ترجمة: نواف الأحمري
- القلق بشأن "فقدان الوظائف"
في السنوات العشر الأخيرة، أثارت تطورات التقنيات الحديثة، مثل: إنترنت الهاتف المحمول، والذكاء الاصطناعي، الميتافيرس، والذكاء الاصطناعي التوليدي، كثيرًا من الجدل بشأن تأثيراتها في المجتمع، كذلك أثارت اهتمام معظم فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية تقريبًا. القضايا التي كانت من اختصاص فلسفة التكنولوجيا، وغيرها من التخصصات الثانوية(STS) ، وأخلاقيات التكنولوجيا وسياساتها، أصبحت الآن محط اهتمام مجالات أوسع، مثل: الاقتصاد، والإعلام، والإدارة، والقانون، والاجتماع، والأدب، وغيرها من فروع الفلسفة. من جهة يعكس هذا التغير أهمية بحوثنا، لكن من جهة أخرى، يثير المخاوف بشأن فقدان الوظائف. فبالمقارنة، تحظى المجالات الأخرى بموارد وتأثير أكبر بكثير من مجال فلسفة التكنولوجيا.
من هنا يظهر سؤال جوهري: ما الجوانب المميزة والفريدة في بحوث فلسفة التكنولوجيا وسط هذا التنافس الشديد؟ ولماذا لا نسند مسؤولية إدارة أخلاقيات التكنولوجيا لزملائنا في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أو حتى لعلماء الطبيعة؟ كما هو معلوم، بات هذا الاتجاه سائدًا في أماكن عدة. صحيح أن مجال أخلاقيات التكنولوجيا الآن يحظى بشعبية كبيرة، لكن إذا أردنا الحفاظ على استمراره، ينبغي لنا بذل جهود حقيقية لإنتاج بحوث معترف بها اجتماعيًّا، وليس الاكتفاء بنشر مقالات قليلة فحسب.
إحدى المسائل المطروحة هنا: ما النماذج البحثية التي ينبغي تبنيها؟ وما الأهداف التي ينبغي تحقيقها؟ نشرنا مؤخرًا مقالًا في مجلة الأخلاق والحضارة يناقش منهجيات دراسة أخلاقيات الخوارزميات، إذ لخصنا ثلاثة نماذج بحثية أساسية: النموذج المعياري، والنموذج البنيوي، والنموذج النقدي. يحاول النموذج المعياري تطبيق معايير أخلاقية للتحكم في تطور الذكاء الاصطناعي، في حين يركز النموذج البنيوي على بنية الموضوع البحثي ووظائفه، ويستند النموذج النقدي إلى التأمل الفلسفي، الذي غالبًا ما ينتقد ما هو قائم. تختلف المناهج باختلاف التخصصات؛ فمثلًا، تستخدم علوم الاتصال عادةً النموذج البنيوي والوظيفي. قبل أيام، قدمت بنغ لان من جامعة رينمين رؤية حول العلاقة بين الإنسان والآلة في عصر الذكاء الاصطناعي، وركزت على بنية هذه العلاقة وكيفية تحسين وظائفها. أما من جانبي، فأرى أنه ينبغي أن نمزج بين نماذج بحثية عدّة في السياق الصيني.
ناقشنا أيضًا العلاقة بين الإنسان والآلة من منظور مختلف. هذا الموضوع جزء من مقال على وشك أن يصدر، مخصص لمجلة Global Media Journal التابعة لجامعة تسينغهوا، ويستند على "نظرية الاختيار في التحكم التكنولوجي" التي طرحتها.
بصرف النظر عن ذلك، ينبغي ألّا تتحول أخلاقيات التكنولوجيا إلى "نقد شامل" على طريقة هايدغر، أي إلى رفض كامل للتكنولوجيا، هذا غير مقبول، كما هو غير صحيح. في ظل الأوضاع الحالية في الصين، ومع تصاعد التنافس التكنولوجي العالمي، من المؤكد أن التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي(GAI) ، ستستمر في التطور. ما ينبغي لنا التفكير فيه هو كيفية توجيه هذا التطور ليكون أكثر أخلاقية وقبولًا اجتماعيًّا بدرجةٍ أكبر، بدلًا من محاولة تقييد التكنولوجيا ومنعها من أداء وظائف معينة. كذلك يعتقد بعضهم أن أخلاقيات التكنولوجيا تعني التحكم في التكنولوجيا ومنعها من إجراء هذا أو ذاك، لكن هذا الاعتقاد به خلل.
فماذا نفعل؟ طرح السيد مي سؤالًا: "ماذا يمكننا أن نقدم للعالم؟" وكما قال دوان وي وين: لا تتعلق إدارة أخلاقيات التكنولوجيا بدمج التكنولوجيا في الأخلاق، بقدر ما تتعلق بدمج الأخلاق في التكنولوجيا. أرى أن الموقف الأساس ي مهم جدًّا، وأدعو إلى فلسفة التكنولوجيا ا لعملية التي تتضمن: 1. التوجه نحو التكنولوجيا، ينبغي أن نفهم التقنيات الحديثة بعمق، لأن الحديث عن أخلاقيات التكنولوجيا من دون إلمام حقيقي بالتكنولوجيا نفسها لن يكون له تأثير. من هذا المنظور، ينبغي ألّا تُختزل أخلاقيات التكنولوجيا بوصفها فرعًا من فروع الأخلاق. 2. التوجه نحو التطبيق، أي بمعنى آخر، التوجه نحو التشغيل. بدلًا من مناقشة موضوعات قديمة مثل الذاتية والوجودية، ينبغي تقديم توصيات عملية قابلة للتنفيذ. ويُفضّل أيضًا التعاون مع المهندسين وصناع السياسات والجمهور لإجراء “أعمال ميدانية” من أجل تحقيق تأثير ملمو س.
- الثورة الذكية وتاريخ تطور الآلات
نبدأ بتحديد المراحل التاريخية الأربع لتطور الآلات، وهي مراحل معروفة: مرحلة الأدوات اليدوية، ومرحلة الآلات الميكانيكية، ومرحلة الآلات الآلية، وأخيرًا مرحلة الآلات الذكية. ما تزال الآلات الذكية في بداياتها؛ فمن جهة، تتطور بسرعة فائقة، ومن جهة أخرى، بدأت تكسر الحواجز الفاصلة بين الإنسان والآلة، إذ تتجه علاقة الإنسان بالآلة نحو التفاعل والاندماج في الواجهات الفيزيائية، والتعايش والتكامل على المستوى الروحي.
حاليًّا، ما يزال الذكاء الاصطناعي في مرحلة مبكرة من تطوره، لكن ما الذي سيحدث لعلاقة الإنسان بالآلة عندما يصل إلى مرحلة النضج؟ لدى الناس آراء وتصورات مختلفة. أما أنا، فلدي فكرة بشأن ما أسميه "حجاب الجهل بالذكاء الاصطناعي" أو "حجاب الجهل الجديد بالذكاء الاصطناعي". بمعنى ما، أدى ظهور الذكاء الاصطناعي إلى وضع البشرية أمام "ستار جهل جديد"، إذ لا نعرف نتائج التطور المشترك بين الإنسان والآلة، ومع ذلك يتعين علينا اتخاذ القرارات. في الفلسفة السياسية، يشير مفهوم "حجاب الجهل" إلى كيفية بناء الدولة، إذ يجتمع الناس لمناقشة كيفية إنشاء دولة تنهي حالة العنف والبربرية بينهم. في هذه الحالة، إذا لم يعرف كل فرد موقعه أو دوره في الدولة المستقبلية، فما الذي سيدفعه إلى مناقشة كيفية ترتيب النظام الاجتماعي على نحوٍ أكثر إنصافًا؟ على سبيل المثال، إذا كان هناك احتمال بأن تكون جزءًا من الفئات الأضعف، فهل ستدعم وجود نظام يضمن الحماية والدعم لتلك الفئات ؟
يمثل "حجاب الجهل الجديد" كأنه شخص أعمى يتلمس فيلًا، أي كيان غير بشري يُمنح قدرًا معينًا من الذكاء والاستقلالية. بصفة عامة، ما نزال غير متأكدين من شكل الذكاء الاصطناعي المستقبلي وقدراته، أو من نمط تعايشه مع البشر أو نوعية العلاقات التي سيشكلها مع المجتمع. كذلك فإنّ هناك عدم يقين بشأن التحولات الاجتماعية التي قد يحدثها الذكاء الاصطناعي وتوجهاتها، وبشأن نوازع الخير والشر والمعايير الأخلاقية المتعلقة بتلك التكنولوجيا.
إن "حجاب الجهل الجديد للذكاء الاصطناعي" يتجسد في مفهوم "علاقة الآخرية" التي تحدّث عنها "دون إيدِه". فنحن نعيش فيظل وجود كائنات ذكية تتعاظم قدراتها، وتمتد إلى مجالات مختلفة، حتى تكاد تصبح كيانًا "آخر" مستقلًّا كاملًا عن الإنسان، وهذا يضع مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة في مأزق غامض وغير مفهوم وغير قابل للتفسير، وهو بلا شك مصدر كثير من التصورات اليوتوبية حول مستقبل الآلات.
- ثلاث وجهات نظر لفهم العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في عصرنا الحديث
في السنوات الأخيرة، ظهر تنوع في الآراء بشأن تغيرات العلاقة بين الإنسان والآلة واتجاهاتها، وجرى النظر إليها من عدّة زوايا، يمكن تلخيصها في ثلاث وجهات نظر: مسألة التآلف بين الإنسان والآلة، ومسألة العداء بين الإنسان والآلة، ومسألة التعاون بين الإنسان والآلة. تركزت وجهتا النظر الأولى والثانية حول الجدل التقليدي في فلسفة التكنولوجيا بين "نظرية التكنولوجيا كأداة" و"نظرية التكنولوجيا ككيان مستقل". أما مسألة التعاون، فهي تواجه "الحجاب الجديد للجهل" الذي يحيط بالذكاء الاصطناعي.
هل يتمتع الذكاء الاصطناعي بالاستقلالية ؟
يدور الجدل بين نظرية التقنية بوصفها أداة، ونظرية التقنية بوصفها كيانًا مستقلًّا دائمًا. حاول بعض الفلاسفة مثل أندرو فينبرغ تقديم وجهة نظر تصالحية، إذ اقترح مفهوم "تصميم التقنية"، ويعني أن تطور التقنية هو نتيجة للتنسيق المتزامن بين عناصر التقنية مع العناصر الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، الدراجة التي كنا نستخدمها في طفولتنا كانت تُستخدم غالبًا لنقل الأشخاص والبضائع، وكانت مزودة بسلة ومقعد خلفي وكانت قوية. أما الآن فتستخدم الدراجات للرياضة أو الرحلات، لذا أصبح تصميمها أكثر أناقة وسرعة. في حالة الدراجات العمومية، يُركز التصميم على توفير وسيلة تنقل بسيطة للمسافات القصيرة مثل الانتقال من المنزل إلى محطة المترو، أي لحل مشكلة الكيلومتر الأخير للوصول إلى الوجهة. العناصر التقنية في هذه الدراجات متشابهة إلى حدٍّ كبير، إلا أن التمايز يكمن في العناصر الاجتماعية المعلقة بها.
كيف أنظر إلى الجدل حول استقلالية التقنية ؟
أولًا: الانتقال من النظرية الآلية إلى نظرية الكيان: تحول كثير من الناس من النظر إلى التقنية بوصفها أداة إلى النظر إليها بوصفها كيانًا مستقلًّا نتيجة تعقيد التقنية المتزايد. عندما تكون التقنية بسيطة يكون من السهل رؤية أنها مجرد أداة. ومع تعقيد التقنية المت زايد يصبح من الصعب على الأفراد فهمها أو السيطرة عليها، ما يجعل كثيرين يتبنون نظرية أن للتقنية كيانًا مستقلًّا بذاته.
أصل الجدل حول استقلالية التقنية: ينشأ هذا الجدل من كيفية فهم العلاقة بين البشر والتقنية وبين البشر والآلات. يرى بعضهم أن الآلات تساعد البشر، وبعضهم الآخر يرى فيها علاقة عدائية، في حين يقول فريق ثالث إن البشر والآلات يتطورون معًا. تبدو نظرية التطور المشترك بين الإنسان والآلة منطقية جدًّا، لكنها تظلّ رؤية نظرية تنطلق من منظور علمي وفلسفي عام يتجاوز حدود الواقع المباشر. بالتأكيد، سيظل البشر والآلات في تطور مشترك، لكن النتيجة النهائية قد تؤدي الى انقراض البشرية. إن المنظور الذي يستحق الاهتمام هو المنظور البشري، بمعنى أن البشر ينبغي أن يختاروا استراتيجيات تضمن رفاههم في أثناء هذا التطور المشترك مع الآلات. هذا يعني أن التعاون بين الإنسان والآلة لا يمكن أن يتجاهل حجاب الجهل الجديد للذكاء الاصطناعي.
اعتراضي على نظرية التقنية بوصفها كيانًا مستقلًّا، ينبع من أنها تقود بسهولة إلى ما يسمى: "نظرية فقدان السيطرة على التقنية". بما أن التقنية تمتلك استقلالية، فإلى أين ستأخذنا؟ قد نصبح نحن البشر عاجزين عن السيطرة عليها. يعد لانغدون وينر مثالًا على هذا الرأي. إضافةً إلى ذلك، في السياق الصيني يُعدّ ماركس من أنصار نظرية التقنية بوصفها أداة، إذ تشير هذه النظرية إلى أنه بإمكاننا التحكم في تطور التقنية، وأنه قد يكون من الضروري تطوير البسيط منها لتصبح أكثر تعقيدًا وتناسبًا مع عصر الذكاء.
- التصدي للتحديات الجديدة في إطار مفهوم نظرية الاختيار في التحكم التكنولوجي
قد يقول بعضهم: إذا كان التطوّر المتزامن بين الإنسان والتقنية سيقود في النهاية إلى انقراض البشرية، فلماذا لا نتقبّل ذلك ببساطة؟ غير أن هذه رؤية متشائمة وسلبية لا أجدها مقبولة. فمتى كان التقدّم العلمي أو التقني غايته إفناء الإنسان بدلًا من خدمته؟ وإذا فني البشر، فمن الذي سيحافظ على حضاراتهم، ويواصل بناء قيمهم، ويصون تراثهم الإنساني؟ إنّه طرح مثير للسخرية. من الواضح أن هذا النوع من الرأي الذي يدعو إلى التطور المتزامن، يعبر في جوهره عن تصور كيان مستقل للتقنية.
سواء أكنا نتحدث عن نظرية التقنية بوصفها أداة، أم كيانًا مستقلًّا، أم بوصفها نظرية تصميم تقني، فهذه كلها مفاهيم فلسفية وليست نظريات موضوعية في العلم الطبيعي، ما يعني أنه لا يمكن القول علميًّا إن إحداها صحيحة أو خاطئة. فالمفاهيم الفلسفية لا يمكن تأكيدها أو دحضها من خلال التجربة أو الملاحظة. لذلك أعتقد أن الجدل بين نظرية التقنية بوصفها أداة ونظرية التقنية بوصفها كيانًا مستقلًّا يتعلق فعليًّا بما إذا كان يمكننا التحكم في التقنية. لكن إجابة هذا السؤال ليست في التقنية نفسها، بل في اختيارات البشر. أولًا: هل لدينا الإرادة والشجاعة للتحكم في تطور التقنية؟ ثانيًا: والأهم، ما الذي نحن مستعدون للتضحية به لتحقيق هذا التحكم ؟
على سبيل المثال، الهاتف الذكي ممتع جدًّا ويؤدي إلى الإدمان، إلى درجة أن بعضهم يتساءل لماذا أحتاج إلى شريك إذا كان الهاتف أكثر إمتاعًا؟ السيطرة على إدمان الهواتف في جوهرها تتعلق بالتحكم في التحفيز الحس ي الناتج عنها. رؤيتي هذه يمكن تسميتها “نظرية الاختيار في التحكم التكنولوجي.”
ونظريتي الاختيار في التحكم التكنولوجي لا تتعارض مع صعود مجتمع الروبوتات؛ ففي مجتمع كهذا، كيف يمكن التفريق بين الإنسان والآلة؟ لا يمكن. ما هو الإنسان؟ لقد فشل الفلاسفة على مدى آلاف السنين في تقديم تعريف قاطع لماهيته، حتى "سكاي نت" في فيلم المدمر لم يستطع توضيح ذلك تمامًا. لماذا؟ لأن الإنسان في نظري هو تجسيد لعدم اليقين. فصل الإنسان عن الآلة ومعاملة الإنسان بوصفه كيانًا غير آلي يعكس قيمًا عميقة؛ بأن الإنسان ليس آلة ولا يمكن معاملته كذلك .
مع تقدم الروبوتات، لم تكن المسألة أن الإنسان ينبغي ألّا يُعامل بوصفه آلة فحسب، بل أيضًا أن الروبوتات ينبغي ألّا تُعامل بوصفها آلات. أليس كذلك؟ في الوقت الحالي هنالك من يتحدث عن حقوق الروبوتات، سواء أكان حقوق البشر أم الروبوتات، فإنها تعبر في جوهرها عن علاقات بين البشر تتوسطها الآلات. لذلك حتى مع وصول مجتمع الروبوتات لواقعنا ينبغي أن نحتفظ باليد العليا في التقنية.
ما التوصيات العملية لنظرية “الاختيار في التحكم التكنولوجي”؟ سنناقش بعض الجوانب في أطروحتنا هذه، ربما قد نحتاج إلى مزيد من التطوير، لكنها في جوهرها رؤية ماركسية ترى في التقنية أداة تخدم بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
