القائمة الرئيسية

مشروع الجينوم الحيوي للأرض: بناء مكتبة رقمية لحياة الكوكب

مشروع الجينوم الحيوي للأرض: بناء مكتبة رقمية لحياة الكوكب
ملخص المقال

يُعد فقدان التنوع البيولوجي ظاهرة تتسارع بوتيرة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، إذ تُدفع آلاف الأنواع نحو حافة الانقراض، مما يهدد النظم البيئية التي يعتمد عليها الإنسان في الغذاء والصحة والاقتصاد.

[post-views]

ملخص: يتناول هذا المقال مشروع الجينوم الحيوي للأرض (EBP) الذي يسعى إلى إنشاء مكتبة رقمية شاملة للحياة عبر تسلسل الحمض النووي لجميع الكائنات الحية حقيقية النواة على الكوكب. يوضح المقال كيف تحوّل المشروع إلى مبادرة علمية عالمية تضم آلاف الباحثين من عشرات الدول، مستعرضًا إنجازاته في إنتاج آلاف الجينومات عالية الجودة وتطوير أدوات علمية جديدة. كما يناقش التحديات التي تواجهه، من الجوانب التقنية والبيئية إلى ضمان العدالة في مشاركة المنافع، ويبرز في الوقت نفسه رؤيته الطموحة لبناء “سفينة جينومية” تحفظ التنوع البيولوجي للأرض وتفتح آفاقًا جديدة للطب والزراعة والتكنولوجيا الحيوية والتنمية المستدامة.

  • تتسارع وتيرة فقدان التنوع البيولوجي بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية، مما يهدد الأمن الغذائي وصحة الإنسان والاستقرار الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.
  • حتى الآن، لم يتم تحليل سوى نحو 1٪ فقط من الحمض النووي لجميع الحيوانات والنباتات والفطريات والكائنات الأولية المعروفة، مما يترك فجوة معرفية كبيرة حول كيفية تكيف الأنواع مع بيئاتها.
  • يهدف مشروع الجينوم الحيوي للأرض (EBP) إلى سد هذه الفجوة المعرفية والمساهمة في دفع التقدم في مجالات حماية البيئة والزراعة والطب والتكنولوجيا الحيوية.

يُعد فقدان التنوع البيولوجي ظاهرة تتسارع بوتيرة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، إذ تُدفع آلاف الأنواع نحو حافة الانقراض، مما يهدد النظم البيئية التي يعتمد عليها الإنسان في الغذاء والصحة والاقتصاد.

ورغم خطورة الوضع، لم يتمكن العلماء حتى اليوم من تسلسل الحمض النووي إلا لما يقارب 1٪ فقط من الكائنات حقيقية النواة المعروفة — وتشمل الحيوانات والنباتات والفطريات والكائنات الأولية — وهو ما يحد من قدرتنا على فهم كيفية تكيف الأنواع، وكيف تعمل النظم البيئية، وكيف تساهم التنوعات الجينية في تعزيز قدرة الكائنات على الصمود أمام التغيرات البيئية.

يُعد مشروع الجينوم الحيوي للأرض بمثابة “رحلة بيولوجية نحو القمر”، تهدف خلال العقد القادم إلى إنتاج جينومات مرجعية عالية الجودة لجميع الأنواع الحقيقية النواة المُسماة على كوكب الأرض، والتي يُقدّر عددها بنحو 1.67 مليون نوع.

وكما أوضح تقريرنا المنشور في مجلة Frontiers in Science لعام 2025، فإن إنشاء مكتبة رقمية شاملة للحياة سيفتح آفاقًا جديدة للتقدم في حماية الأنواع المهددة، وتطوير الزراعة المستدامة، وتحسين الطب، ودفع الابتكار في التكنولوجيا الحيوية.

صورة: Frontiers in Science
يهدف مشروع الجينوم الحيوي للأرض إلى تسلسل الجينوم لجميع الكائنات حقيقية النواة المُسماة على كوكب الأرض.

بناء الأسس
منذ انطلاقه عام 2018 وخلال مرحلته الأولى، وضع مشروع الجينوم الحيوي للأرض (EBP) المعايير العلمية والأطر الأخلاقية، وطور أنظمة لتبادل البيانات تضمن وصولاً مفتوحًا وعادلًا للجميع.

تطور المشروع ليصبح تعاونًا عالميًا يضم أكثر من 2200 عالم في 88 دولة، ويشمل مبادرات وطنية وإقليمية ومشروعات تركز على مجموعات محددة من الكائنات. ما كان يومًا جهودًا صغيرة ومعزولة لتسلسل الجينوم أصبح اليوم مشروعًا عالميًا واسع النطاق وشاملًا للجميع.

حتى الآن، جمع المشروع أكثر من 4300 جينوم عالي الجودة يغطي أكثر من 500 عائلة من الكائنات الحقيقية النواة. وقد كشفت النتائج الأولى عن رؤى جديدة حول تطور الكروموسومات في الفراشات والعث، وكذلك تكيف حيوان الرنة القطبي مع البيئات القاسية.

كما ساهم هذا العمل في تطوير أدوات علم التنوع البيولوجي، مثل تقنيات الحمض النووي البيئي (eDNA) التي تتيح الكشف عن الأنواع من خلال الآثار الجينية التي تتركها في البيئة.

توسيع نطاق التسلسل في المرحلة الثانية
مع تسارع فقدان التنوع البيولوجي عالميًا، تزداد الحاجة إلى تسريع الجهود. يدخل المشروع الآن مرحلته الثانية، التي ستمتد حتى عام 2030.

الهدف هو جمع 300,000 عينة وتسلسل جينومات 150,000 نوع خلال أربع سنوات، أي إنتاج 3,000 جينوم مرجعي عالي الجودة شهريًا — وهو معدل يفوق الحالي بأكثر من عشر مرات.

ولتحقيق هذا الطموح، يعتمد المشروع على ثلاث ركائز أساسية:

  1. العينات التكيفية: إعطاء الأولوية للأنواع الحيوية لصحة النظم البيئية والأمن الغذائي ومكافحة الأمراض وحماية المجتمعات المحلية والأصلية.

  2. أعلى جودة للجينوم: ضمان أن تلبي أكبر نسبة ممكنة من الجينومات المعايير المرجعية الصارمة.

  3. شراكات عالمية عادلة: إذ تتركز معظم ثروات التنوع البيولوجي في الجنوب العالمي، وستُدار نسبة كبيرة من عمليات التسلسل والتحليل من قبل شركاء في تلك المناطق.

الابتكار عنصر أساسي في الخطة. ومن أبرز المقترحات نشر مختبرات متنقلة تُعرف باسم “gBoxes” — وهي منشآت تسلسل جيني مدمجة داخل حاويات شحن، تتيح للعلماء المحليين والأصليين إنتاج بيانات جينية عالية الجودة في مواقعهم مباشرة، دون الحاجة إلى نقل العينات للخارج، وبذلك تُسهم في بناء قدرات علمية محلية مستدامة.

صورة: Frontiers in Science
مختبرات الجينوم المحمولة “Genome labs in a box” تمكّن العلماء المحليين والأصليين من إنتاج بيانات جينومية عالية الجودة في بيئاتهم المحلية.

التحديات التي تواجه مشروع الجينوم الحيوي للأرض
تُعد المرحلة الثانية من مشروع الجينوم الحيوي للأرض (EBP) مهمة ضخمة تتضمن تحديات هائلة، إذ إن جمع ومعالجة عينات من 300,000 نوع يمثل عقبة لوجستية معقدة تتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق والالتزام الصارم بالمعايير الأخلاقية والقانونية.

ولمواكبة هذا الطموح، يجب أن تصبح تقنيات تسلسل الجينوم أسرع وأرخص وأكثر اعتمادًا على الأتمتة. كما أن عملية الترميز (Annotation) — أي تفسير المعاني البيولوجية لتسلسلات الحمض النووي — تُعد من أكثر المراحل استهلاكًا للوقت، ما يستدعي تطوير أساليب حسابية جديدة.

يحتاج هذا المشروع إلى قدرات حوسبة هائلة، وهو ما يفرض تكلفة بيئية عالية بسبب استهلاك الطاقة. لذلك، يتضمن المشروع خططًا لتقليل بصمته البيئية من خلال توحيد أساليب العمل، واعتماد المنصات السحابية، وتطبيق مبدأ “احسب مرة، واستخدم مرارًا” في تحليل البيانات.

ويُعد تحقيق العدالة والإنصاف تحديًا أساسيًا آخر، إذ يلتزم المشروع بمبادئ الوصول العادل وتقاسم المنافع المنصوص عليها في بروتوكول ناغويا وإطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي. كما يشارك الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، التي تدير جزءًا كبيرًا من التنوع البيولوجي العالمي، كشركاء فاعلين في تحديد الأولويات وإدارة البيانات.

ورغم أن تسلسل هذا العدد الهائل من الأنواع يبدو مكلفًا، إلا أن التطور التكنولوجي ساهم في خفض التكاليف بشكل كبير. فقد بلغ متوسط تكلفة الجينوم الواحد في المرحلة الأولى حوالي 28,000 دولار، بينما تهدف المرحلة الثانية إلى خفض التكلفة إلى نحو 6,100 دولار للجينوم الواحد.

ويُقدر إجمالي تكلفة المشروع بنحو 4.42 مليار دولار على مدى عشر سنوات، تشمل صندوق تأثير تأسيسي بقيمة 0.5 مليار دولار مخصصًا للتدريب والبنية التحتية والبحث التطبيقي في الجنوب العالمي.

وللمقارنة، بلغت تكلفة مشروع الجينوم البشري حوالي 6 مليارات دولار بأسعار اليوم، في حين كلف تلسكوب جيمس ويب الفضائي أكثر من 11 إلى 12 مليار دولار. لذا، فإن مشروع الجينوم الحيوي للأرض يُعد استثمارًا عالميًا ذا قيمة استثنائية بالنظر إلى فوائده المستدامة.

بناء “سفينة جينومية رقمية” لكوكب الأرض
في حال نجاحه، سيُنتج المشروع مكتبة جينومية غير مسبوقة، تُعيد صياغة فهمنا للتطور ووظائف النظم البيئية والتنوع البيولوجي، وتُشكل الأساس لاستراتيجيات فعّالة في الحفاظ على البيئة، والابتكار الزراعي، والاكتشافات البيوتكنولوجية.

ستُعزز هذه التطورات قدرة المجتمعات على التصدي للأمراض الناشئة والتكيف مع تغير المناخ، بينما يضمن الهيكل الشامل للمشروع توزيع الفوائد بشكل عادل.

ومن خلال الاستثمار في القدرات المحلية والتركيز على الأنواع ذات الأهمية البيئية والثقافية، يسعى المشروع إلى بناء اقتصاد حيوي عالمي قائم على المعرفة بالتنوع البيولوجي.

إن البيانات الجينومية الناتجة عن هذا المشروع ستُمكّن من حلول محلية مستدامة، وتُعزز المرونة العالمية، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة.

وعلى مدى العقود القادمة، سيعمل مشروع الجينوم الحيوي للأرض كـ “سفينة جينومية للأرض”، تضمن فهم الأسس البيولوجية للحياة على كوكبنا، وحمايتها، وإتاحتها للجميع.

المصدر

مقالات ذات صلة