القائمة الرئيسية

كيف يمكن للانتقال الطاقي في إفريقيا أن يُحرر القارة من لعنة الموارد؟

كيف يمكن للانتقال الطاقي في إفريقيا أن يُحرر القارة من لعنة الموارد؟
ملخص المقال

المسألة هنا تتجاوز جيلاً واحداً، فهناك أكثر من 360 مليون شاب إفريقي سيدخلون سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة. وإذا لم تُتخذ إجراءات جريئة، فإن أكثر من نصفهم قد يجدون أنفسهم خارج سوق العمل، رغم أن قارتهم تجلس فوق المعادن التي تُعدّ العمود الفقري لتقنيات الطاقة النظيفة التي يُفترض أن تقود صناعات القرن الحادي والعشرين.

[post-views]

ملخص: تتناول هذه المقالة كيف يمكن لإفريقيا أن تحوّل ثرواتها المعدنية من لعنة إلى فرصة عبر الانتقال الطاقي العادل، موضحةً أن القارة تمتلك أهم المعادن اللازمة للطاقة النظيفة لكنها مهددة بتكرار أخطاء الماضي إذا لم تُستثمر محلياً. وتعرض الدراسة ستة مسارات لتحقيق تحول حقيقي يخلق ملايين الوظائف للشباب، من تمكين المجتمعات المحلية وتطوير البنية التحتية إلى إدماج النساء وتعزيز المحتوى المحلي، مع التحذير من مخاطر الاستغلال البيئي والإقصاء الاجتماعي، مؤكدة أن العدالة المناخية تبدأ من تحويل ثروات إفريقيا إلى تنمية مستدامة وفرص عمل عادلة.

  • تُعدّ الثروات المعدنية الإفريقية أساسية للانتقال العالمي نحو الطاقة النظيفة، غير أن تاريخ الاستغلال السابق قد يعيد نفسه إذا لم تستفد الاقتصادات المحلية من هذه الثروات.
  • تشير دراسة جديدة للبنك الدولي إلى المخاطر البيئية والاجتماعية المحتملة إذا استُنزفت هذه الثروات دون مردود محلي.
  • كما تقدّم الدراسة ستة مسارات لضمان أن تُسهم هذه الموارد في خلق ملايين فرص العمل التي يحتاجها الشباب الأفارقة خلال العقد القادم.

على مدى عقود، شكّلت الثروات المعدنية الإفريقية مفارقة صارخة: ثراء هائل تحت الأرض يقابله فقر على سطحها. واليوم، ومع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، أصبحت إفريقيا في قلب مشهد إزالة الكربون العالمي. إذ تمتلك القارة 75% من احتياطي الكوبالت العالمي، و68% من المنغنيز، و59% من الغرافيت. لكن دون خطوات مدروسة، قد يتكرر التاريخ مرة أخرى: استخراج للثروات دون أن تعود بالنفع على الاقتصادات المحلية، مما يعمّق فجوة اللامساواة.

المسألة هنا تتجاوز جيلاً واحداً، فهناك أكثر من 360 مليون شاب إفريقي سيدخلون سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة. وإذا لم تُتخذ إجراءات جريئة، فإن أكثر من نصفهم قد يجدون أنفسهم خارج سوق العمل، رغم أن قارتهم تجلس فوق المعادن التي تُعدّ العمود الفقري لتقنيات الطاقة النظيفة التي يُفترض أن تقود صناعات القرن الحادي والعشرين.

عصر جديد لقوة الموارد

لم تعد المسألة مجرد "طفرة سلعية" قد تنتهي قريباً. فالطلب على معادن الانتقال الطاقي سيتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2030 وأربع مرات بحلول 2040، مدفوعاً بالتحول الهيكلي نحو إزالة الكربون والضغوط المناخية المتزايدة.

تُظهر دراسة البنك الدولي، التي شملت بلدان شرق وجنوب إفريقيا (منها بوروندي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ملاوي، جنوب إفريقيا، وزامبيا)، أن هذا التحول قد يتحول إلى موجة جديدة من الاستخراج دون تنمية حقيقية إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة. وتطرح الدراسة في المقابل مسارات عملية لتفادي هذا السيناريو.

ستة مسارات لتحويل المعادن إلى وظائف في إفريقيا

تهدف الدراسة إلى تمكين الثروات المعدنية من خلق 211 مليون وظيفة يحتاجها الشباب الإفريقي خلال العقد القادم من خلال:

  1. تمكين المجتمعات من المشاركة في اتخاذ القرار
    وضع أطر قانونية ملزمة تضمن للمجتمعات المتأثرة بالأنشطة التعدينية دوراً فعلياً في القرارات، بما يشمل الالتزامات الوظيفية، وبرامج التدريب، وآليات لتقاسم الفوائد. كما يجب دعم منظمات المجتمع المدني لتمكين السكان المحليين من الدفاع عن حقوقهم في التشغيل والمشاركة الاقتصادية.

  2. استثمارات استراتيجية في البنية التحتية
    الاستثمار في الطاقة المتجددة والممرات اللوجستية (مثل خط سكة حديد لوبـيتو الأطلسي) والمناطق الصناعية التي تخدم عمليات التعدين والمجتمعات المحيطة بها على حد سواء.

  3. تطوير قوى عاملة شاملة
    تصميم برامج تدريب فني بالشراكة مع القطاع الصناعي لتتناسب مع متطلبات الوظائف الفعلية. وتنجح البرامج الأكثر فعالية عندما تجمع بين التعليم النظري والتدريب العملي وفرص التوظيف المباشر. يجب أن تراعي هذه المبادرات التحديات التي تواجه النساء والشباب والفئات المهمشة، مع إنشاء آليات متابعة ومساءلة لضمان التطبيق الفعلي.

  4. إضفاء الطابع الرسمي على التعدين الحرفي لحماية سبل العيش
    بدلاً من تجريم العاملين في التعدين التقليدي، يجب توفير مسارات حقيقية لتقنين عملهم عبر تراخيص ميسّرة، ومناطق مخصصة، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الرسمية، إضافة إلى الدعم الفني والمالي، مع ضمان إدماج النساء في هذه العمليات.

  5. تعزيز قدرات الحوكمة بما يتناسب مع الطموح
    تقوية الهيئات الرقابية عبر تزويدها بالأدوات والتدريب والموارد اللازمة للمراقبة المستقلة، إلى جانب تطبيق آليات الشفافية من خلال نشر العقود والعائدات وملكية الشركات المستفيدة.

  6. سياسات فعّالة للمحتوى المحلي
    تبنّي استراتيجيات مشتريات موجّهة تشجع الشركات على التعامل مع الموردين المحليين، خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وينبغي أن تشمل هذه الاستراتيجيات برامج تطوير للموردين، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وبناء القدرات على المعايير الصناعية، مع التركيز على إشراك النساء ورواد الأعمال من الفئات المهمشة.

نقاط ضغط حرجة قد تعرقل الانتقال الطاقي

تحذر الدراسة من ستة تحديات رئيسية إذا لم تُتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة:

  1. تكاليف بيئية واجتماعية متزايدة
    رغم أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة يتطلب معادن أساسية، إلا أن استخراجها قد يؤدي إلى أضرار بيئية جسيمة، مثل تدهور الأراضي، ونقص المياه، والتلوث، وفقدان التنوع البيولوجي. كما قد تنتج عنه تكاليف اجتماعية مثل تهجير السكان، وتعطيل سبل العيش، وانتهاك حقوق الإنسان، خاصة عندما تُتجاهل هذه القضايا تحت ذريعة "الاستعجال المناخي".

  2. مأزق العمالة: التعدين الصناعي مقابل الحرفي
    يعتمد ملايين الأفارقة على التعدين الحرفي كمصدر رزق، إلا أن الحكومات والمستثمرين الدوليين يميلون إلى تفضيل المشاريع الكبرى باعتبارها أكثر توافقاً مع معايير الاستدامة، رغم أنها توفر فرص عمل أقل بكثير. والنتيجة: توترات اجتماعية وفرص مهدورة.

  3. فجوة القيمة المضافة
    تُصدّر إفريقيا المواد الخام وتستورد المنتجات النهائية مثل البطاريات. يتطلب تجاوز هذه الحلقة تطويراً متوازياً للبنية التحتية، والتعليم التقني، والسياسات الصناعية. تسعى زامبيا والكونغو لإنشاء مصانع لمكونات البطاريات، فيما تملك جنوب إفريقيا قاعدة صناعية مؤهلة. غير أن الوقت يضيق، إذ إن العقود الطويلة التي تُوقّع اليوم مع الشركات العالمية ستحدد ما إذا كانت إفريقيا ستصعد في سلسلة القيمة أو تبقى مجرد مصدر للمواد الخام.

  4. فجوات المهارات والتدريب
    تتزايد الوظائف، لكن تبقى الشواغر دون شغل بسبب نقص المهارات المحلية. فبرامج التدريب المهني لا تتماشى غالباً مع احتياجات السوق. بدون استثمار فعلي في التعليم الفني الموجّه نحو القطاعات الحيوية، سيظل الاعتماد على العمالة الأجنبية قائماً رغم الوعود بالتشغيل المحلي.

  5. الإقصاء المنهجي للفئات المهمشة
    لا تزال مشاركة النساء والفئات الضعيفة محدودة. ففي جنوب إفريقيا تشكل النساء 12-13% فقط من القوة العاملة في قطاع التعدين ويتقاضين أجوراً تقل بـ40% عن الرجال. وفي الكونغو الديمقراطية لا تتجاوز نسبتهم 4%. كما يواجه المهاجرون والسكان الأصليون والأشخاص ذوو الإعاقة قيوداً قانونية ومؤسساتية تمنعهم من المشاركة الكاملة.

  6. مجتمعات بلا صوت
    غالباً ما تُجرى مشاورات التعدين دون إشراك فعلي للسكان المتأثرين. ففي منطقة البلاتين بجنوب إفريقيا، استُبعدت النساء والشباب وسكان المزارع من المشاورات، رغم أنهم الأكثر تضرراً. وفي زامبيا، يتفاوض بعض الزعماء التقليديين دون الرجوع إلى المجتمع، مما يؤدي إلى اتفاقيات لا تلبي احتياجات السكان المحليين في التوظيف والتنمية.

الخيار الحاسم أمام إفريقيا

يدرك القطاعان العام والخاص اليوم أن الطريق الأسرع نحو سلاسل توريد مستقرة يمرّ عبر شراكات حقيقية مع المجتمعات المحلية تحقق نتائج ملموسة: وظائف محلية، تدريب مهني، تطوير للموردين، وفرص اقتصادية عادلة.

بين عامي 2021 و2023، أدت الاحتجاجات إلى تعطيل 334 موقعاً تعدينياً في مشروعات النحاس والكوبالت والليثيوم والنيكل، مما يبرز أن "الرخصة الاجتماعية" للعمل أصبحت الآن أقوى من أي وقت مضى.

لقد حان الوقت لإثبات أن العمل المناخي والعدالة الاجتماعية يسيران معاً. يجب ألا تقتصر موارد إفريقيا على تغذية مستقبل أخضر للعالم، بل أن تبني مستقبلاً أخضر وعادلاً لشعوبها أيضاً.
فلنجعل التحول الأخضر تحوّلاً عادلاً بحق – وظيفة لائقة، صفقة منصفة، ومجتمع محلي مُمكّن في كل خطوة من الطريق.

المصدر

مقالات ذات صلة