القائمة الرئيسية

الأمراض العضال والتجارب التحويلية

الأمراض العضال والتجارب التحويلية
ملخص المقال

يتأمل الفيلسوف أناند جيبراكاش فيديا في مقاله «المرض العضال والتجربة التحويلية» تجربته بعد إصابته بسرطان المعدة، معتبرًا أن معرفة المرء بإصابته بمرض عضال هي تجربة تحول فلسفية عميقة تعيد تعريف معنى الحياة والموت. يرى أن المرض يجبر الإنسان على إعادة التفكير في ما يستحق العيش من أجله، وما يمكن إنجازه في الوقت المتبقي، وأن القيمة الحقيقية للحياة لا تأتي من مجرد البقاء، بل من الأشخاص والمعاني التي نرتبط بها. ومن خلال هذا الوعي الزمني الحاد، يدعو فيديا إلى عيش ما تبقى من الحياة بصفاء واختيار، لا كهروب من النهاية، بل كتحقق أخير للحكمة والمعنى.

بقلم: أناند جيبوناكش فيديا

 ترجمة: غدي الغامدي

تناقش هذه المقالة قِصر الحياة والتجارب التحويلية التي مر بها المؤلف بعد تشخيص إصابته بمرض عضال.

في كتاب “أخلاقيات الانتحار” الذي نشر في فبراير 2023م، فحصت مرض والدي، وفكرت في أخلاقيات الانتحار من منظور نظرية كانط للالتزام، والنفعية لميل، والتقاليد الدينية (الجاينية). يعاني والدي من مرض الرنح المخيخي الشوكي، مما يجعله يعاني من مشاكل في الحركة ويجعل المشي مستحيلًا تقريبًا. بالإضافة إلى ذلك، فهو في المراحل المتأخرة من مرض الزهايمر، مما يجعل من الصعب عليه تذكر الأشياء، ولا يستطيع الاستمتاع بالأكل، وفقد وظائف الحياة الأساسية، وهو غير قادر على الاعتناء بنفسه على الإطلاق. رغم الصعوبات العديدة التي واجهها، إلا أن إرادته في البقاء قوية جدَّا، غالبًا ما يشير إليَّ أنه في صراعه مع مرض الرنح المخيخي والزهايمر، قد تغلب على الصدمة الناتجة عن وفاة والدتي بسبب السرطان، وأجرى عمليتين جراحيّتين بسبب السرطان، كما صمد خلال جائحة كورونا. وقال إن ما يجعله مستمرًّا هو الفرح الذي يشعر به لوجوده مع عائلته والرغبة في رؤية حفيده الوحيد يكبر ويصبح طبيبًا.

في مقال العامود السابق، تخيلت أنه إذا كنت في وضع والدي، فهل سأختار إنهاء حياتي لأنني لم يكن لدي القدرة على التصرف وفقًا لرغباتي؟ لكنني أوضحت أيضًا أنني لا أجرؤ على اتخاذ أي طريقة لإنهاء حياتي؛ لأنني لم أصل إلى موقف مثل والدي أو مواقف أخرى مشابهة، تخيلاتي هي مجرد تخمين ولها قيمة مرجعية ضئيلة.

ومع ذلك، فقد تغير الوضع الآن، تم تشخيص إصابتي بسرطان المعدة المتقدم. وفقًا للبيانات الإحصائية، فإن فرصتي في العيش لمدة خمس سنوات أخرى هي 6٪ فقط، وقد تسبب سرطان المعدة في سكتتين دماغيتين. أعيش في مفارقة الدماغ المعوي. إذا عولجت السكتة الدماغية، فقد تسبب نزيًفا في المعدة. وإذا تم علاج سرطان المعدة، فسيزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية. لقد تسببت السكتتان الدماغيتان اللتان أصبت بهما في تلف وظيفة يدي اليسرى. الآن، أنا أخضع لعلاج مكثف للسرطان. قال لي الأطباء: إنه إذا لم يعالج السرطان، فقد يتبقى لي شهران للعيش، وخلال هذه الفترة لن أعاني كثيرًا من الألم، ولكن بعد ذلك، سيزداد الألم سوءًا يومًا بعد يوم.

في كل مرة يحمل فيها مراسل ميكروفونًا أمام شخص تم إنقاذه للتو من منزل محترق ويسأل: “هل يمكنك أن تخبرني كيف تشعر الآن؟” أشعر دائمًا بالانزعاج الشديد، وأجد هذا النوع من الأسئلة قاسيًا بشكل خاص. يا إلهي! كيف تعتقد أنهم يشعرون؟ ومع ذلك، فإن هذه المقالة لا تتحدث عن شعوري حيال تشخيصي بمرض عضال. يبدو الأمر مهمًّا جدًّا، وقد يقول بعض الناس: إنه لا يوجد شيء أكثر أهمية من هذا”، ولكن هذا ليس التركيز الأساسي لهذه المقالة.

الآن يطرح سؤال صعب لا مفر منه: ما هو أهم شيء بالنسبة لي؟ ماذا يجب أن أفعل؟ لا يمكنني استخدام عذر “سنتحدث لاحقًا” لاتخاذ قرار بالتخلص من هذه الأسئلة. الوقت ليس إلى جانبي، بالطبع، بعض المشاكل الناشئة عن ذلك تتعلق بنوعية الحياة التي آمل أن أعيشها في المستقبل. يمكننا التمييز بشكل طبيعي بين ثلاثة أشياء: العيش للقيام بما نريد القيام به، والقدرة على فعل ما نريد، وامتلاك الوسائل والظروف للقيام بما نريد.

هناك بعض الناس على قيد الحياة وقادرون على فعل ما يريدون. إذا أرادوا أن يذهبوا في نزهة بمفردهم، ذهبوا في نزهة. هناك أشخاص على قيد الحياة ولديهم القدرة على فعل ما يريدون فعله، ولكن ليس لديهم الوسائل والظروف للقيام بما يريدون فعله. منهم من يمتلك القدرة الجسدية على السفر حول العالم، لكن ليس لديهم المال الكافي. وهناك أولئك الذين لديهم الوسائل المالية للقيام بأي شيء يريدونه تقريبًا، لكنهم يفتقرون إلى القوة البدنية أو القدرة العقلية للقيام بمعظم الأشياء. من الواضح جدًّا أنه عندما يعاني الناس من أمراض مستعصية يفكرون في نوع الحياة التي يريدونها، فإنهم يختارون كيفية قضاء الوقت المتبقي في ظل العوامل الأكثر أهمية، بما في ذلك مقدار الوقت المتبقي قبل الموت، وإمكانات وظائفهم البدنية، والوسائل المالية. ولكن إلى جانب ذلك، توجد المسألة الأخلاقية.

على سبيل المثال، خلال فترة السرطان كان لدي بعض الوقت والوسائل المالية والقدرات الجسدية لتبني طفل؛ كانت هذه أمنيتي العزيزة منذ فترة طويلة قبل تشخيص المرض. ولكن يجب أن أسأل: هل من الأخلاقي أن أفعل هذا وأنا أعلم أن ابني سوف يفقد والده بعد سنوات قليلة؟ من ناحية، يبدو الأمر كما لو أنني أفعل الكثير من الخير لهذا اليتيم الذي سيصبح بلا مأوى، ومن ناحية أخرى، ربما أكون سببًا في مزيد من الأذى لهذا الطفل الذي يعاني بالفعل من عدم وجود أسرة مستقرة. إن اختيار كيفية قضاء بقية حياتك لا يختلف جوهريًّا عن اختيار كيفية قضاء حياتك. المسائل الأخلاقية موجودة في كل مكان.

وصفت ريبيكا تشان موقف لوري بول “التجربة التحويلية” بشكل جيد. وجهة النظر حول تجربة بول التحويلية من منظور معرفي وشخصي هي تجربة تجلب تحولًا جوهريًّا للناس. إذا كانت تجربة تحول الشخص من منظور معرفي، فإنهم يكتسبون معرفة “كيف تبدو التجربة؟”، لا يمكن الحصول على هذا النوع من المعرفة بدون هذه التجربة. على سبيل المثال، الشعور بالحب لأول مرة -سواء كان حبًّا رومانسيًّا أو حبًّا للحيوانات الأليفة- هذه هي الطريقة الوحيدة لمعرفة ما هو الحب حقًّا. عندما يشعر الناس بالحب، ستحدث تغييرات في حياتهم الشخصية، مثل التغييرات في خصائص الفاعل، والتفضيلات الأساسية، وأهداف الحياة، وطرق التعامل مع العالم، وما إلى ذلك. على الرغم من أن هذه التحولات الشخصية قد تكون ناتجة عن التجارب المعرفية، إلا أنها قد تأتي أيضًا من التحولات المعرفية نتيجة للتجارب الجديدة. إن تجربة الحب التي تؤدي إلى تغييرات في النظرية المعرفية والخصائص الشخصية هي تجربة تحويلية.

يرى إيفان تومسون أن الموت هو التجربة التحويلية النهائية، ولا يقصد بذلك أن يكون في حالة موت؛ هو يقصد عملية الموت بأكملها، والتي تنتهي بنهاية حياة الإنسان. ويعتقد أنه من منظور معرفي، أن السبب وراء امتلاك الموت لخصائص تجربة تحويلية هو أنك لا تملك أي فكرة عما هي عليه إلا إذا اختبرت عملية الاقتراب من الموت بنفسك، وهو ما يمكن أن يجعلك تفهم العديد من الأشياء بطريقة جديدة تمامًا. يعتقد أيضًا -من منظور شخصي- أن السبب في أن الموت له خصائص تجريبية تحويلية؛ هو أنه يغير الطريقة التي تختبر بها نفسك، وهو شيء لن تفهمه تمامًا قبل حدوث التغيير. قال إنه على عكس أي تجربة تحويلية أخرى، فإن الموت هو تجربة نهائية، ليس فقط في طبيعته النهائية والحتمية والشاملة، ولكن أيضًا في أهميته الجوهرية.

أتفق مع وجهة نظر بول بأننا استوعبنا معنى ظاهرة فلسفية مثيرة للاهتمام جدًّا باستخدام مصطلح “التجربة التحويلية”، وأتفق أيضًا مع وجهة نظر تومسون بأن الموت تجربة تحويلية فريدة ومثيرة للاهتمام. لكن نهجي تجاه تجربة الموت التحويلية يختلف قليلًا عن نهجهما. الفرق مع بول يكمن في تعريف “التجربة التحويلية”، والفرق مع تومسون يكمن في كيفية وضع الموت في مكان محدد في التجربة التحويلية.

على عكس بول وتومسون، في نهجي، نحتاج إلى التركيز على الفهم التدريجي للاختلافات بين التجربة القادمة والتجربة نفسها. كلاهما لديه القدرة على التحول والتجديد، على سبيل المثال، عندما تكون على وشك أن تصبح والدًا لطفل، فإن هذه المعرفة والحقيقة نفسها لديها القدرة على التحول والتجديد. عندما يكون لديك طفل في النهاية، فإنه أيضًا تحويلي. التجربة المستقبلية المعترف بها تجعل الشخص مستعدًّا لها تدريجيًّا لإعادة تقييم ما يعنيه أن تكون والدًا، دون أن تغرق في التجربة الشاقة لتربية الأطفال. الإدراك التدريجي بأن التجارب والإخفاقات المستقبلية غير موجودة في التجربة نفسها. تدرك تدريجيًّا -بناءً على أوصاف “معرفية” غير صحيحة- أنك ستصبح والدًا، ولكن بعد ذلك، على سبيل المثال، يحدث الإجهاض. أنت تدرك تدريجيًّا أنك تعاني من مرض عضال ولم يتبق لك سوى عام واحد للعيش، ولكن قد يكون موتك مبكرًا أو متأخرًا.

وجهة نظري هي أن التعرف على مرض عضال هو تجربة تحويلية مثيرة للاهتمام؛ لأنها تجربة تحويلية شاملة تمامًا. وعلى العكس من ذلك، فإن معرفة حدوث الحمل غالبًا ما تعني أن الطفل سوف يولد قريبًا، على الرغم من أن هذا ليس هو الحال دائمًا. وهي أيضًا تجربة قابلة للتكرار، أنت تعلم أنك تريد طفلًا، لذلك ستنجب طفلًا آخر، ثم ستكرر التجربة. أنت تعلم أنك مصاب بالسرطان، وتعلم أنك ستموت، ولكن بمجرد وفاتك، لن يكون هناك طريقة للموت مرة أخرى. في الأوصاف التي تتحدث عن الموت دون وجود حياة بعد الموت، لا يعد الموت تجربة؛ لأن الشخص موجود فقط قبل الموت ولا يختبر عملية الموت إلا جزئيًّا على الأكثر، ولكن من المستحيل عليه أن يستمر في الوجود بعد تجربة الموت. يجب أن يتعايش الشخص مع معرفة أن لديه مرض عضال بدلًا من الموت. إنه العيش في ظل العلم بأن الموت يقترب، ويصبح هذا الإدراك هو الإطار الهيكلي للمعرفة التي تحول الناس.

في نظري، فإن البعد الزمني للأمراض العضال يشكل أهمية مركزية، نحن جميعًا سنموت، لذا فنحن نعيش دائمًا مع المعرفة الأساسية بأن الموت يمكن أن يأتي في أي وقت بطرق لا حصر لها. إن التعرف على حقيقة الإصابة بمرض عضال لا تكسر هذه الحقائق الأساسية. قد يدرك بعض الأشخاص صباح يوم الاثنين أنهم مصابون بمرض عضال وسوف يموتون خلال ستة أشهر، ولكنهم يتعرضون للدهس من قبل حافلة عند مغادرتهم المستشفى بعد ظهر يوم الاثنين. معرفة التحويل والتجديد للأشخاص المصابين بأمراض عضال لا تتعلق بكسر المعرفة الأساسية، ولكن بدفع المعرفة الأساسية إلى المقدمة، لأنها تدعو الناس إلى التفكير في مشاريع حياتهم. إن معرفة أن الشخص مصاب بمرض عضال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخصائص الشخصية للتجربة التحويلية. نحن نعلم جميعًا من منظور الشخص الثالث أننا جميعًا سنموت في مرحلة ما، لكننا لا نعرف متى. نحن جميعًا نعتقد بشكل معقول أن الأشخاص الأكبر سنًّا منا من المرجح أن يموتوا قبلنا. ومع ذلك، فإن هذه المعرفة من منظور الشخص الثالث لا يمكنها أن تضعنا على اتصال وثيق بموتنا. توفر لنا الطبيعة النهائية للأمراض العضال تجربة ظاهرية فورية ومباشرة لأحداث الموت. إذا كان الأمر يتعلق بتجارب نهاية الحياة، فإن هذه المعرفة النهائية لديها إمكانات تحويلية وتجديدية عميقة.

صديقي فيكتور بايندا (Victor Pineda) يدير مؤسسة تحمل اسمه، ويعمل مع الآخرين تحت اسم ‘عالم التمكين’. يعاني فيكتور من مرض وراثي في العين من النوع الرابع (الذي يُسمى Collagenopathy Type 4)، وقد كان يعاني من هذا المرض منذ طفولته. لقد كنا زملاء في المدرسة الثانوية، ونحن أصدقاء مقربون منذ أكثر من 30 عامًا. فيكتور شخص مُلهم. على الرغم من أنه ظل مقعدًا على كرسي متحرك طوال الوقت ويحتاج إلى جهاز تنفس لمساعدته على التنفس؛ إلا أنه يتمتع بطاقة وإبداع لا حدود لهما. سيرته الذاتية مثيرة للإعجاب والاحترام. قبل ثماني سنوات، وبعد تفكير عميق في مسيرته المهنية وعلاقاته الشخصية، بدأ في تصوير فيلم يركز على سؤال: ما هي الحياة التي تستحق العيش؟ إن معرفة الإصابة بمرض عضال يثير أيضًا هذا السؤال، لأن الناس يقيمون علاقة وثيقة مع الوقت المتبقي لهم. في عام 2016م التقينا بالقرب من تاج محل لمناقشة فيلمه والاتجاه الذي كان مستعدًّا لاتخاذه. يمر أي مشروع إبداعي بالعديد من التعديلات. ما ظهر من استكشافه الشخصي والفلسفي العميق هو فهم عميق للإجابات المختلفة التي يمكن تقديمها لهذا السؤال. بصفتي أستاذًا في الفلسفة منذ 25 عامًا، يمكنني أن أقول بسهولة: إن أحد أعظم الإنجازات الفلسفية هو إدراك أن لهذا السؤال عددًا من الإجابات أكثر بكثير مما قد يتخيله المرء في البداية.

تمامًا كما يمكننا أن نستكشف نوعية الحياة التي نرغب في عيشها في الأيام المتبقية لنا، يمكننا أيضًا أن نتساءل: إلى متى تظل حياتنا الحالية تستحق أن نتحمل معاناتها؟ بمعنى ما، كل حياة تنطوي على معاناة، لأن الحياة غير دائمة، وهذا على الأقل هو منظور البوذيين. يمكننا أن نسأل: ما نوع المعاناة التي تستحق أن نتحملها؟ عندما نتساءل عن ماهية الحياة التي تستحق العيش، يجب أن نتجاوز التفكير على المستوى الشخصي. لقد تأمل والدي هذا السؤال بوضوح، وكانت إجابة مسألة المعاناة التي تستحق التحمل تأتي من الشخص الذي كان يعيش من أجله، أي عائلته وأحفاده. المعاناة الناتجة عن عدم قدرته على الاعتناء بنفسه كانت معاناة لا بد له من تحملها؛ لأنه كان يعيش من أجل عائلته. لم تكن قيمة الحياة تأتي من مجرد العيش بحد ذاته، بل تأتي من المجموعة التي كان يشعر بانتماء قوي إليها، ومن الأشخاص الذين اكتسب منهم معنى حياته. بالنسبة لكثير من الناس، لا يكمن جواب مسألة الوجود في محتوى الحياة، بل في السؤال: من أجل من نعيش؟ من خلال محادثاتي مع فيكتور، أدركتُ تدريجيًّا أهمية البعد في الإجابة عن سؤال معنى الحياة: ما نوع الحياة التي تستحق العيش؟ أنا أتفق على أن الشخص الذي تعيش من أجله هو جوهر تحديد نوع الحياة التي تستحق أن تعيشها. في حين أنني أتمتع بدعم هائل من عائلتي، التي أحبها بعمق؛ إلا أنني أرى أن نطاق العيش من أجل مجموعة من الأشخاص أوسع من ذلك، فهو يشمل الأشخاص الذين يشاركونني أهدافي وقيمي وتاريخي.

معرفتي بإصابتي بمرض عضال لم تجعل أفكاري السابقة عن الانتحار أكثر وضوحًا، ولم تجعلني أكثر التزامًا باعتبار الانتحار جزءًا من مسار حياتي. ما كان واضحًا لي هو أنني كنت أفضل أن أعيش دون معاناة كبيرة، وأن أحتفظ بقدر من القدرة على الاعتناء بنفسي، مع استمرار قدرتي على استخدام عقلي. ما لا نعرفه هو مقدار المعاناة وفقدان القدرة على الاعتناء بالنفس الذي يمكنني تحمله، مع التمسك بالأمل في احتمال استعادة القدرة على رعاية نفسي أو إيجاد طريقة جديدة للعيش. غالبًا ما يشير فيكتور إلى أن التكنولوجيا قادرة على تحقيق التحرر وتمكين أولئك الذين نسيهم العالم. في المستقبل القريب، قد يكون من الممكن زرع شريحة في الدماغ لمساعدة الأشخاص الذين فقدوا جزءًا من وظائفهم الجسدية بسبب السكتة الدماغية. ربما يتحقق حلم زوجتي، وسنموت معًا بعد سنوات عديدة، ويفضل أن يكون ذلك على سطح المريخ.

عندما أدركت أنني مصاب بمرض عضال، جعلني أرى الأمور بوضوح أكبر، حيث لم يعد لدي الوقت لإنجاز المواضيع التي كنت أرغب في القيام بها، وقد أصبح ذلك تجربة تحوّل. على سبيل المثال، يجب عليّ أن أقرر ما هي المهام الفلسفية التي أرغب في إنجازها في الوقت المتاح لي. من الطرق التي يمكن التعبير بها عن هذه الفكرة هي: أي نوع من الذات أفضل لي أن أستمر فيه؟ هل الذات التي كانت ترغب في كتابة كتاب “عن الاعتراف”؛ وهو الجمع بين الفلسفة الهندية ونظرية المعرفة الفلسفية التحليلية؟ أم الذات التي كانت ترغب في كتابة “نطاق الاهتمامات الأخلاقية”؛ الذي يناقش قضايا حقوق الحياة غير البشرية وحقوق الذكاء الاصطناعي الأخلاقية؟

يتحدث الموضوع الأول عن هدفي؛ وهو تقديم مفهوم نظرية المعرفة الهندية لجعل الفلسفة الهندية تتحاور مع الفلسفة التحليلية، والتي تقع بين الدفاع غير الواقعي والمعرفة الواقعية. يقع هذا المفهوم ضمن بنية معرفية لا توجد في نظرية المعرفة الغربية، ويمكن أن يؤثر على الطريقة التي يتم بها استكشاف نظرية المعرفة في سياق اليوم العالمي متعدد الثقافات والتخصصات. كان موضوعي مستوحى من جانجيشا؛ مؤسس مدرسة نافيا نيايا للفلسفة الهندية في القرن الرابع عشر. أعتقد أن أعمال تقاليد نيايا لديها الكثير لتقدمه لنظرية المعرفة المعاصرة. ما أراه مثيرًا للاهتمام حول مفهوم المصادقة هو أن هناك فرقًا بين المعرفة لأن الموضوع قادر على إشباع علاقات موضوعية معينة بين العقل والعالم من خلال الإدراك وبين المصادقة على المعرفة، يتم تحديده على أنه معرفة؛ لأن الموضوع يلبي بعض العلاقات الموضوعية بين العقل والعالم في سياق التواصل الاجتماعي، ومسألة تحديده على أنه معرفة مثيرة للجدل. في رأيي، هذا التمييز مهم جدًّا للعديد من المشاكل في تشخيص وتطبيق نظرية المعرفة، كما أنه مهم جدًّا لإعادة التفكير في الاختلافات الأساسية في نظرية المعرفة، كما فعل فيتجنشتاين في كتابه “حول اليقين”. 

الموضوع الثاني يتعلق برغبتي في التساؤل بشكل نقدي حول العاطفية: مسألة ما إذا كان الوعي الظاهري والعاطفي ضروريًّا للموقف الأخلاقي والحياة العاطفية. لقد وجد العديد من الفلاسفة -الغربيين والشرقيين- أن الإثارة هي الإجابة الأكثر جوهرية على السؤال: ما هو الموقف الأخلاقي الجوهري؟ يمكننا أن نجد هذا الرأي في فلسفة جاينا وفي كتابات ديفيد تشالمرز. على الرغم من أنني أوافق على أن هذه هي الإجابة الأكثر إقناعًا على الطاولة. أجد أنه يتم تقديمه في كثير من الأحيان دون أي تفكير نقدي. لقد ألهمني بحثي حول الحياة غير البشرية وأنماط الذكاء الاصطناعي الناشئة لاستكشاف مسألة ما إذا كان الذكاء الحسابي المرتبط بإرضاء أهداف البقاء بدلًا من ارتباطه الأساسي بالوعي الظاهري يشكل أساسًا للموقف الأخلاقي. الوعي الظاهري والعاطفي هما خصائص بدرجات متفاوتة، ويتحدثان عن سبب كون شيء ما أكثر أهمية من شيء آخر، ولكن ليس عن سبب تمتع شيء ما بمكانة أخلاقية جوهرية. ببساطة، ما يهمني هو فكرة أن شيئًا ما يمكن أن يصبح موضوع رفاهية غير واعية.

لست متأكدًا من أن وجهات نظري في هذه الموضوعات ستنتهي في الفلسفة العميقة، ولكن من الناحية الفلسفية، فإن دوافعي لهذه الموضوعات صادقة. ومع ذلك، ربما حان الوقت الآن للتركيز على الإنجازات التي تتجاوز المواضيع الشخصية والسعي وراء الحكمة. على سبيل المثال، هل يجب الذهاب مع زوجتي إلى هضبة باتاغونيا (Patagonia)؟ أو السير على طول مسار جون موير (John Muir Trail) (الذي سمي على اسم مستكشف البرية جون موير، والذي يمتد من أسفل قمة نصف القبة (Half Dome) في وادي يوسيميتي (Yosemite Valley) إلى قمة جبل ويثني (Mount Whitney) التي ترتفع أكثر من 4400 متر، مرورًا بوادي أنسل آدامز، وحديقة شجر السيكويا الوطنية، وحديقة وادي الملك كانيون الوطنية، بطول حوالي 356 كيلومترًا. يستغرق عبور المسار من الشمال إلى الجنوب حوالي ثلاثة أسابيع. – ملاحظة المترجم)؟ كيف يتخذ الناس قرارات بشأن هذه الأشياء؟

البعد الزمني للأمراض العضال واضح جدًّا ومهم. مقدار الوقت المتبقي للناس مهم لما يمكنهم إنجازه. لن يضعف الإلحاح الموجود هنا من خلال العمل بشكل أسرع أو من خلال العمل بشكل أكثر تكرارًا، وذلك لأن الإلحاح مرتبط بالنتيجة النهائية، فلا يوجد مزيد من التعديل والحد من مساحة الوجود.

نبذة عن الكاتب: أناند جيبراكاش فيديا (Anand Jayprakash Vaidya) هو أستاذ الفلسفة ومدير مركز الدراسات الفلسفية المقارنة في جامعة سان خوسيه الحكومية. تشمل اهتماماته البحثية: التفكير النقدي، ونظرية المعرفة، ودراسة فلسفة العقل من منظور عبر الثقافات وعبر التخصصات.

الترجمة من: “Terminal Illness and Transformative Experience” بواسطة أناند جيبراكاش فيديا

المقال منشور في مجلة الفلاسفة (The Philosophers’ Magazine)

مقالات ذات صلة