تشو قوانغ تشيان
ترجمة: غدي الغامدي
اقترح لي هذا الموضوع قارئ شاب، يبدو أن اقتراحه يظهر أن الشباب أنفسهم يشعرون بأنهم يعانون من مشكلات نفسية، ما هذه المشكلة بالضبط وكيف نشأت؟ من الأفضل للشباب أن يقوموا بتأمل أنفسهم بعقل منفتح، أنا رجل في منتصف العمر، وهذا يعني أنني منفصل عن طبقة الشباب، كما أن العصر الحالي يختلف كثيرًا عن العصر الذي كنت فيه شابًّا، لذا لا أستطيع الاعتماد كليًّا على ذكرياتي الشخصية عن تجربتي، فالتكهن بالحقائق الحالية مثل البحث عن سيف على متن قارب، والذي يعني أن اتخاذ إجراء يصبح بلا معنى بسبب الظروف المتقلبة، إن أغلب ما أتحدث عنه الآن يستند إلى ملاحظاتي حين كنت أقوم بالتدريس، وملاحظاتي ليست موثوقة دائمًا، فهي تقتصر على طلاب الجامعات، آمل أن يتمكن القراء الشباب من مقارنة تحليل هذا المراقب ومحاسبة أنفسهم، وإخباري بنتائج المقارنة، فهو جيد بالنسبة إليهم، وأفضل بالنسبة إليَّ.
يعتمد تشكيل شخصية الإنسان إلى حد كبير على جهوده الذاتية، ولكن لا يمكن تجاهل تأثير البيئة، “حتى لو لم يكن هناك الملك وين، فإن الأبطال سوف يظهرون”، لكن معظم الناس ليسوا أبطالًا، لذلك عليهم الاعتماد على شيءٍ ما، من الواضح أن ما يستطيع الشاب العادي الاعتماد عليه في الوقت الحاضر ضعيف جدًّا، فهم لا يسيرون على درب الورود.
دعونا نتحدث عن العائلة أولًا، انفصل معظم الشباب عن عائلاتهم وقت دخولهم المدرسة، وخاصة القادمين من المناطق المحتلة، فهم لا يحصلون على الراحة العاطفية من عائلاتهم، خلال حرب المقاومة ضد اليابان، شعر معظم الناس بالضائقة الاقتصادية، إذ أصبح الطعام والملابس مشكلة، بالإضافة إلى تعليم أبنائهم، إذ لم يمكنهم الحصول على مساعدة مالية من عائلاتهم، كما أنهم وربّ الأسرة بعيدون عن بعضهم بعضًا، كون الأب منشغلًا بكسب لقمة العيش، فهو يعمل بجدّ طوال اليوم، ووقت إرسال أطفاله إلى المدرسة يعهد إليها بكل شيء، ولا يهتم بأي شيء بنفسه، كما أنهم لا يتلقون أي إشراف من عائلاتهم فيما يتعلق بأدائهم الأكاديمي وسلوكهم، هذه محض جوانب سلبية، فمعظم الناس يتأثرون بعائلاتهم، لكن التأثير الذي يتلقونه يكون سلبيًّا في أغلب الأحيان، يعد الأب والأخ / رب الأسرة تعليم الأطفال استثمارًا، ما يسمح لهم بكسب لقمة العيش من خلال مزج المؤهلات، أحيانًا، يتبع الأطفال هذه النية ويعدُّون المدرسة فقط نقطة انطلاق، وهذه النقطة الأولى، أحيانًا، يكون الآباء والإخوة مسؤولين فاسدين أو طغاة محليين لديهم كثير من العادات السيئة وينقلونها إلى أبنائهم، هذه النقطة الثانية، كانت الأسر الصينية مشحونة بالنزاعات دومًا، وهذه النزاعات غالبًا ما تكون مصدر ألم خفي للشباب وقد تكون عرضة إلى الاضطرابات النفسية، وهذه هي النقطة الثالثة.
بالحديث عن الحالة الاجتماعية، كان المجتمع الصيني يمر بمرحلة انتقالية من القديم إلى الجديد، ولم يتم القضاء بعد على كثير من العادات السيئة من الماضي الإقطاعي، كان لا يزال الفساد والاحتيال والإساءة منتشرة في كل مكان، الشباب بسيطون ولا يستطيعون فهم المجتمع المعقد، ومن خلال علم النفس البسيط، يبنون مثالًا اجتماعيًّا يصعب تحقيقه، ولكن الحقيقة غالبًا ما تتعارض مع هذا المثل، يشعرون بأنهم يصطدمون بالحائط في كل مكان، ولذلك يشعرون بخيبة الأمل والشك والتشاؤم، ثانيًا، الشباب حساسون ولديهم آراء قليلة، يحبون الحديث عن الصواب والخطأ، لكنهم لا يميزون بينهما، وغالبًا ما يتغيرون مع اتجاه العصر، تمامًا مثل الحرير الأبيض الذي يتحول إلى اللون الأزرق حين يصبغ باللون الأزرق، والأصفر حين يصبغ باللون الأصفر، وبما أن المجتمع فاسد، فإنهم يصبحون فاسدين معه من دون وعي، باختصار، البيئة الحالية تشكل حافزًا شرسًا للشباب النقي، وإغراءً شرسًا للشباب ضعيف الإرادة، حين تكون البلاد في وضع خطير، يكون لدى الشباب أمل كبير، ولكن لديهم أيضًا خوف عميق في قلوبهم، فهم يفتقرون إلى الثقة بالنفس والهدوء، ويمكن أن يرتفعوا بسهولة إلى السماء أو يسقطوا في الهاوية إذا كانوا مدفوعين بالعاطفة، الشخص الذي يمر بهذا النوع من الهجمات الدافئة والباردة الشبيهة بالملاريا، من السهل بطبيعة الحال أن يصبح ضعيفًا، جسديًّا وعقليًّا.
بالحديث عن المدرسة مرة أخرى، يجب أن يهدف التعليم إلى تنمية الإنسان ككل، ويجب التركيز على التعليم الأخلاقي، والتعليم الفكري، والتعليم الجمالي، والتعليم الاجتماعي والتربية البدنية، من حيث الوضع الفعلي الحالي، يُعدّ التعليم الأخلاقي في المدارس العادية محض إجراء شكلي، يُكرّس المعلمون والطلاب جهودهم للتعليم ونقل المعرفة، من دون الاهتمام لمبادئ الإنسانية، يشعر الشباب المتميزون بالارتباك بسبب افتقارهم إلى هذا الجانب، في حين ينغمس الشباب المشاغبون في تساهلهم وتهاونهم مع عدم كبح جماحهم، حتى لو اتخذنا خطوة إلى الوراء وتحدثنا عن التعليم الفكري، فثمة كثير من الأساليب الخطأ، مع التعليم أكثر من الإلهام، والتعلم السطحي أكثر من الدراسة المتعمقة، والتقليد أكثر من الإبداع، ومحاولة فهم الاتجاهات أكثر من الولاء للدراسات، خلال حرب المقاومة ضد اليابان، كان طاقم التدريس والمعدات بما هو متاح، وكان من الصعب على نحو خاص تحسين أجواء البحث، إن الذين يتوقون إلى التعلم يشعرون بالجوع، في حين يحاول الناس العاديون أن يحصلوا فقط على مؤهل علمي، أما التعليم الجمالي فلم يتم تجاهل أهميته في الواقع فحسب، بل لم يتم فهمه كاملًا من الناحية النظرية كذلك، كان أسلافنا مبدعين جدًّا في الأدب والفن، ولكن الأحفاد نسوا أسلافهم، وأصبحوا لا يعرفون كيف يقدرون الأعمال الأدبية والفنية الثمينة جدًّا، كما أن عدد المبدعين قليل جدًّا.
الجميع مهووسون بالنفعية الضحلة والضيقة، ولا يبذلون أي جهد في الأدب والفن، وتكون النتيجة ظواهر مختلفة مثل المشاعر المختلطة، والأذواق الرخيصة، والحياة الجافة ونقص الدعم الروحي، التعليم الجماعي هو ما يفتقده شعبنا، والتعليم الحديث لا يقدم أي علاجٍ لهذا، ليس ثمة حياة اجتماعية في المدارس العامة، إذ ينظر المعلمون والطلاب إلى بعضهم بعضًا بوصفهم غرباء، وينظر زملاء الدراسة إلى بعضهم بعضا بوصفهم غرباء أيضًا، ربما ليس ثمة مجموعة من المخلوقات الحية في العالم أكثر عزلة ووحدة من أساتذة الجامعات والطلاب الصينيين، لم يبدأ إهمال الرياضة اليوم، فلا يزال بعض الطلاب يحتقرونها، وبشرتهم الصفراء ونحافتهم تكاد تُعد رمزًا للطبقة الفكرية، بالإضافة إلى إهمال ممارسة الرياضة خلال حرب المقاومة، عانى الناس أيضًا من نقص التغذية، كثيرًا ما أزور الطلاب في أثناء تناولهم الطعام، وعلى طاولة لسبعة أو ثمانية أشخاص، لا يُقدّم سوى طبق أو طبقين من الخضراوات الخالية من الزيت، وأحيانًا الأرز الأبيض فقط، إن تحمّل المصاعب شيء جيد، ولكن فقدان المال والضعف ليسا أمرين جيدين، إذا افتقر الشباب في أثناء مدة نموهم، إلى الحد الأدنى من التغذية يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، فإن النتيجة ستكون الضعف، وحتى المرض والموت، تنشأ المشكلات النفسية في أحيان كثيرة من مشكلات فسيولوجية، والأضرار الفسيولوجية تؤدي حتمًا إلى أضرار نفسية، إن هذه القضية تتعلق بحيوية الأمة، ولا ينبغي لأي معلم أو سياسي ذي نظرة بعيدة أن يتجاهلها.
تأثيرات الأسرة والمجتمع والدولة والمدرسة على الشباب هي كما هو موضَّح أعلاه، وفي ظل هذه الظروف، يصاب الشباب بالمشاعر غير الصحية النفسية الآتية:
الأول هو الشعور بالقمع، حين يكون الشباب مفعمين بالحيوية، فإنهم مثل نباتات الربيع التي تكبر، وتحتاج إلى التمدد والنمو، ويتطلب التمدد والنمو حديقة واسعة وتغذية غنية، لو كانوا مثل العشب الذي ينمو في الزاوية، فوقهم الطوب الثقيل، من دون ضوء الشمس أو الهواء، فإنهم سيصبحون مثل العشب الأصفر الرقيق والذابل، حتى لو كان بإمكانهم المكافحة من أجل دعم أنفسهم، واختراق الشقوق التي في الطوب، سيصير منتفخًا وملتويًا، ولن يتبع القواعد، لسوء الحظ، فإن كثيرًا من الشباب المعاصر يجدون صعوبة في بذل قصارى جهدهم لتحمّل الضغوط الثقيلة في ظل هذا الوضع، تضع الأسر أحيانًا عقبات غير معقولة أمام محاولات أبنائها لتطوير أنفسهم، والمجتمع لا يضمن دائمًا المكافآت على العمل الجاد، وتضطر الدولة أحيانًا إلى تقييد حرية الفكر والتعبير من أجل السياسة، وتفشل المدارس في السماح للذكاء الطبيعي والطاقة بالتطور على نحو كامل، وغالبًا ما يكون مستقبل البلاد متشابكًا مع السياسة العالمية، والسلطة غالبًا ما تشوه العدالة، هذا كله يُشكّل ضغطًا كبيرًا على الشباب، إضافةً إلى ذلك، فهم يُعانون من صعوبات اقتصادية، وضغوطات دراسية، وضعف في البنية الجسدية بسبب سوء التغذية، في الواقع، “يحملون على أكتافهم ضغائن عامة وخاصة، وقلوبهم مملوءة بالقلق على عائلاتهم ووطنهم”، ما مقدار القوة التي يمتلكها الشخص ليتحمل هذا الضغط كله؟ لا يستطيع أن يتحملها، ولكن لا يستطيع أن يدفعها أيضًا، لذا فهي تتراكم لتشكل عبئًا ثقيلًا يثقل الكاهل.
الثاني هو الشعور بالوحدة، البشر حيوانات عاطفية كما هم أيضًا حيوانات اجتماعية، ولذلك فإن الإنسان يحتاج إلى التعاطف الشديد من نوعه، لقد أدرك الفلاسفة ورجال الدين هذه النقطة، ولذلك أقاموا جميعًا دياناتهم على أساس الإحسان، فهم يعلمون أن الإنسان لا يستطيع الحصول على السعادة الحقيقية إلا بالإحسان، الشباب مفعمون بالنشاط والحيوية، وحاجتهم إلى التعاطف مُلحّة أكثر من حاجة الأشخاص في منتصف العمر وكبار السن، قلنا إن الشباب الصيني المعاصر لا يحظى بدفء الأسرة، ويفتقر إلى الحياة الاجتماعية في المدرسة، يمشون وحيدين طوال اليوم، من دون أقارب، ولا تُلبّى أشد رغباتهم في الحياة إلا بحدّها الأدنى، فكيف لهم أن يكونوا سعداء؟ إن ما يسمى بـ “التعاطف” هنا يشمل الحب للجنس الآخر، بالإضافة إلى الحاجة العالمية إلى التعاطف الإنساني، ثمة أيضًا عنصر الحب الجنسي بين الرجل والمرأة، لذلك وقتما يكون ثمة توافق في الصداقة، فإنها تصبح قوية على نحو خاص، هذه ظاهرة طبيعية جدًّا ولا يمكن للمعلمين إنكارها أو عكسها بأعينهم المغمضة، ما يجب أن ننتبه إليه هو توفير التعليم المناسب، والاستفادة من الوضع، ووضعه على المسار الصحيح، ومنع انتشاره، لقد اعتمدنا على مر السنين نظام التعليم المختلط، لكننا لم نقم بدراسة دقيقة للقضايا المتعلقة جميعها بالطلاب المختلطين، ولم نقدم التوجيه المناسب، ونتيجة لذلك، إما أنه ليس ثمة أي اتصال بين الرجال والنساء، أو أن الاتصال يكون سريًّا، يبدو أن غالبية الناس ليس لديهم أي اتصال مع بعضهم بعضًا، والبقاء أمام بعضهم بعضًا يضيف فقط شعورًا بالتحفيز، يكشف التحليل الدقيق أن الشعور بالوحدة الذي يشعر به كثير من الشباب، سببه الرئيسي هو الافتقار إلى التواصل المعقول والمناسب مع الجنس الآخر.
الثالث هو الشعور بالفراغ، “الطبيعة تكره الفراغ”، ينطبق هذا القانون القديم للطبيعة على المادة كما ينطبق على القلب، وعكس الفراغ هو الامتلاء والغنى، لكي يعيش الإنسان حياة غنية ومُرضية، يجب أن يكون لديه كثير من الاهتمامات والأنشطة، فالشخص الذي لديه اهتمام قوي بالأخلاق، أو التعلم، أو الفن، أو المهنة سيجد بطبيعة الحال أعظم الفرح في هذه الأمور ولن يشعر أبدًا بفراغ الحياة، علّم علماء الكونفوشية في عهد أسرة سونغ أن الإنسان يجب أن يمتلك دائمًا “مصدرًا للمياه العذبة” في قلبه، وأن القلب يجب أن يكون “حيويًّا” دائمًا، كما أنها تعلم الناس أن يتأملوا ما كان يان زي “يستمتع به” حين كان يعيش فقيرًا، والهدف هو إثراء الحياة الداخلية، وفقًا لعلماء النفس العام المعاصرين، يلعب الفن دورًا مهمًّا في إثراء الحياة الداخلية، لأنه يساعد الناس على إيجاد المتعة في كل شيء، إن الملاحظة هي التقدير، والتقدير هو السعادة، في الوقت الحاضر، لا يُبدي معظم الشباب اهتمامًا كبيرًا بالدراسة، ولا يُبالون بالفنون والأنشطة الأخرى، حياتهم جافة وهزيلة جدًّا، لذا غالبًا ما يشعرون بالفراغ، بالإضافة إلى ذلك، فإن القمع والشعور بالوحدة المذكورين أعلاه يجعلهم يتساءلون عن معنى الحياة، والإجابة الوحيدة التي يمكن لعقولهم البسيطة أن تتوصل إليها هي “الفراغ”، إنهم يستنتجون فراغ الحياة عمومًا من فراغ حياتهم الشخصية، مرتكبين الخطأ الذي يسميه المنطقيون “التعميم”، غالبًا ما يكون فراغ الحياة الشخصية أمرًا واقعًا، ولكن هل الحياة عمومًا فارغة؟ هذا سؤالٌ جوهري، على الأقل، كثيرٌ من عظماء التاريخ لا يظنون ذلك.
إن المشاعر الثلاثة غير الصحية المذكورة أعلاه هي كلها أمراض نفسية إلى حد ما، ولكن العواقب التي تنتجها أكثر خطورة، حين يشعر الشباب بالقمع والوحدة والفراغ، يبدأون التردد ومواجهة المواقف الصعبة، ويصبحون غير قادرين على إيجاد مخرج، وفي حيرة من أمرهم، ثم يُصابون بالاكتئاب، كأنهم يظنون أن عائلاتهم ومجتمعهم ووطنهم ومدرستهم، وحتى الخالق، يُصعّبون عليهم الأمور عمدًا ويحرمونهم من كل ما يرغبون فيه، فيكرهون كل شيء، وسريعًا ما يُصابون بالاكتئاب والانفعال والتعاسة، ثم يصبحون كئيبين وفاقدي الإحساس، غير قادرين على الصمود أمام النكسات المتكررة، ويفقدون تدريجيًّا الحساسية للتمييز بين الصواب والخطأ والإرادة للمضي قدمًا، ويتّبعون العالم العلماني غير مكترثين، ويرون “الدنيوية” حكمة، وينظرون إلى الفساد على أنه عاطفة إنسانية شائعة، حين تكون مترددًا، يمكنك اختيار الطريق الصحيحة، وحين تشعر بالملل، يمكنك السعي لإيجاده، ولكن حين تصاب بالاكتئاب وفقد الإحساس، ستتدهور حتمًا وتفقد الأمل، لا أجرؤ على القول إن أغلب الشباب اليوم وصلوا إلى مرحلة الانحطاط والخدر، ولكنني أظن أنهم جميعًا في حالة من التردد والنكد، إذا لم يتحسنوا قريبًا، فسوف يصبحون مكتئبين وفاقدين للإحساس، باختصار، أشعر بأن معظم الشباب اليوم يفتقرون إلى الحيوية التي ينبغي أن يتمتع بها الشباب، ويفتقرون إلى الاهتمام الحقيقي والحماس القوي لكل شيء، معظمهم لديهم طموحات صغيرة، كل ما يريدونه هو التخرج في المدرسة، والعثور على وظيفة براتب جيد نسبيًّا في المستقبل، والبحث عن الراحة والغذاء في ظروف سهلة، وعيش هذه الحياة، من الطبيعي أن تكون ثمة استثناءات قليلة أحيانًا، ولكن هؤلاء الشباب القلائل المتميزين ضعفاء ومنعزلون ولا يستطيعون خلق الاتجاه، إن شباب اليوم -استنادًا إلى الروح التي يظهرونها- غير قادرين بأي حال من الأحوال على تحمل المهام الشاقة التي يفرضها العصر الحالي، وهذا شيء لا يمكن لأي شخص لديه وعي إلا أن يخاف منه.
كيف يمكننا معالجة هذا الوضع؟ بحسب التحليل السابق فإن سبب المرض يكمن بعيدًا في التأثير السلبي للأسرة والمجتمع والوطن والمدرسة، وفي الآونة الأخيرة، أصبح الشباب يعانون من مشاعر غير صحية عديدة ناجمة عن هذا التأثير، الحل الأساسي هو بالتأكيد تحسين تأثير البيئة، خاصةً التعليم المدرسي، ينطوي هذا على كثير من المسائل التي لا يمكن مناقشتها بالتفصيل في هذه المقالة، أنا هنا أتحدث فقط إلى الشباب، وأنا أقصُر كلماتي على ما أظن أنه قد يكون مفيدًا لهم، أي كيف يمكنهم شفاء وإنقاذ أنفسهم.
أولًًا، يجب أن يتمتع الشباب بالشجاعة لتحمل مسؤولية أنفسهم، بصفتنا مراقبين، نُحلل الخصائص النفسية للشباب ونرى التأثيرات البيئية سببًا مهمًّا، هذا هو الموقف العادل الذي ينبغي أن يكون لدى العلماء، لكن يجب أن نضيف أيضًا أن التأثير البيئي ليس العامل الحاسم الوحيد، فثمة كثير من الناس في العالم يتأثرون ببيئة متشابهة تقريبًا، لكن إنجازاتهم تختلف اختلافًا كبيرًا، وهذا يثبت أن الجهود الشخصية قادرة على التغلب على التأثيرات البيئية، لا ينبغي للشباب أن يُحمّلوا البيئة مسؤولية إخفاقاتهم كاملة، فإن فعلوا ذلك، سيتصرفون بلا مسؤولية، ويسوِّغون تقصيرهم في العمل الجاد، وبصفتنا مراقبين، لا يمكننا أن نتوقع من الشباب جميعًا أن يكونوا أبطالًا، لكن لا ينبغي لكل شاب أن يتوقع من نفسه أن يكون بسيطًا بلا طموح، فإذا لم يتمكن من تحقيق ما يستطيع الآخرون تحقيقه في الظروف نفسها، عليه أن يخجل من نفسه، الأشخاص الذين ليس لديهم الشجاعة لتحمل مسؤولية أنفسهم لن يحققوا إنجازات كبيرة في أي بيئة متفوقة، أن تكون مسؤولا عن نفسك هي نقطة البداية.
ثانيًا، على الشباب أن يكونوا واقعيين، وأن يتقبّلوا الحقائق الحالية ويتعاملوا معها، عليهم ألا يتخيلوا كيف يمكنهم إظهار قدراتهم في بيئة أخرى، ولا أن يُحمّلوا البيئة الحالية مسؤولية عجزهم عن إظهار قدراتهم، أنا في البيئة (أ)، وأواجه صعوبة في التعامل معها، لكنني أهون على نفسي وأقول: “لو كنت في البيئة (ب)، لتمكنت من التعامل معها جيدًا”، وهذا “لا علاقة له بالموضوع” ولا يزال مظهرًا من مظاهر علم النفس غير الطبيعي، دعوني أُعطِكم مثالًا ملموسًا: حين سُئِل شاب عن سبب عدم دراسته باجتهاد، أجاب: “المعلمون ليسوا جيدين، وليس ثمة ما يكفي من الكتب، وليس لدي ما يكفي من الطعام لتناوله”، بهذه الطريقة، فإنه يتهرب من المسؤولية على نحو كامل، عليه أن يعلم أن المعلمين ليسوا أكفاء، والكتب ليست كافية، والطعام ليس كافيًا، هذه حقائق عليه أن يتقبّلها ويتعامل معها، إذا تمكنّا بطريقة ما من إيجاد طريقة لتغيير المعلمين إلى الأفضل، وشراء ما يكفي من الكتب، والأكل حتى الشبع، فسيكون ذلك رائعًا، إذا لم يسمح الواقع في الوقت الحالي بذلك، فسوف يضطر في ظل ظروف المعلمين غير الأكفاء، والكتب غير الكافية، وقلة وفرة الطعام، إلى البحث عن طريقة لمعرفة كيفية الاستمرار في القراءة والتعلم، إذا كان يظن الشاب أن مثل هذه الظروف الواقعية لا تسمح له بالقراءة والتعلم، فهو يعترف بفشله، أما إذا كان يتخيل أنه يستطيع القراءة والتعلم في ظل مجموعة أخرى من الظروف، فهو يتهرب من الواقع والمسؤوليات.
ثالثًا، يجب على الشباب أن يفهموا أن مرضهم العقلي يعتمد علاجه على جهودهم الذاتية، قدّم عالم نفس فرنسي يدعى إميل كوي تقنية علاج ذاتي تسمى: “الإيحاء الذاتي”، وفقًا لهذه الطريقة، إذا كان لدى الشخص أي مشكلة، فهو ما دام يركز دائمًا على الاحتفاظ بفكرة أنه سوف يتحسن، ويفكر فقط في الأشياء الجيدة كل يوم، ولا يفكر أبدًا في الأشياء السيئة، فسوف يتعافى قريبًا، لقد أجرى كوي تجاربه على كثير من المرضى، وبغض النظر عما إذا كانوا يعانون من أمراض جسدية أو نفسية فقد حقق نتائج عجيبة، وأثبتت تجربته أن الثقة بالنفس لها تأثير كبير على نفسية الإنسان، إذا كنت واثقًا من أنك شخص غير محظوظ، فسوف تواجه سوء الحظ في أي وقت وفي أي مكان، أما إذا كنت واثقًا من أنك شخص شجاع، فلن تكون ثمة صعوبات لا يمكن التغلب عليها في العالم، ما يفتقر إليه كثير من الشباب هو الثقة بالنفس، إذا لم تكن ثمة ثقة بالنفس، لن يكون ثمة شجاعة، وسوف تعترف بالفشل حتى قبل أن تظهر المصاعب.
مثلا، المشاعر الثلاثة غير الصحية المذكورة سابقا ليست حتمية تمامًا، إذا كنت تستطيع تقبل الواقع، ولديك الشجاعة لتحمل مسؤولية نفسك، وتفعل أفضل ما في وسعك متجاهلًا النجاح والفشل، فلن يتولّد الشعور بالقمع، الجميع بحاجة إلى التعاطف، وإذا أظهر كلٌّ منهم بعض التعاطف مع من حوله، سيستمتع الجميع بالعيش معًا بكل فرح، ولن يسيطر شعور الوحدة، حين يولد الإنسان، يكون بحاجة إلى أنشطة متنوعة ليُفرغ طاقته، وإيجاد ما يريح قلبه، وجعل اهتماماته تتدفق في كل مكان، حينها ستصبح الحياة غنية، ولن يغزو شعور الفراغ، هذه الأمور ليست صعبة، والسبب الذي يمنع معظم الشباب من القيام بها هو افتقارهم إلى الثقة والشجاعة وإعراضهم عن العمل الجاد.
