جيانغ شياو يوان، ليو بينغ
ترجمة: نهى الغامدي
جيانغ شياو يوان: تعتبر القنبلة الذرية من أكثر الأسلحة تأثيرًا في مسار التاريخ، فهي تحمل معانٍ ودلالات عميقة، وتُعَدُّ من أفظع الابتكارات التي توصل إليها الإنسان حتى الآن. يمكن بالطبع أن تتولد قصص لا حصر لها حول ظهور القنبلة الذرية، وهذا ما يفسر أنَّ النسخة الصينية من كتاب “التاريخ السري للقنبلة الذرية” تتجاوز 700 صفحة.
عنوان الكتاب الأصلي بسيط إلى حد الملل: The Making of the Atomic Bomb “صنع القنبلة الذرية”، ولكن القصص التي يرويها الكتاب متنوعة وجذابة، ممَّا يجعل هذا العنوان البسيط لا يتناسب مع محتوى الكتاب. لذلك، لم يكن من الغريب أنَّ النسخة الألمانية أطلقت على الكتاب عنوانًا مبهرًا كـ “القنبلة الذرية أو قصة اليوم الثامن من الخلق”. النسخة الصينية اختارت عنوان: “التاريخ السري للقنبلة الذرية”، ممَّا يعتبر نوعًا من التسوية.
القنبلة الذرية ليست سلاحًا عاديًّا، وصنعها ليس عملية تطوير سلاح تقليدية. مشروع “مانهاتن” الأمريكي لصنع القنبلة الذرية هو نتاج قرار سياسي هام، بداية من اتخاذ القرار إلى تطوير القنبلة واستخدامها في اليابان، كانت هناك مشكلات تتعلق بالنظريات العلمية، والتقنيات، والتنسيق الهندسي، بالإضافة إلى مشكلات سباق التسلح، والأخلاقيات، والثقة بالعلماء والباحثين، وغيرها. كل هذه القضايا تشكل أبعاد “هذا التاريخ السري”.
يتناول الكتاب هذه الأبعاد، لكنَّ فيه عيبًا ضئيلًا؛ وهو أنَّ عنوانه بسيطٌ جدًّا. الكتاب يحتوي على فصول فقط دون تقسيمات، وهذا يظهر بوضوح في النص. قد يكون المؤلف سعى لتحقيق نوع من “الأدب”، حيث يحتوي الكتاب على 19 فصلًا، والعديد من عناوين الفصول ذات طابع أدبي، ممَّا يجعل من الصعب على القارئ أن يعرف ما يود المؤلف قولَه في كل فصل، مثل: “زهور مرآة الماء”، و”وعي مزدوج”، و”تم حفر القبر الطويل”، و”العالم الجديد”، و”الوحي”، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ هذا الفهرس الضعيف يظهر بعد 30 صفحة من بداية الكتاب. بالنسبة لكتاب يزيد عن 700 صفحة، فإنَّ هذه الفصول والعناوين والفهرس تمنع القارئ تقريبًا من استعراض محتويات الكتاب، إمَّا أن تقرأ بجِدٍّ من البداية إلى النهاية، أو تغلق الكتاب ولا تتظاهر بأنك “تقرأ”.
ليو بينغ: بالفعل، هناك الكثير من الموضوعات التي يمكن مناقشتها حول القنبلة الذرية، لكن عندما رأيت العنوان الذي اقترحته لهذه المناقشة “القنبلة الذرية وما تمنحه للبشر من نعمة ونكبة”، شعرت ببعض الحيرة حول معنى كلمة “نعمة” هنا. ربما ستتحدث عن ذلك لاحقًا، ولم تسنح لك الفرصة بعد.
أثّر ظهور القنبلة الذرية على تاريخ المجتمع البشري بشكل كبير جدًّا، وما يزال هذا التأثير قائمًا حتى اليوم. من وجهة نظر العلاقة بين العلوم والتكنولوجيا والمجتمع، يُعتبر تصنيع القنبلة الذرية واستخدامها نقطة تحول حاسمة. لذلك، فإنَّ دراسة تاريخها من منظور تاريخ العلوم مهم جدًّا. بسبب أهميتها على وجه التحديد، كُتبت الكثير من الكتب عن القنبلة الذرية فضلًا عن المقالات، لذا قد يكون من الضروري تحديد موقع هذا الكتاب قبل تناول مواضيع أخرى.
كما قلت، بسبب طول هذا الكتاب (في الواقع، مثل هذا الطول لا يكفي)، سيشعر القراء بضغطٍ كبير. إذا لم يكن لديهم الصبر الكافي، أو لم يخصصوا وقتًا كافيًا، فمن المؤكد أنهم لن يتمكنوا من قراءته بجدية صفحة تلو الأخرى. لذلك، هل تعتقد أنَّ هذا الكتاب عملٌ أكاديمي تاريخي أم أنَّه “تاريخ سري” للقنبلة الذرية موجَّه للقراء العاديين؟
جيانغ شياو يوان: الإجابة على سؤالك الأخير ليست سهلة. عندما تُنشر مؤلفات أكاديمية، عادة ما يطلب الناشر من المؤلفين أن يكتبوا بأسلوب بسيط قدر الإمكان لجذب المزيد من القراء. هذه الظاهرة شائعة في الغرب، والعديد من دور النشر المحلية لديها طلبات مشابهة. فيما يتعلق بـ”تاريخ القنبلة الذرية”، إذا اعتبرناه عملًا أكاديميًّا بحتًا، فلا شك في ذلك، لكن المؤلف جمع العديد من الوثائق التاريخية، وقام بالتحليل، والقص، والاختيار، والتعبير. تتطلب كل مرحلة معاييرَ “أكاديمية”، وإذا كان الغرضُ القراءةَ الشعبية فهو غير عادل. لذا، إن كان يجب عليَّ الاختيار بين الخيارين اللذين قدمتهما، سأوافق على وصفه بأنَّه “عمل أكاديمي تاريخي”.
أمَّا بالنسبة إلى ما إذا كانت القنبلة الذرية قد جلبت “نعمة” للبشر، فليس هناك إجابة بسيطة. كما قال القدماء: “النعمة والنقمة لا تأتي من فراغ، بل من أفعال الناس”. إذا تحدثنا عن “نعمة” القنبلة الذرية، فيمكن فهمها على مستويين. المستوى الأول سهل الفهم؛ لو صنعت ألمانيا النازية القنبلة الذرية أولًًا، لما كتبت النجاة للعالم الحر، لكن النتيجة كانت أنَّ “العالم الحر” هو من سبَق وصنع القنبلة، فألقى قنبلتين على اليابان؛ ممَّا ساهم في تسريع انهيار المحور الفاشي. بالنسبة لـ”العالم الحر أو الديموقراطي”، أَليست هذه هي “نعمة” القنبلة الذرية؟
المستوى الثاني أكثر تعقيدًا قليلًا، لكنه ليس صعبَ الفهم؛ منذ إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي، بالإضافة إلى الاختبارات العسكرية التي جرت بعد ذلك في جزيرة بيكيني (حيث اُستخدمت القنبلة لتدمير بعض السفن الحربية الكبيرة)، لم يعد هناك شك في القوة التدميرية الهائلة للقنبلة الذرية. من المفارقات أن الخصم في الحرب الباردة لـ “العالم الحر”، وهو الاتحاد السوفيتي، تمكن أيضًا من تصنيع القنبلة الذرية بسرعة. منذ ذلك الحين، لم تُستخدم القنبلة الذرية في أي صراع عسكري، بل أصبحت سلاحًا للردع الاستراتيجي. هذا السلاح له طبيعة خاصة، فهو في الواقع لا يُستخدم فعليًّا؛ لأن استخدامه يعني الفناء المتبادل للطرفين. هذه الطبيعة الخاصة بالقنبلة الذرية جعلتها تجلب “نعمة” لبعض الدول الضعيفة نسبيًّا، والتي لا ترغب في الاستسلام كما كان الحال في الصين مع “قنبلتان، قمر صناعي واحد”[1]. إذا نظرنا حول العالم اليوم، نجد أن دولًا مثل باكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل وإيران تستفيد أو تحاول الاستفادة من هذه الطبيعة الخاصة للقنبلة الذرية لتحقيق مصالحها.
ليو بينغ: تفسيرك الثاني لـ”نعمة” القنبلة الذرية له شعبية معينة بين الأوساط المختلفة، ويعني أنه بسبب قوة الردع للأسلحة النووية، وبسبب الخوف من الفناء المتبادل، فإن الناس يفضلون عدم استخدامها بسهولة، مما يخلق نوعًا من “التوازن” والحد من التصعيد، وبالتالي الحفاظ على السلام والاستقرار إلى حد ما. لكن هذا التفسير لا يزال من الصعب أن يكون مقبولًا تمامًا. أولاً: هذا التوازن، إذا نظرنا إليه من منظور فيزيائي، هو نوع من التوازن غير المستقر، ويمكن أن يختل بسبب عوامل عرضية ممَّا يؤدي إلى كوارث قد تؤدي إلى انقراض البشرية. ثانيًا: لهذا السبب، يظل الناس يدعون إلى ضرورة تعزيز نزع السلاح النووي، وتقليل مخاطر الكوارث المذكورة، لكن للأسف، كانت نتائج هذه الجهود محدودة جدًّا. ثالثًا: الخوف من الكوارث النووية الذي يمنع الناس من استخدام الأسلحة النووية ليس سوى اعتبارات “عقلانية” نسبية، لكن العقلانية ليست دائمًا الخيارَ الحتمي للبشر. فمثلًا، رغم أن البشر قد اقترحوا قيودًا على استخدام الأسلحة البيولوجية بسبب “العقلانية” والأخلاقيات، فإن تلك القيود كثيرًا ما تكون غير فعالة. لذا، في العديد من الأفلام، نجد أشخاصًا مجانين وغير عقلانيين يهددون باستخدام الأسلحة النووية، فهل من الممكن ألَّا تكون هذه الاحتمالية موجودة في الواقع؟ رابعًا: هل سيرضى الناس حقًا بالجلوس على “برميل بارود” نووي قد ينفجر في أي لحظة بسبب عوامل عرضية؟ لذلك، أجد صعوبة في قبول تفسير “نعمة” هذا.
لكن عندما نتحدث عن المخاطر المروعة للأسلحة النووية، فغالبًا ما يركز النقاش على كيفية تصنيعها، وكيفية استخدامها أو عدم استخدامها، ولا يتناول بشكلٍ كاف السبب الحقيقي الذي مكَّن البشر من تصنيع الأسلحة النووية. في الحقيقة، يمكن أن نفهم بسهولة أنه بفضل الثورة في الفيزياء في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والفهم المجهري للمادة واكتشاف الطاقة النووية، أصبح تصنيع القنبلة الذرية ممكنًا.
جيانغ شياو يوان: بشأن ما إذا كانت القنبلة الذرية قد جلبت “نعمة” للبشر، فإن هذا موضوع قابل للنقاش، لكن “مَن بدأ الفكرة، هل له من عواقب؟ إذا لم يكن العلماء الموالون لليهودية النازية قد صنعوا القنبلة الذرية لصالح هتلر، لَما صنع علماء “العالم الحر” القنبلة أيضًا، ممَّا سيكون بالتأكيد نعمة للبشرية. في النهاية، تتمثل الكارثة في أولئك العلماء المخلصين للنازية.
عندما رأيت أنك بدأت تتحدث عن الثورة في الفيزياء في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأن اكتشاف الفيزياء النووية هو الذي جعل القنبلة الذرية ممكنة، شعرت أن حجة معادية للعلم قد بدأت تتشكل.
الاكتشافات النووية حتى الآن لها تطبيقان رئيسان: الأسلحة النووية (القنابل الذرية والهيدروجينية) والطاقة النووية. إذا كنت تعتقد أن الأسلحة النووية لم تجلب للبشر أي “نعمة”، فإن الطاقة النووية أيضًا لن تجلب شيئًا جيدًا للمعارضين لتطويرها. بعيدًا عن كوارث تشيرنوبيل أو فوكوشيما، فإن التلوث المستمر الذي تسببه الطاقة النووية للبيئة حتى في ظل التشغيل العادي، يجعلنا نقول إن الطاقة النووية ليست مفيدة بشكل عام.
إذا اتبعنا هذا المنطق، فإن “مَن بدأ الفكرة” ستمتد من العلماء المخلصين للنازية إلى جميع العلماء الذين ساهموا في الفيزياء النووية في تلك الفترة، بغض النظر عمَّا إذا كانوا مخلصين للنازية أم للعالم الحر. لكن إلى أين سيؤدي هذا التتبع؟ هل سيصبح كل علم ومعرفة واكتشاف واختراع “مَن بدأ الفكرة”؟
ليو بينغ: في الحقيقة، عندما أتحدث عن “مَن بدأ الفكرة”، أنا فقط أصف حقيقة. يمكن أن يكون هذا الوصف محايدًا، لكن الاستنتاجات ستكون مختلفة بناءً على المواقف المختلفة، كما أنك قلت “حجة معادية للعلم قد بدأت تتشكل”. علاوة على ذلك، لقد ذكرت أيضًا قيمة الطاقة النووية، وهي لا تزال موضوعَ نقاشٍ مستمر.
لكن كما هو الحال في تاريخ العلوم، قدمت نقطة بداية تقريبية لاكتشاف علم معين، بدلًا من تتبع كل شيء إلى النار الأولى التي أشعلها البشر. بالنسبة للصراع حول القنبلة الذرية أو الطاقة النووية، فإن تحديد نقطة البداية في الثورة الفيزيائية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هو أمر مقبول نوعًا ما، على الأقل لن يعتقد الناس أنه يمكن اشتقاق قضايا الطاقة النووية من نظرية نيوتن. أمَّا بالنسبة للعلماء المخلصين للنازية وصنع القنبلة الذرية، فكانوا مجرد إحدى القوى التي ساهمت في تسريع هذه الأحداث بعد هزيمة النازية، رغم وجود قوى شريرة أخرى، إلَّا أنَّ العديد من الأسلحة الجديدة استمرت في التطور.
بالطبع، إذا أصررنا على المجادلة بغير منطق، والاستمرار في تتبع الجذور، فبينما قد يكون ذلك منطقيًا، فإنه سيُدخل نقاشًا آخر حول معرفة الإنسان وتأثيراتها الإيجابية والسلبية. وحتى في النقاش المحدود حول أبحاث الطاقة النووية، أليس هذا هو ما تركز عليه العديد من الدراسات المعادية للعلم؟
جيانغ شياو يوان: أعتقد أن الطريقة الأكثر عملية ستكون تحديد “مَن بدأ الفكرة” في أولئك العلماء المخلصين للنازية، بدلًا من الاستمرار في التتبع. على أي حال، قد يكون للطاقة النووية آفاق تطبيقية أكثر، وما إذا كانت هذه الآفاق نعمة أم نقمة لا يزال أمرًا غيرَ مؤكد. استخدام المعرفة لتطوير أسلحة دمار شامل أو أسلحة أكثر فاعلية، مثل القنابل الذرية والهيدروجينية، أو طائرات مسيرة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف الهجوم وتنفيذ الهجمات، هي أعمال شريرة بالفعل، وإذا أدى ذلك إلى تقدم تقني على شاكلة سباق التسلح، فإنهم سيكونون المحرض.
من خلال القصص التي يحكيها “تاريخ القنبلة الذرية”، ليس من الصعب أن ندرك كيف أن “من بدأ الفكرة”، سببَّ الضرر للعالم من جوانب مختلفة، من خلال الكثير من الخلفيات، والقصص، والأرشيفات، والتفاصيل التقنية. من المهم أن نلاحظ أنه في هذه الخلفيات، يمكن للعالم العلمي أن يرى حبًّا للعلم، بينما يمكن أن يرى المعارضون للعلم حكمًا أخلاقيًّا على “مَن بدأ الفكرة”.
ليو بينغ: بغض النظر عن الأغراض أو المواقف، فإن فهم تاريخ حدث تصنيع القنبلة الذرية هو أمر ضروري ومشوق. أعتقد أن “التاريخ السري القنبلة الذرية” يمكن أن يستهدف قراءً من مجالات ومستويات قراءة مختلفة. صحيح أن الكتاب سميك، لكن هذا السُمك له فوائده وقيمته؛ وإلَّا لَمَا أصبح واحدًا من الكلاسيكيات في هذا المجال. فبالتأكيد، الاعتماد على قراءة المعلومات المجزأة من تطبيقات التواصل الاجتماعي لن يسمح بفهم شامل وعميق لحدث مثل تصنيع القنبلة الذرية الذي غيَّر العالم بشكل هائل. لذا، ينبغي أن نقرأ.
(جيانغ شياو يوان أستاذ متفرغ في جامعة شنجهاي جياو تونغ، ورئيس معهد تاريخ العلوم والثقافة العلمية، وليو بينغ أستاذ في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا والمجتمع بجامعة تسينغهوا. هذه المقالة هي الإصدار 169 من سلسلة “نقاشات شمالية وجنوبية” التي تم التخطيط لها بالتعاون بين صحيفة “تشونغوا للقراءة” ودار نشر جامعة شنجهاي جياو تونغ).
[1] وهو مصطلح يشير إلى برنامج الصين النووي وتطويرها لقنبلة ذرية وقنبلة هيدروجينية، بالإضافة إلى إطلاق أول قمر صناعي لها.
