه الطبيعة البشرية الكاملة التي تطورت لاحقًا (مثل: طبيعة الإنسان المتحضر) هو خطأ كبير، كما أن النموذج الخطي لفهم الماضي والذي يبدأ من البساطة إلى التعقيد، ومن الطفولة إلى البلوغ، أيضًا خطأ كبير.

متأثرًا بنظرية “الإنسان ذي الوجهين” لأبنر كوهين، حين كنت أفكر في المعنى العميق لـ “فجر كل شيء”، خمنت حتى أن “أصل الإنسان ذي الوجهين” قد يكون ترجمة مناسبة، ولكن الكلمة الأصلية التي استخدمها المؤلفان كانت “كل شيء”، ولم يرغبا في أن يقتصرا على “جانبين” فاختارا “كل شيء”، إن جرايبر ووينجرو كانا أكثر طموحًا من أسلافهما، فهما ملتزمان برسم صورة غير مسبوقة للتاريخ البشري بمساعدة الأدلة التي تم الحصول عليها من البحث العلمي، وهما عازمان على إظهار أنها أكثر واقعية من تلك التي كان يظنها الناس، فهذه الصورة لديها احتمالات كثيرة مقارنة بالتاريخ الممل الذي نعدُّه أمرًا حقيقيًّا.

بسبب الخرافات بشأن التاريخ القديم، لا يزال معظم الناس اليوم يظنون أنه حتى عام 15000 قبل الميلاد، كان العالم لا يزال راكدًا في حالة غياب حق التوريث، يستشهد جرايبر ووينجرو باكتشاف أثري في روسيا يظهر أنه منذ العصر الجليدي (أواخر العصر الحجري القديم)، كانت مقتنيات المتوفى تحتوي على كنوز توضح مكانتهم وهويتهم، وفي كثير من المقابر التي تعود إلى العصر الحجري القديم المتأخر في أوروبا الغربية، تم العثور على حلي مصنوعة من الصوان، وقرون الغزلان والأصداف، ما يدل على “عظمة” المتوفى.

لا شك أن حقيقة انتقال الأحجار الكريمة والأصداف وغيرها من الزخارف لمسافات طويلة خلال العصر الجليدي كانت محل تفسير من جانب العلماء المتأثرين بأفكار آدم سميث، بوصفها مظهرًا من مظاهر التجارة بين البشر، وكما يشير المؤلفان، فمن غير المجدي الشعور بالقلق بشأن ما إذا كان اقتصاد السوق موجودًا بالنسبة إلى “الأشخاص الطبيعيين”، يجب أن ندرك أنه في مجتمع ليس فيه سوق، فإن السلع ذات القيمة المتميزة تقطع مسافات طويلة أيضًا، ويشكل تدفقها نوعًا من “دائرة التفاعل لمسافات طويلة”، في هذا النوع من “دائرة العمل”، فإن “عدم المساواة” التي نفهمها تلعب دورًا كذلك، مع ذلك، فإن هذا النوع من الأدوار لا علاقة له بحقوق الملكية والعدالة، وهو يتسم بطابع اجتماعي، ينطوي هذا الطابع الاجتماعي على جانب مهم من الإيثار، ولكنه في الوقت نفسه يحتوي أيضًا على الفرق بين القرابة والعلاقات التي تتجاوز القرابة، وتؤكد الحفريات الأثرية للمقابر التي تعود إلى أواخر العصر الحجري القديم أن “كبار الشخصيات” بدأوا لعب دور اجتماعي قبل وقت طويل مما كنا نظن.

بالإضافة إلى ذلك، ثمة أدلة أثرية على أن كثيرًا من المباني العامة الأثرية قد بنيت في أواخر العصر الحجري القديم، مثلا، تم اكتشاف موقع غوبكلي تبه عام 1995م في الأناضول، تركيا، والذي يعود إلى نهاية العصر الجليدي قبل 12 ألف عام، تحتوي هذه المصفوفات الحجرية على ألواح حجرية على شكل حرف T، يبلغ ارتفاعها أمتارًا عدة، وتحتوي على نقوش لبشر وحيوانات وأنماط أخرى، من الواضح أنها نصب تذكاري عام، تتجاوز في مستواها الأفراد والمجموعات.

يظن الأشخاص الذين يشغلهم التاريخ القديم أن وجود مقابر مذهلة ومبانٍ أثرية خلال العصر الجليدي دلالة على أن المجتمع الهرمي الناشئ عن الثورة الزراعية قد ظهر في ذلك الوقت، يشير جرايبر ووينجرو إلى أن أصحاب هذه المقابر والمباني لم يكونوا مزارعين أو رعاة، فقد كانت هذه المقابر والمباني موزعة على مسافات متباعدة، ويبدو أنها كانت مرتبطة بالتجمعات المنتظمة لمجموعات الصيادين وجامعي الثمار، يوضح هذا أن أسلاف العصر الجليدي البشري كانوا يبحثون عن الطعام في مجموعات صغيرة، ولكن في الموسم الذي كان فيه الطعام البري وفيرًا، كانوا يجتمعون في أماكن تشبه المدن التي شيدت لاحقًا، ويغتنمون الفرصة لتبادل المعادن والأصداف البحرية وفراء الحيوانات وما إلى ذلك مع الزوار من الأماكن البعيدة.

لا يسع هذا المشهد إلا أن يُذكِّر الناس بدراسة التشكل الاجتماعي الموسمي للإسكيمو التي أجراها المعلم الفرنسي “مارسيل موس” في أوائل القرن العشرين بالتعاون مع تلاميذه، وفقًا لبحث موس، فإن شعب الإنويت بين الإسكيمو يعيشون في دورة سنوية تتكون من الشتاء والصيف، الشتاء مغطى بالثلوج والجليد، والصيف دافئ وتزهر فيه الأزهار، وتختلف نوعية الطعام المتاح وكميته في الموسمين، كما يتغير الهيكل الاجتماعي للإسكيمو مع تغيّر الفصول، ففي الصيف، يعيشون في مجموعات صغيرة تتبع نظامًا أبويًّا وتمارس نظامًا هرميًّا، وفي الشتاء، يعيشون معًا في منازل كبيرة مبنية حديثًا، وتشكل مجموعات كبيرة وتمارس نظامًا جماعيًّا إيثاريًّا.

استشهد جرايبر ووينجرو بموس، واستشهدا أيضًا بكثير من الأدلة الإثنوغرافية لتأكيد حكم هذا السلف: إن ما يسمى بالمجتمع البشري “الأقدم” لم يكن ذا شكل واحد، إذا كان لديه هيكل، فيجب أن يكون اثنين، وليس واحدًا، يتأرجح الهيكل الاجتماعي بين التسلسل الهرمي والإيثار مع تغير الفصول، وإذا كان البحث عن الطعام أو عدم إنتاجه هو أسلوب الحياة الأول للإنسان، فإن التسلسل الهرمي كان موجودًا أيضًا في ظل أسلوب الحياة هذا (على الرغم من أن هذا كان محض جانب واحد من الحياة الاجتماعية المبكرة)، بعبارة أخرى، فإن عدم المساواة لا علاقة له بالثورة الزراعية، فقد كان موجودًا منذ مدة طويلة بوصفه عنصرًا في المجموعة البدائية.

هل تعقيد المساواة وعدم المساواة جزء من الطبيعة البشرية؟ بالابتعاد عن الطبيعة، يؤكد جرايبر ووينجرو أن هذا التعقيد موجود منذ العصور القديمة، إذا كان من الممكن استخدام جانبي التعقيد لتلخيص “كل شيء” نما وتدهور في تاريخ البشرية (وهو ما تشير إليه كلمة “كل شيء”)، فهذا يعني أنهما كانا موجودين في الوقت نفسه في بداية التاريخ المعروفة، وحتى بعد اندلاع “الثورة الحضرية”، فإن هذا “الطابع” الذي كان أشبه باندماج شيئين استمر في النمو والانحدار، وشكّل خصائص ديناميكية للتاريخ.

لقد كان من المعتقد منذ مدة طويلة أن “الثورة الحضرية” كانت النتيجة الطبيعية لـ “الثورة الزراعية”، والتي أدت إلى تركيز السكان والتعقيد الاجتماعي وكانت مرحلة رئيسية في عدم المساواة وتقنينها، ومع ذلك، يشير جرايبر ووينجرو إلى أن ثمة كثيرًا من الأدلة الأثرية التي تُظهِر أن المدن في الحضارات القديمة في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي كانت إما مبنية للتجمعات الموسمية (الطقوس)، وكانت تحتوي على كثير من الطقوس والاحتفالات (التضحيات)، أو بُنيت هذه المباني للحفاظ على الطبقات غير المتساوية وعرضها، ولكن سرعان ما تم استبدالها بأنماط مكانية متساوية.

ثمة أيضًا عدد كبير من السجلات الإثنوغرافية التي تظهر أنه من بين ما يسمى “الشعب البدائي المعاصر”، ثمة كثير من الحكماء المفعمين بالوعي السياسي؛ لديهم ذكاء كافٍ للتفكير في المشكلات التي يُظن خطأً أن روسو وغيره أدركوها و”حلوها”، لقد طوروا في وقت سابق فلسفة وصفها عالم الأنثروبولوجيا السياسية الأميركي البارز جيمس سكوت، قبل القرن الحادي والعشرين، بأنها “فن عدم الخضوع إلى الحكم”.

استشهد جرايبر ووينجرو بكثير من الأدلة لتأكيد أنه في منتصف القرن السابع عشر، بدأ المفكرون القانونيون والسياسيون الأوروبيون التفكير في معنى كلمة “المساواة” وربطها بمجتمع من دون “كل شيء” (مثل الوكالات الحكومية، أو الكتابة، أو الدين، أو الملكية الخاصة أو غيرها من وسائل التمييز بين الطبقات)، ليس لأنهم كانوا مخترعي الكلمة، كان تركيز نقاشاتهم الأصلية على أيهما أكثر أهمية، “الحرية” أم “المساعدة المتبادلة”، وكان السبب وراء توصلهم إلى “المساواة” هو أن بعضهم كان على اتصال مباشر أو غير مباشر بالفلسفة والنظام الذي أنشأه الأمريكيون الأصليون، لضمان عدم استسلام إرادتهم الحرة للآخرين، كما تأثر عدد كبير من المفكرين -بما في ذلك روسو- الذين طرحوا وجهات نظرهم الخاصة، بالفلاسفة الأمريكيين الأصليين.

في “المجتمع البدائي”، وبما أن ثمة فلاسفة يفكرون بعمق في السياسة، فإنه من الممكن أن تكون هذه المجتمعات قد طورت آليات مناسبة لذلك، ربما كان التناوب الموسمي بين النظام الأبوي والإيثار الجماعي بين سكّان الإسكيمو، الذي ذكره موس في أعماله، هو النموذج الأول لهذه الآليات، مع وجود مثل هذه الآليات، حتى في العصر الذي عرّفه التاريخ القديم بـ “العبودية”، فإنه من الممكن أن يتدخلوا في عملية الحضارة، مثل إلغاء العبودية والحروب، هذا لم يحدث فقط في المجتمعات القبلية، بل أيضًا ظهر بإيقاع منتظم بعد الثورات الحضرية، لم يؤد ذلك إلى سلام دائم، ولكنه كان كافيًا ليُظهر أن تصورنا السابق عن التاريخ يشبه إلى حد كبير الأساطير عن البشر البدائيين (وهو المحتوى الرئيسي لـ “الفلسفة البدائية”).

 لقد تعرفت إلى كاتبين اثنين، ومثلهما كنت شديد الانجذاب إلى أفكار “موس”، وأشرت في بعض المقالات إلى أن نظرية موس عن الحضارة مبنية على دراسة واسعة النطاق للإثنوغرافيا والتاريخ القديم، وعلى مستوى التجريد، فقد كسرت هذه النظرية الحدود بين التنوير ومناهضته، وحققت الارتباط بين البدائية والحضارة من خلال “إحسان” المجتمع، كنت مهتمًّا على نحو خاص بمقولة موس حول الحضارة بوصفها “مجتمعًا فوق اجتماعي”، وسعدتُ برؤيتها تتجسد على نحو عملي في هذا العمل الرائع عن التاريخ الجديد للبشرية، الذي يعتمد على علم الآثار والإثنولوجيا، في هذا السياق، تظهر الحضارة في سرد التاريخ الجديد للبشرية مرارًا وتكرارًا في خطاب المساعدة المتبادلة و”دائرة العمل” والطقوس في “المجتمع القديم” التي استمرت لآلاف السنين، ولعبت دورًا في استيعاب الآخرين، إن الحضارة بهذا المعنى تأتي من الكائن البشري بأكمله، وهي إنسانية و”طبيعية”، وليست التراث الفريد لـ “الحضارات القديمة” كما يشير إليها عادة علم الآثار والتاريخ.

إن التاريخ الجديد للإنسانية الذي كتبه المؤلفان، بالإضافة إلى تذكيري بكشف معلم جرايبر “مارشال سالينز” عن “وهم الطبيعة البشرية الغربية”، يذكرني أيضًا بمفاهيم مثل “الإنسان ذي الوجهين” الذي ابتكره كوهين ونموذج “البندول” الذي ابتكره معلم “الأنثروبولوجيا العملية” إدموند ليتش، حتى إنني أظن ظنًّا راسخًا أن نظريتي “الإنسان ذا الوجهين” و”البندول” قد أعدَّتانا لإلغاء التمييز الذي وضعه ليفي شتراوس بين المجتمع البارد (أو المجتمع الأسطوري الذي يقاوم التغيير التاريخي بعناد)، والمجتمع الساخن (أو المجتمع التاريخي الذي يسعى باستمرار إلى التغيير)، فضلًا عن التمييز الذي وضعه روسو بين “الطبيعي” و”غير الطبيعي” الذي يختبئ وراء هذا التمييز، يبدو أن هذه هي المهمة التي يريد جرايبر ووينجرو تحقيقها تحديدًا، ولكن جرايبر ووينجرو لديهما طموحات نبيلة، فهما يريدان “إعادة كتابة التاريخ البشري” (كما قالا، فإنهما يريدان “تغيير تاريخ البشرية”، إذ يشير “التغيير” إلى إعادة الكتابة والتغيير في الوقت نفسه)، السبب الذي يجعلهما يريدان الاستشهاد بنظرية موس في الحضارة هو أنهما يريدان استخدامها لإنهاء الخلاف بين نظرية التدهور ونظرية التقدم، وكذلك الخلاف بين اليسار واليمين الذي أعقب ذلك، وأشارا بكلمات قوية إلى أنه مهما كان المعسكر الأيديولوجي الذي ينتميان إليه، فإن العلماء الذين ما زالوا يبحثون عن أصول الحضارات التي تتميز بعدم المساواة أو الاختلاف الطبقي سوف يخلقون تاريخًا زائفًا، وبهذا التحذير طبقوا تاريخًا جديدًا نشأ فيه التعقيد الاجتماعي في الوقت نفسه الذي نشأ فيه الناس، إن دور “دوائر العمل” الطقوسية في توليد التعقيد الاجتماعي وإعادة إنتاجه هو دور أساسي، فهي غنية بالمحتوى مثل “الهيمنة” و”تبادل السلع والخدمات”، وتاريخها أقدم كثيرًا من التقاليد العظيمة للمدن والدول والكتابات والطبقات والفلسفات التي تعد عناصر الحضارة، ويمكن العثور على النماذج الأولية في الأخيرة واحدة تلو الأخرى، على القدر نفسه من الأهمية، وصف كثير من مفكري عصر التنوير “دوائر العمل” هذه بأنها غير غربية وتقليدية، ولكن جوهرها العالمي يشمل البشرية، ثمة حضارات وعادات لا تعد ولا تحصى عبر العصور القديمة والحديثة، ولكن تحت هذه الاختلافات تكمن وحدة، هذه الوحدة هي الحضارة، والحضارات التي لا تعد ولا تحصى، هي معنى كلمة الإنسانية (الإنسانية، البشرية، العلوم الإنسانية، إلى آخره).

من المؤكد أن علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا الذين يركزون على الأبحاث في مناطق مختلفة سيجدون كثيرًا من الأخطاء في الاستشهاد وتفسير البيانات في الكتاب، أما العلماء الذين اعتادوا استخدام التاريخ القديم لتقييد الحقائق للقيام بدور تنويري فسوف يجدون بالتأكيد كثيرًا من الآراء المشكوك فيها في الكتاب، مع ذلك، من الصعب إنكار القيمة المعرفية والأيدولوجية أو الفكرية لسرد المؤلفين للتاريخ البشري الجديد، يعلمنا هذا العمل أيضًا درسًا مهمًّا: حين صنع تاريخ الحضارة، لا يمكننا فقط جمع “الأدلة” الممكنة كلها لإثبات مميزات التاريخ القديم لأمتنا، نحتاج أيضًا إلى التطلع إلى العالم، ليس فقط إجراء مقارنات، ولكن أيضًا الوصول إلى نوع من التعاطف مع “المختلفين عنّا” (مثل تلك الأمم التي لا تمتلك لغة مكتوبة)، إذا كان الافتقار إلى التعاطف هو مصدر المشكلات في وجهات النظر التاريخية المتدهورة والمتقدمة، فهو أيضًا مصدر المشكلات في المجال الأكاديمي للنزعة الأنانية الحضارية المتأثرة بهذا المنظور التاريخي.

عمل جرايبر في تقليد الأنثروبولوجيا الاجتماعية الذي كان يدور بأكمله تقريبًا حول الإثنوغرافيا (قسم الأنثروبولوجيا في كلية لندن للاقتصاد)، في حين عمل وينجرو في قسم الأنثروبولوجيا المجاور الذي كان يدمج بين الإثنوغرافيا والجغرافيا البشرية والإثنولوجيا والأنثروبولوجيا البيولوجية (معهد الآثار في جامعة كلية لندن، حيث كان تشايلد مديرًا في السابق)، إن الأول كان عازمًا منذ زمن طويل على توسيع العمق التاريخي لعلم الأنثروبولوجيا وجعل أفكاره تصل إلى “عصور ما قبل التاريخ”، في حين أن الآخر استطاع أن يدرك منذ البداية أهمية القضايا المعاصرة بالنسبة إلى علماء الآثار والموقف الذي يجب أن يتبنّاه المثقفون، وكان تخصصه دراسة التاريخ القديم، بعد مرور مئة عام على ظهور علم الأنثروبولوجيا الاجتماعي، يستحق هذا الثنائي الأكاديمي الإشادة على نحو خاص لالتزامهما إحياءَ شمولية الأنثروبولوجيا من خلال دراسة الظواهر الدائمة في التاريخ، بما في ذلك الظواهر المادية والثقافية والآليات الاجتماعية مثل “مجالات العمل”.

كان بإمكان جرايبر ووينجرو أيضًا تقديم مساهمات نظرية أكثر أهمية في تجديد الزمنية التاريخية، لكن تركيزهما ينصب على تلخيص الأدلة، ومن الصعب عليهما التعمق في استلهام علم أشكال المجتمعات الموسمية في هذا الصدد، المشكلة الرئيسية مع التاريخ القديم تأتي من التناقض بين “الزمن الدوري” و”الزمن التاريخي” التراكمي، لقد قادتنا الثنائية إلى الظن خطأً بأن الزمن الخطي ينتمي إلى “النظام الطبيعي” وأن الزمن الدوري ينتمي إلى “النظام الثقافي”، ولكي نتمكّن من دراسة الماضي علميًّا، يتعين علينا أن نعُدَّ الزمن الخطي “موضوعيًّا”، لأننا نؤمن بالخرافات كثيرًا فيما يتعلق بـ “الموضوعية”، فإننا لم نظن قط أن التاريخ يمكن أن يتكشف مثل الفصول، في رأيي، أظهر جرايبر ووينجرو أن الفهم الموسمي للتاريخ أمر ممكن، ولكنهما -يا للأسف- فشلا في الإشارة إلى أن الطبيعة البشرية معقدة، لذا فإن التاريخ لا يمكن أن يكون خطًّا واحدًا، بل ربما يكون أشبه بتناوب الحر والبرد بين الشتاء والصيف، ولأن جانبي التناوب منفصلان و”متداخلان”، فإن الأساطير البدائية الباردة تتمتع بدفء التاريخ الحار المتحضر، كما يتمتع التاريخ الحار المتحضر ببرودة الأساطير البدائية الباردة، والانتقال بين الاثنين يشبه الربيع بعد الشتاء والخريف بعد الصيف.

مقالات ذات صلة