ملخص: يناقش هذا المقال كيف أصبحت التقنيات الرقمية والذكاء الصناعي والطاقة الذكية عناصر أساسية لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، حيث يوضح أن تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وبناء بنية تحتية رقمية متطورة يمكن أن يساهم في تسريع إزالة الكربون وتحقيق توازن بين الاستدامة والربحية الاقتصادية، مشيرًا إلى أن قمة COP30 في البرازيل تمثل فرصة لتوحيد الطموح المناخي مع القدرات الرقمية لجعلها قمة تُحدث تأثيرًا ملموسًا في مسار العمل المناخي العالمي.
بعد مرور عشر سنوات على اتفاق باريس، ما زال تحقيق الأهداف المناخية الواردة في المعاهدة الأممية يمثل تحديًا كبيرًا. ومع ذلك، فإن الذكاء الرقمي سيؤدي دورًا حاسمًا في إزالة الكربون وبناء أنظمة طاقة أكثر مرونة وذكاءً للمستقبل. كما تمثل قمة المناخ COP30 في البرازيل فرصة لتعزيز التوافق بين الطموح المناخي والقدرات الرقمية والاستراتيجيات المناخية.
عند التأمل في الالتزامات المناخية التي نصّ عليها اتفاق باريس، قد يكون من السهل الشعور بالإحباط. فبعض الانبعاثات انخفضت، مثل الاتحاد الأوروبي الذي خفّض انبعاثاته بنسبة تقارب 40% منذ عام 1990، كما تجاوزت الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة ضعف تلك الموجهة للوقود الأحفوري. ومع ذلك، من المرجح أن يصل العالم إلى ذروة انبعاثات الكربون هذا العام، مما يجعل الطريق نحو الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية أكثر صعوبة.
لم يكن الطريق سهلاً منذ البداية. فمع توقيع 195 دولة على الاتفاق في عام 2015، كان واضحًا أن التحديات كبيرة. لكن هناك أسبابًا تدعو للتفاؤل، أبرزها تسارع وتيرة التحول الكهربائي الذي أصبح القوة الدافعة وراء الانتقال الطاقي العالمي.
كما أن الإرادة في تحقيق إزالة الكربون على نطاق واسع تزداد، وهو ما يظهر جليًا في الرسالة المفتوحة لقادة الشركات في المنتدى الاقتصادي العالمي. ويؤمن قادة التكنولوجيا في مجال الطاقة أن الذكاء الرقمي هو المفتاح لتسريع التقدم وضمان بناء أنظمة طاقة أكثر مرونة واستدامة.
الطاقة المتجددة: أسرع الطرق لتوليد قدرات جديدة
تتجلى ملامح هذا التقدم في قطاع الطاقة، حيث أصبحت الطاقة المتجددة الوسيلة الأسرع والأكثر كفاءة من حيث التكلفة لإضافة قدرات توليد جديدة. ففي المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ارتفعت حصة الطاقة المتجددة بنسبة تقارب 50% منذ توقيع اتفاق باريس، كما تتسارع هذه الوتيرة في مناطق أخرى مثل الهند وأمريكا الشمالية بفضل توسع محطات الكتلة الحيوية.
تسهم الشبكات الكهربائية المعتمدة على الطاقة المتجددة أيضًا في تحفيز الابتكار الصناعي. فعلى سبيل المثال، تستخدم شركة UK Power Networks الذكاء الاصطناعي الصناعي لتحليل أكثر من 4 مليارات نقطة بيانات يوميًا لإدارة التعقيد المتزايد في الشبكات منخفضة الكربون.
وفي الوقت نفسه، تطور شركة Highview Power حلول تخزين طاقة تجمع بين الرياح وتقنية التبريد بالهواء السائل لتعزيز مرونة الشبكة البريطانية. أما في المغرب، فيعد مجمع نور للطاقة الشمسية من أكبر المشاريع في العالم بطاقة تكفي لتزويد أكثر من مليون منزل بالكهرباء.
الخطوة التالية هي ربط الشبكات العالمية، وزيادة إنتاج الطاقة المتجددة، وتعزيز مرونة جانب الطلب. فهذه القدرات ضرورية لبناء نظام كهربائي منخفض الكربون على نطاق واسع.
البنية التحتية الرقمية: أساس إزالة الكربون
أحد أهم العقبات أمام التقدم نحو شبكات منخفضة الكربون هو ضعف البنية التحتية الرقمية في العديد من الدول. فقد كشفت حالات انقطاع الطاقة الواسعة مثل الانقطاع الذي أصاب شبه الجزيرة الإيبيرية عن هشاشة الأنظمة الحالية.
كما أوضحت تلك الحوادث أنه رغم وجود ابتكارات واعدة، لن يتحقق صافي الانبعاثات الصفرية دون استثمارات ضخمة. والخبر الجيد أن الحكومات والشراكات الخاصة بدأت تتدخل لتوفير التمويل اللازم.
وسيكون تمويل المناخ من المحاور الأساسية لمفاوضات قمة الأمم المتحدة القادمة COP30 في البرازيل، ضمن خطة "من باكو إلى بيلم" التي تبلغ قيمتها 1.3 تريليون دولار.
وهذه ليست سوى البداية، إذ تشير التقديرات العالمية إلى أن العالم يحتاج إلى نحو 9.2 تريليون دولار سنويًا للتحول نحو الحياد الكربوني. ومع ذلك، بدأت الأموال تتدفق بالفعل. ففي المملكة المتحدة، أعلنت National Grid عن استثمار 60 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس القادمة لتحديث البنية التحتية رقمياً. أما في الاتحاد الأوروبي، فتصل الاستثمارات المتوقعة إلى 2.3 تريليون يورو خلال العقد المقبل، سيخصص نصفها تقريبًا لتحديث شبكات النقل والتوزيع.
لكن هذه الاستثمارات تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها، بينما تستمر درجات الحرارة في الارتفاع. لذا من الضروري دمج التقنيات الطاقية والرقمية لتسريع الأثر وتحقيق نتائج ملموسة.
كيف تعزز الرقمنة الربحية والاستدامة معًا
هذه الابتكارات ليست مفيدة للكوكب فحسب، بل تحقق أيضًا قيمة اقتصادية مباشرة.
فعلى سبيل المثال، استثمرت شركة Dominion Energy، وهي من أكبر شركات الطاقة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في شبكة رقمية لحظية تتيح دمج الطاقة المتجددة بسرعة.
باستخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي، يمكن للفِرق محاكاة الطلب وموازنته مع الإنتاج المتقلب للطاقة المتجددة بزمن استجابة لا يتجاوز ثماني ثوانٍ.
كما يمكّن الإطار الرقمي الموحد للشركة من الصيانة الاستباقية، واكتشاف الأعطال بسرعة، وتسهيل التقارير البيئية، مما يحسن الكفاءة التشغيلية والموثوقية.
وفوق ذلك، يستطيع عملاء Dominion الاطلاع على مصدر الطاقة المستهلكة واستخدام هذه البيانات لإثبات التزامهم بالحياد الكربوني أمام المستثمرين والجهات الرقابية.
ومع تزايد القيود المناخية، يتوقع أن يزداد التقاطع بين الرقمنة والكهرباء والربحية.
يشير مثال Dominion إلى نقطة مهمة: رغم أن بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي تستهلك طاقة كبيرة، إلا أن الذكاء الصناعي يمكن أن يكون كفؤًا في استخدام الطاقة ويسهم في خفض الانبعاثات.
وهذا ما نراه أيضًا في قطاع التصنيع، حيث اعتمدت شركة Michelin نهجًا قائمًا على تحليل البيانات لإدارة الطاقة، مما أدى إلى تقليل استهلاكها بنسبة تصل إلى 16% عبر مصانعها.
نحو "موتيراو" صناعي في قمة COP30
تركز مفاوضات قمة COP30 على إيجاد توازن بين جهود إزالة الكربون ومتطلبات النمو الاقتصادي والتنمية.
وسيلعب الذكاء الرقمي والتقنيات الطاقية دورًا محوريًا في تحقيق هذا التوازن، إلى جانب العمل الجماعي الذي يجسده مفهوم "موتيراو" – وهو مفهوم برازيلي أصيل يشير إلى التعاون المجتمعي من أجل الصالح العام.
ومع وضوح أجندة المفاوضات، يمكن تحديد مجموعة من المبادئ الرئيسية لتحقيق تقدم ملموس:
الرقمنة تمكّن إزالة الكربون على نطاق واسع:
التعاون بين الدول والقطاعات وحتى المنافسين يمكن أن يسهم في بناء أنظمة منخفضة الكربون. ويجسد مبادرة المنتدى الاقتصادي العالمي لتحويل المناطق الصناعية مثالًا عمليًا لهذا النوع من التعاون.الدمج بين العالمي والمحلي:
يجب الاستفادة من أفضل التقنيات العالمية لضمان السرعة، مع تكييفها وفق السياق المحلي للاستفادة من نقاط القوة والنجاحات القائمة.التسريع في التنفيذ:
لدينا اليوم 90% من التقنيات المطلوبة لمواجهة الأزمة المناخية، لكن التحدي الحقيقي هو تسريع نشرها وتطبيقها. ويقع على عاتق الصناعة قيادة هذا التحول في مجالات الكهرباء والرقمنة وإزالة الكربون.
بعد عشر سنوات من اتفاق باريس، تمثل قمة COP30 فرصة حقيقية لتوحيد الطموح مع القدرات الرقمية والاستراتيجية المناخية.
