القائمة الرئيسية

المحاور الرئيسة والأساسية والاتجاهات المهمة في العلاقات بين الحضارات العالمية

المحاور الرئيسة والأساسية والاتجاهات المهمة في العلاقات بين الحضارات العالمية
ملخص المقال

يتناول المقال تطور الحضارة الإنسانية بوصفها ثمرةً للتفاعل الاجتماعي والاقتصادي بين الشعوب، مشيرًا إلى أن مسيرة التاريخ الإنساني هي في جوهرها مسار تطور الحضارة نفسها. يوضح أن التفاعل بين الدول والحضارات — سواء بين الدول الاشتراكية والرأسمالية أو بين المتقدمة والنامية — شكّل الأساس لتطور النظام الدولي الحديث. فبعد هيمنة الغرب الرأسمالي منذ الثورة الصناعية، أوجدت الاشتراكية العالمية، خاصة مع التجربة الصينية الحديثة، توازنًا جديدًا في القوى، وأتاحت فرصًا أوسع للتنمية المشتركة. كما يؤكد المقال أن العلاقات الاقتصادية العالمية أصبحت أكثر ترابطًا وعدالة بفضل التعاون بين الجنوب والجنوب، وصعود الدول النامية كقوى مؤثرة في الاقتصاد والسياسة. وفي خضم التحولات الجذرية التي يشهدها العالم، يبرز مفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” باعتباره الإطار الأشمل لتواصل الحضارات، ودعامة لبناء نظام عالمي أكثر إنصافًا وتعاونًا. ويخلص المقال إلى أن المسار الصيني نحو التحديث — الذي يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية — يقدم نموذجًا حضاريًا جديدًا، يسهم في دفع التقدم الإنساني نحو مرحلة أكثر توازنًا واستدامة.

ترجمة: نواف الأحمري

الحضارة هي ثمرة ممارسات المجتمع البشري، فهي تمثل من جانب الثروات المادية والفكرية التي أبدعها الإنسان، ومن جانب آخر تعبر عن المراحل التنموية والظروف الاجتماعية التي أتاحت تكوين هذه الثروات. إن تاريخ البشرية هو في جوهره عملية تطور الإنسان ذاته، وهو في الوقت نفسه مسار تطور الحضارة. تنشأ الحضارة من الأنشطة الاجتماعية والتفاعلية بين البشر، وعندما تنظم الحضارة البشر في جماعات، تصبح الدولة هي الإطار الملموس الذي يجسدها. يتجلى ذلك في تفاعل الحضارات داخليًّا في شكل تفاعلات اجتماعية داخل الدولة، ويتشكل خارجيًّا في العلاقات التي تربط بين الدول المختلفة. أما على صعيد المحتوى، فإن ذلك يتجسد في تبادل الخبرات واستنباط الدروس المستفادة من تجارب المجتمعات البشرية. من خلال التفاعل المتبادل، وتقاسمِ التعلُّم، والمقارنات البناءة، تنشأ أفكار جديدة وتتحقق إنجازات إبداعية. يسهم هذا النوع من التفاعل في دفع البشرية نحو تحقيق غايات سامية، مثل القضاء على الفقر، والتخلص من القمع، وضمان تطور مستدام ومستمر.

منذ نشأة الحضارات الأربع القديمة، أصبحت الممارسات الحضارية للمجتمع البشري أكثر تعقيدًا. بالنظر إلى البعد الزمني، فإن هذا التطور حافظ على وتيرة متزامنة مع التقدم في الإنتاجية والنمو السكاني. وفقًا للإحصاءات، بلغ عدد سكان العالم قرابة 1.65 مليار نسمة عام 1900م، وزاد إلى قرابة 2.5 مليار عام 1950م، ووصل إلى 5 مليارات عام 1987م، ثم تجاوز 8 مليارات في نوفمبر 2022م. منذ عام 2010م، شهد عدد سكان العالم زيادة قدرها مليار نسمة، في حين ارتفع بمقدار ملياري نسمة منذ عام 1998م، ما يعكس نمطًا واضحًا للنمو السكاني. رافق هذا التطور تعقيد متزايد للتطور المستمر لأشكال تنظيم المجموعات البشرية في التشكيلات الاجتماعية، وفي مجالات التفاعل الاجتماعي ومستوياته. أبرز مثال على ذلك هو زيادة عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من 51 دولة عام 1945م إلى أكثر من 190 دولة حاليًّا.

تأسست الأمم المتحدة بهدف الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، واحترام حقوق الشعوب في المساواة، وتعزيز التعاون الدولي. تطورت المنظمة لتصبح أقوى، ما يعكس تجسيدًا لفكرة تمتع شعوب العالم بمكاسب الحضارة وحق الحرية والمساواة في التنمية. هذا الهدف يشكل الغاية الأس اسية لتقدم الحضارة الإنسانية، كذلك يمثل ضرورة واقعية لاستمرار بقاء البشرية.

منذ ظهور الرأسمالية في القرن السادس عشر، ولا سيّما بعد أن أنهت القوى الرأسمالية الكبرى في الغرب الثورة الصناعية منتصف القرن التاسع عشر، ظهر النظام الدولي للعلاقات والنظام الاقتصادي العالمي تحت الهيمنة الغربية، وأصبح غير قادر على تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق السلام العالمي للحضارة الإنسانية، بل تحول إلى عامل يهددهما، في حين يشهد المجتمع الدولي تحولات جذرية في موازين القوى، سواء بين الشرق والغرب،  أم بين الشمال والجنوب. من ناحية المنظور الاقتصادي العالمي، يمكن ملاحظة أنه منذ القرن العشرين توسعت العلاقات بين الحضارات وفقًا لأربعة محاور اقتصادية رئيسة، ألا وهي: التفاعل الاقتصادي بين الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية، والتفاعل بين الدول النامية والدول المتقدمة، والتفاعل بين الدول المتقدمة نفسها، والتفاعل بين الدول النامية. هذه الخصائص والاتجاهات الاقتصادية الجديدة التي تكشفها هذه المحاور، تشير إلى التحولات الجذرية غير المسبوقة في النظام الاقتصادي العالمي، التي تدفع الاقتصاد العالمي نحو مساحات أوسع للنمو والابتكار. كذلك أصبح مفهوم مجتمع المصير المشترك للبشرية هو الإطار الأشمل للتبادلات الحضارية، ومساحة اجتماعية عالمية لمجموعات البشر المختلفة لبنائها ومشاركتها معًا.

العلاقات بين الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية

منذ صدور كتاب "اليوتوبيا" لتوماس مور عام 1516م، الذي يبحث في التراكم الأولي للرأسمالية والمجتمع المثالي، شهدت الاشتراكية العالمية على مدار 500 عام تطورًا كبيرًا، وانتقلت من كونها مجرد اتجاه فكري اقتصادي إلى نظام نظري علمي، ومن حركة اجتماعية إلى نظام اقتصادي واجتماعي واقعي، وصولًا إلى ممارسات تطبقها كثير من الدو ل.

تشير دراسات إلى أن الثورة البلشفية حققت إنجازات تاريخية بارزة، لم تقتصر على تأسيس أول اقتصاد اشتراكي في العالم، مُمثلةً في الاتحاد السوفيتي الذي سيطر على سدس مساحة العالم، بل تمكَّن هذا الاقتصاد من الصمود أمام الحصار العسكري الذي فرضته 14 دولة رأسمالية، وأثبت قوته بوصفه عنصرًا حاسمًا في تحقيق الانتصار على الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية. إضافةً إلى ذلك، أظهر الاقتصاد الاشتراكي تفوقه على الدول الرأسمالية من ناحية سرعة التطور، ما دفع أكثر من 10 دول، بما فيها الصين التي تمثل ثلث سكان العالم، إلى تبني النظام الاشتراكي بوصفه إطارًا سياسيًّا واقتصاديًّا. بالإضافة إلى ذلك،  أسهمت الثورة في تعزيز حركات التحرر الوطني الديمقراطي على مستوى العالم،  ما أسفر عنه تفكيك النظام الاقتصادي الاستعماري العالمي الذي كان تحت هيمنة القوى الرأسمالية.

مع افتتاح الطرق البحرية الجديدة، اعتمد تطور الرأسمالية الغربية على مئات السنين من النهب الاستعماري لشعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. لولا ظهور النظرية الماركسية، والثورات الاشتراكية، وممارسات البناء الاشتراكية، لكانت الأغلبية العظمى من سكان العالم ما تزال تعاني قمعًا واستغلالًا إمبرياليًّا سافرًا في ظل نظام اقتصادي وسياس ي عالمي غير عادل، وتقسيم العمل المتوازن في سلاسل الإمداد التي تهيمن عليها الرأسمالية. على الرغم من أن الهيمنة وسياسات القوة ما تزال موجودة في عالم اليوم، فإنّ تطور الثورة الاشتراكية العالمية، وممارسات البناء الاشتراكي، جعلا من المستحيل على الدول الرأسمالية المتقدمة أن تستمر في نهب العالم بالطريقة العنيفة والسافرة، بل حتى في المجازر التي اعتادت فعلها في الماضي.

منذ القرن العشرين، وفي سياق تطور الحضارة الاشتراكية المستمر، وانتقالها من مرحلة النظرية إلى التطبيق العملي، ظهرت ثلاثة أحداث رئيسة ذات أهمية كبيرة: ١- نجاح الثورة البلشفية وتأسيس الاتحاد السوفيتي بوصفه أول دولة اشتراكية، ما حول الاشتراكية من تجربة محلية في دولة واحدة إلى تجربة عالمية امتدت لتشمل دولًا عدّة. ٢ـ التحولات الجذرية في أوروبا الشرقية وانهيار الاتحاد السوفيتي. ٣ـ تطبيق بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. تتزامن هذه الأحداث التاريخية الثلاثة مع التحول الناجح للحضارة الاشتراكية من مسار الاتحاد الس وفيتي إلى مسار الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، إضافةً إلى المراحل التاريخية المختلفة للعلاقات بين الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية.  بصورة عامة،  تتسم العلاقات بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية بتوازن معقد يجمع بين الصراع والتنافس الحاد من جهة، والتفاعل البنّاء والتبادل الاستراتيجيمن جهة أخر ى.

من ناحية أخرى، فمنذ الثورة البلشفية عام 1917م، حتى نهاية حرب فيتنام في سبعينيات القرن العشرين، لجأت الدول الرأسمالية مرارًا إلى أساليب العنف والعدوان المسلح بهدف القضاء على أنظمة الدول الاشتراكية، ما أدى إلى مرحلة من العلاقات الدولية بين الجانبين؛ اتسمت بالتناقض بين العدوان ومقاومته.  إلى جانب التدخل العسكري،  اعتمدت الدول الرأسمالية باستمرار على استراتيجية الاحتواء والتغيير السلمي، بوصفها وسائل للحد من تطور الدول الاشتراكية، بل حتى محاولات لتقويضها بوصفها دولًا.  غالبًا ما تكون الدول الاشتراكية بالأصل مستعمرات أو شبه مستعمرات ذات اقتصاد متخلف، أو دوًلا لم تشهد تطورًا قويًّا في ظل الرأسمالية، وبسبب افتقارها إلى مرحلة تاريخية شهدت تطورًا كاملًا للإنتاج الرأسمالي، فإنها: "لا تستطيع إلى حدٍّّ كبير أن ترث على نحوٍّ رئيس القوى الإنتاجية المتطورة وغيرها من الشروط التي أوجدتها الرأسمالية."

لتطوير الاقتصاد، من الضروري الاستفادة من الإنجازات المفيدة التي أبدعتها الحضارة الرأسمالية، مثل العلوم والتكنولوجيا المتقدمة وتقنيات الإدارة.  في المقابل،  استعانت الدول الرأسمالية بوسائل التخطيط والتنظيم التي تطورت في الاتحاد السوفيتي، إذ طبقت سياسات التحك م الكلي للدولة في الاقتصاد، ما أسهم على نحوٍّ كبير في تعافي الدول الرأسمالية من أزماتها الاقتصادية.

أسهم التقسيم الدولي للعمل والتعاون في سياق عملية العولمة الاقتصادية في تشكيل علاقة تكامل اقتصادي بين الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية. هذه العوامل أدت إلى تعزيز التبادل والتواصل والاستفادة المتبادلة بين الطرفين. وظَّفت الصين المعايير المستخدمة في تقييم إنجازات الحضارة في الدول الرأسمالية، لتقيّم مزايا وعيوب أي عمل أو إنجاز، "الأساس لذلك هو النظر فيما إذا كان ذلك يسهم في تطوير القوى الإنتاجية للمجتمع الاشتراكي، وتعزيز القوة الوطنية الشاملة للدولة الاشتراكية، وتحسين مستوى معيشة الشعب."

منذ القرن السادس عشر تقريبًا، حققت أوروبا الغربية تقدمًا مهمًّا في مجالات عدّة محددة، ومع بداية تسليع منتجات الإنتاج الزراعي وصناعة النسيج، انتقلت الرأسمالية من كونها ممارسة داخل دولة واحدة إلى بناء نظام عالمي مرَّ بعملية تطور معقدة امتدت أربعة أو خمسة قر ون. كانت بداية ممارسات الدول الاشتراكية متزامنة مع نشوب الحرب البلشفية عام 1917م، ومن الطبيعي أن يمر تطورها ونموها بعملية طويلة الأمد، ومجرد أن يُدمَج تفوق النظام الاشتراكي بصورة إيجابية مع الظروف الواقعية لكل دولة، فإنه سيكون قادرًا على توليد طاقات إبداعي ة هائلة.

استغرق المسار الصيني نحو التحديث بضعة عقود فقط، وهو إنجاز تنموي لافت لم تحققه الدول الأخرى إلا بعد مئات السنين، ما جعل الاشتراكية ذات الخصائص الصينية تتمتع بجاذبية وتأثير غير سابقين في تاريخ الحضارة البشرية. مع استمرار نجاح الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، "شهدت الاشتراكية تحولًا كبيرًا من موقف الضعف في تنافسها مع الرأسمالية إلىموقف أقوى، ما أبرز تفوق النظام الاشتراكي على نحوٍّ ملحوظ"، ومنذ القرن العشرين، شهدت الحضارة الاشتراكية تحولًاكبيرًا من النظرية إلى التطبيق، بدأ التطبيق في دولة واحدة ثم انتقل إلى دول عدّة، ما أدى إلى تحقيق تحول ناجح، وقد أصبحهذا التحول قوة دافعة أساسية لتعزيز مسيرة تقدم الحضارة البشرية باستمرار.

العلاقات بين الدول المتقدمة والدول النامية

بوصفهما فئتين مختلفتين من الدول، فإن العلاقات بين "الدول النامية" و"الدول المتقدمة"، وكذلك العلاقات الداخلية لكلٍّّ منهما تتسم بتعقيد كبير. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تطورًا هائلًا، ما أدى إلى انهيار النظام الاستعماري الإمبريالي وظهور عدد كبير من الدول المستقلة، وهذه علامة تدل على صعود الدول النامية بصفتها قوة سياسية مستقلة على الساحة الدولية.

لا تقتصر قائمة الدول النامية حاليًّا على خمسة بلدان اشتراكية فحسب، بل تشمل أيضًا كثيرًا من الدول الرأسمالية. بدءًا من مارس 2023م، أدرجت الأمم المتحدة 46 دولة ضمن قائمة البلدان الأقل نموًّا، وهي دول تعتمد غالبًا على النظام الرأسمالي. في المقابل، لا توجد سوى عشرات الدول الرأسمالية المتقدمة، ويشكل سكان الدول النامية الغالبية العظمى من سكان العالم، وتعد السيادة والاستقلال والمساواة لهذه الدول النامية، إضافة إلى تطورها الاجتماعي والاقتصادي، قضايا ذات أهمية حيوية لمستقبل الحضارة الإنسانية ومصيرها.

عادة ما تسعى الدول النامية إلى تحقيق التحديث الوطني انطلاقًا من أسس اجتماعية شبه استعمارية أو استعمارية، وتحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في التركيز على حماية استقلالها، ووحدتها الوطنية، وتسريع تطورها الاقتصادي والاجتماعي. من بين القضايا البارزة في تفاعلات الدول النامية مع الدول المتقدمة، أنه على الرغم من انهيار الاستعمار المباشر للإمبريالية، فإن الهيمنة غير المباشرة ما تزال قائمة من خلال الشركات متعددة الجنسيات في الدول المتقدمة، التي تمتلك حقوق صياغة وتفسير القواعد الدولية.

تعتمد الدول الغربية المتقدمة على وسائل مختلفة لتحقيق أرباح طائلة، وأبرزها السيطرة على تقسيم العمل في سلاسل الإنتاج الدولية والأسواق العالمية، والتحكم في انتشار التكنولوجيا المتقدمة، واستغلال الموارد الطبيعية والمواد الخام في الدول النامية من خلال إضفاء شرعية على القواعد الدولية. كذلك تتحكم في أسعار المنتجات النهائية، ما يؤدي إلى نهب ثمار التنمية الاقتصادية للدول النامية وتحميلها أعباء أزماتها الخاصة. على سبيل المثال، خلال المدّة بين عامي 1970م و1980م، تجاوزت الأرباح والعوائد الخارجة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة إجمالي تدفق الاستثمارات المباشرة بمقدار 50 مليار دولار. تتعرض صادرات الدول النامية لعوائق ناتجة عن عوامل مثل الحماية التجارية التي تمارسها الدول المتقدمة. وفقًا لتقريرالتنمية العالمية لعام 2000/2001م، فإن الدول المتقدمة تفرض على المنتجات الزراعية القادمة من الدول النامية، لا سيّمااللحوم والسكر ومنتجات الألبان، تعريفات جمركية تُقدَّر بخمسة أضعاف التعريفات المفروضة على السلع المصنعة. علىسبيل المثال، تصل التعريفات الجمركية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على منتجات اللحوم إلى 826%. إضافةً إلى ذلك، فإن التعريفات الجمركية التي تفرضها الدول المتقدمة على المنتجات الزراعية، إلى جانب التدابير التشويهية الأخرى مثل الدعم، تُكبِّد الدول النامية خسائر تُقدَّر بـ 198 مليار دولار سنويًّا، أي ما يعادل قرابة 40% من المساعدات الرسمية للتنمية التي قُدِّمت لهذه الدول عام 1998م، ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام تقدمها التنموي.

تحت تأثير هذه العوامل السلبية في العلاقات، ظل الفقر يمثل تحديًا كبيرًا يهدد بقاء شعوب الدول النامية. وتشير الدراسات ذات الصلة إلى أنه في عام 2021م، واجه 828 مليون شخص الجوع، في حين ارتفع عدد الأفراد الذين أصبحت حياتهم أو سبل عيشهم في خطر إلى 345 مليون شخص . من بين العوامل المؤثرة في التناقضات الهيكلية لإمدادات الغذاء العالمية، احتكار الشركات العابرة للحدود لتجارة الغذاء العالمية،  إذ تسيطر أربع شركات رئيسة للحبوب والزيوت الغذائي ة) شرك ةADM  الأمريكية، وشركةBunge  الأمريكية، وشركةCargill  الأمريكية، وشركةLouis Dreyfus  الفرنسية(، وهي تشكل 70% من سوق الحبوب العالمي.

تعاني الدول النامية بشدة من القيود والاستغلال الناتج عن النظام الاقتصادي الدولي غير العادل الذي تهيمن عليه الدول المتقدمة. وفي سبيل حماية حقوقها المشروعة، تولي الدول النامية أهمية متزايدة لما يُعرف بـ "حوار الشمال والجنوب"، إذ تسعى من خلال المشاورات أو المفاوضات متعددة الأطراف على المستويين الإقليمي والعالمي،  إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين مع الدول المتقدمة، ودفع عملية إصلاح النظام الاقتصادي الدولي المهيمن.

في مارس 1964م، انطلقت الدورة الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لتكون بداية حوار الشمال والجنوب بين الدول النامية والدول المتقدمة، وفي ديسمبر 1974م، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول"،  الذي كان أحد أهدافه الأساسية تعزيز إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد يُبنى على أساس المساواة في السيادة، والعدالة،  والاعتماد المتبادل،  والمصالح المشتركة،  والتعاون بين الدول جميعها،  بصرف النظر عن أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية. مع ذلك، وبسبب العرقلة والمعارضة من الدول المتقدمة، تعثرت جهود إنشاء هذا النظام الاقتصادي الجديد على المستوى العالمي.  لكن حوار الشمال والجنوب تطور على نحوٍّ ملحوظ من خلال التعاون الإقليمي.  وعلى الرغم من هذه التحديات، حققت الدول النامية إنجازات تاريخية في مجالي التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

تشير الدراسات إلى أنه بين عامي 1965م و1988م، ارتفعت نسبة المنتجات المصنعة من إجمالي صادرات الدول النامية من 16% إلى 64%. وفي المدّة بين 1950م و2010م، زادت مدة التعليم التي يحصل عليها البالغون العاديون في الدول النامية )أو المناطق النامية( بأكثر من ثلاثة أضعاف، إذ ارتفعت من 2.0 سنة إلى 7.2 سنة. تشير أبحاث أخرى إلى النمو الاقتصادي في الاقتصادات الناشئة، لا سيّما الصين، حتى في كثير من الدول النامية، ما أدى إلى تحول التقارب الاقتصادي العالمي، الذي كان نظريًّا سابقًا، إلى واقع ملموس في تطور الاقتصاد العالمي. بين عامي 1978م و2017م، زادت حصة الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد العالمي من 21.3% إلى 35.3%، إذ أسهمت الصين بنسبة كبيرة بلغت 43.6%. لقد أحدث النمو السريع للدول النامية تغييرات جوهرية في الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم .

تأسست مجموعة العشرين(G20)  عام 1999م، لتشمل الدول المتقدمة والدول النامية، ما يشير إلى نمو القوة الاقتصادية للدول النامية وإحراز تقدم جديد في إصلاح الحوكمة الاقتصادية العالمية. دخل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) حيز التنفيذ رسميًّا عام 2022م، محققًا تقاربًا بين دول الشمال والجنوب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ومنذ طرح الصين وثيقة تعاون بشأن البناء المشترك لـ "الحزام والطريق"، حتى منتصف فبراير 2023م، وقعت الصين أكثر من 200 اتفاقية تعاون مشترك بشأن المبادرة مع 151 دولة و32 منظمة دولية، ما جعل “الحزام والطريق” مسارًا للتبادل الحضاري من أجل السلام والازدهار.

يشير بعض الباحثين إلى أن مطالب الدول النامية فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي الدولي، قد تحولت من السعي لتحقيق شروط تجارية أكثر ملاءمة، إلى السعي للحصول على فرص عادلة لدمج العناصر العالمية المتميزة. يمتد تفاعل الدول النامية مع الدول المتقدمة جغرافيًّا ليشمل أ شكال الحضارة الحالية جميعها، وتتركز التناقضات الرئيسة في هذا التفاعل حول إصلاح النظام الاقتصادي الدولي الذي تهيمن عليه الدول المتقدمة. يوضح هذا على نحوٍّ كامل أن المشكلة الملحة في تطور الحضارة البشرية في العصر الحديث تكمن في الاستغلال الاقتصادي والقمع الذي تسببه الرأسمالية المالية والاحتكارات العابرة للحدود على مستوى العالم، وليس فيما يُسمَّى "صراع الحضارات."

العلاقات بين الدول المتقدمة

تتركز معظم الدول الرأسمالية المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وهي جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية. منذ القرن العشرين، أشعلت القوى الرأسمالية الكبرى حربين عالميتين بسبب التنافس وتضارب المصالح، ما ألحق ضررًا جسيمًا بمسيرة الحضارة الإنسانية، وخلّف عبئًا تاريخيًّا ثقيلًا. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أعادت الولايات المتحدة تشكيل النظام القديم الذي كانت تهيمن عليه الدول الأوروبية، وأشعلت الحرب الباردة لكبح الاتحاد السوفيتي. كذلك سعت إلى السيطرة على تجارة النفط، وضمان هيمنة الدولار بوصفها عملة احتياطية دولية رئيسة، من خلال إشعال صراعات إقليمية وشنّ الحروب. انتهت الحرب الباردة بسقوط الأنظمة في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي، ما جعل الولايات المتحدة تعتمد على نحوٍّ كبير على استراتيجيات الصراع الجيوسياس ي، وعملها على السيطرة على حلفائها من خلال سياسة التكتلات، وخلق مساحات مغلقة ذات مصالح حصرية لمواجهة خصومها المحتملين.

بسبب سعي الولايات المتحدة لتحقيق أقص ى قدر من مصالحها من خلال الضغط على حلفائها، فإن العلاقات بين الدول المتقدمة والدول النامية لا تقتصر على ممارسات الهيمنة السياسية والقوة فحسب، بل إن العلاقات بين الدول المتقدمة نفسها تشهد أيضًا تباينات في موازين القوى، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة المهيمنة وبقية الدول المتقدمة تشترك في مصالح مشتركة، فإنّ علاقاتها معها لا تخلو من صراعات المصالح وتنافس القوى.

تاريخيًّا، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية تنافسًا مستمرًّا على المصالح. وقد أظهرت بعض الدراسات أن صعود الولايات المتحدة بوصفها قوة عالمية كان يُنظر إليه بوساطة الدول القومية الأوروبية بوصفه خطرًا مُحدقًا. بدأت مناقشات عن "التهديد الأمريكي" في أوروبا منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في أوائل القرن العشرين، ثم عاودت الظهور في أواخر عشرينيات القرن العشرين، واستمرت حتى خمسينياته. من بين الحلول المطروحة، كان هناك اتجاه يدعو إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الأوروبي، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي. تُظهر نتائج التكامل الإقليمي الأوروبي ارتباطًا وثيقًا بالمنافسة الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة، إذ تُعد المنافسة بين اليورو والدولار من أبرز مظاهر هذا التنافس.

منذ إصدار اليورو عام 1999م، أصبح ثاني أكبر عملة متداولة واحتياطية عالميًّا، ومع ذلك، يواجه أيضًا هيمنة الدولار. عام 2018م، أصدرت المفوضية الأوروبية وثيقة بعنوان "التواصل لتعزيز دور اليورو على الساحة الدولية"، إذ استكشفت فيها إمكانية إنشاء نظام دفع مستقل خارج هيمنة نظام "جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك" (SWIFT) الذي يسيطر عليه الدولار. يُعَد هذا واحدًا من تدابير عدّة اتخذها الاتحاد الأوروبي بصفته تحالفًا سياديًّا، لحماية مصالحه. كما يُبرز دور الاتحاد الأوروبي بصفته إحدى القوى الدافعة نحو تعددية الأقطاب في السياسة العالمية.

بالنسبة إلى التبادلات بين كوريا الجنوبية واليابان، وهما دولتان متقدمتان تقعان في شرق آسيا، تتأثر أيضًا بالاستراتيجية الأمريكية. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل أكثر من نصف قرن، تواجه الدولتان قضايا خلافية متعددة، مثل تعويض العمال الكوريين الذين جُنّدوا قسرًا خلال الحرب العالمية الثانية، وقضية نساء المتعة، ونزاعات السيادة على الجزر، ومشكلة تصريف اليابان لمياه الصرف النووية. منذ طرح استراتيجية الحكومة الأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ذات العقلية المستمدة من الحرب الباردة عام 2017م، أصبح إطار التعاون الثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية أحد اهتمامات واشنطن الرئيسة.

في الأول من مارس 2023م، وفي خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى 104 لحركة الأول من مارس، صرّح رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول أن: "اليابان اليوم تحوَّلت من دولة معتدية عسكرية سابقة إلى شريك يتقاسم مع كوريا الجنوبية القيم العالمية، ويتعاون معها في القضايا الاقتصادية والأمنية والقضايا العالمية"، مشددًا على أن التعاون بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان أصبح أكثر أهمية من أي وقت مض ى. أثارت هذه التصريحات عاصفة من الجدل داخل كوريا الجنوبية، نظرًا إلى أن كوريا كانت تعاني سابقًا من آثار جرائم اليابان التاريخية، في حين تستمر اليابان في التنصل من مسؤوليتها التاريخية. تسعى الاستراتيجية الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ إلى تعطيل وتفكيك جهود التكامل الإقليمي في منطقة آسيا والمحيطالهادئ، ويُظهر موقف الحكومة الكورية الجنوبية الإيجابي تجاه هذه الاستراتيجية أن التفاعل الحضاري في المنطقة يعد اختبارًاصارمًا للسياسات القائمة على القوة.

العالم اليوم هو فضاء عالمي تشكَّل من خلال الإنتاج والتفاعل الحضاري للبشرية. تسعى الدول المتقدمة، بما فيها الولايات المتحدة والدول النامية، إلى مواءمة تطورها مع الواقع العالمي، ما يجعلها تتأثر بمختلف أشكال التفاعل الحضاري والضغوط الناشئة عن هذا الفضاء العالمي. بعد الحرب العالمية الثانية، تمكنت الدول المتقدمة من خلال الثورة التكنولوجية الجديدة وتبني بعض أدوات التدخل الاقتصادي الكلي المستوحاة من الاشتراكية، إذ حسَّنت هذه الإجراءات من استيعابها لعملية الإنتاج الاجتماعي،  لكنها لم تستطع تغيير الطبيعة القمعية المتأصلة في النظام الرأسمالي تجاه عامة الشعب جذريًّا،  أو معالجة تناقضاته الأساسية.

تشير الدراسات الحالية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة الدول السبع(G7)  شكَّل عام 1985م نسبة 65.1% من إجمالي الناتج العالمي، وانخفض إلى 65% عام 2000م، ثم تراجع إلى 49.8% عام 2010م، وواصل الهبوط إلى 45.2% عام 2019م .يُظهر هذا الانخفاض أن الدول المتقدمة تواجه ضغوطًا في ظل التحولات الكبرى، لا سيما مع تنامي مساهمة الدول النامية في النمو الاقتصادي العالمي، لذلك تعد كيفية إعادة تكييف العلاقات المتبادلة، وكذلك العلاقات مع الدول النامية، اختبارًا عمليًّا ينبغي للدول المتقدمة أن تواجهه في ممارسة الحضارة .

العلاقات بين الدول النامية

تُعبِّرُ الدول النامية عن مطالبها الاقتصادية والسياسية المشروعة من خلال الاعتماد على الأمم المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى تعزز التعاون بين بلدان الجنوب. يُعد مؤتمر باندونغ لعام 1955م، الذي عُقد في إندونيسيا، أول اجتماع دولي تتحد فيه دول آسيا وإفريقيا لمعالجة شؤونها الخاصة، كذلك كان هذا المؤتمر نقطة انطلاق التعاون بين بلدان الجنوب، إذ اعتُمد إعلان تعزيز السلام العالمي والتعاون، إيذانًا ببدء حركة عدم الانحياز. أُنشئت أول منظمة حكومية دولية تسعى الدول النامية من خلالها للحصول على حقوقها الاقتصادية عام 1964م، خلال انعقاد الدورة الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وهي مجموعة الـ 77، التي بلغ عدد أعضائها 134 دولة بحلول يناير 2023م. نجحت المجموعة، في إطار منظومة الأمم المتحدة، في تحقيق مجموعة من القرارات والاتفاقيات التي تصب في مصلحة الدول النامية، ما وفر  إطارًا مؤسسيًّا يدعم التعاون بين بلدان الجنوب. أسست الدول النامية منظمة الدول المصدرة للنفط )أوبك( عام 1960م، لمقاومة الاحتكار الرأسمالي الغربي للنفط، وهي أكبر منظمة تأثيرًا في إنتاج النفط الخام وتصديره. "تُظهر البيانات أن مساعدات منظمة أوبك للدول النامية تشكّل 1.44% من الناتج القومي الإجمالي لدولها الأعضاء، متجاوزةً بكثير نسبة 0.34% التي تقدمها الدول المتقدمة". كذلك أنشأت الدول النامية منظمات إقليمية للتعاون، مثل جامعة الدول العربية التي تأسست عام  1945م، ومنظمة الوحدة الإفريقية التي تأسست عام 1963م، )التي أصبحت لاحقًا الاتحاد الإفريقي( ورابطة دول جنوب شرق آسيا )آسيان( التي أُنشئت عام 1967م ،ومجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981م، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي )سيلاك( التيأُسست عام 2011م. تعكس هذه المنظمات سعي الدول النامية للتضامن وتعزيز قوتها الذاتية، والدفاع عن مصالحها المشتركةوكرامتها المشروعة .

على الرغم من وجود تفاوت في سرعة التنمية بين الدول النامية، فإنّ علاقاتها البينية ترتكز على التعاون والمنفعة المتبادلة. تُعد الصين، بوصفها أكبر دولة نامية، داعمًا رئيسًا للتعاون بين بلدان الجنوب، إذ تدعو إلى تعميق هذا التعاون وتشدد على ضرورة وفاء الدول المتقدمة بالتزاماتها،  من أجل بناء شراكة عالمية للتنمية قائمة على التضامن،  والمساواة،  والتوازن، والشمولية.  أسهمت نظريات مثل نظرية العوالم الثلاث ومبادئ التعايش السلمي الخمسة التي طرحتها الصين،  في تعزيز العلاقات بين الدول النامية على نحوٍّ إيجابي ومستدام. كذلك، أصبحت آلية تعاون مجموعة البريكس التي أسستها منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001م، التي تضم الصين، والبرازيل، وروسيا، والهند، وجنوب إفريقيا، قوةً بنَّاءة لدفع نمو الاقتصادي العالمي، وأسهمت في تحسين الحوكمة العالمية، ودفع العلاقات الدولية نحو مزيد من الديمقراطية. تضم مجموعة البريكس حاليًّا 8 دول أعضاء، و4 دول مراقبة، و14 شريكًا في الحوار. تتميز هذه المنظمة بنموذج جديد من العلاقات الدولية، إذ تعتمد على مبدأ الشراكة دون تحالفات عسكرية، وتهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي القائم على الاتفاق المشترك والمنفعة المتبادلة بين الدول، الكبيرة منها والصغيرة.

تدعو الصين إلى تبني مفهوم الأمن العالمي المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وهو ما يجذب عددًا متزايدًا من الدول للإسهام في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية. جاء إعلان الرياض الصادر عن القمة الصينية-العربية الأولى في ديسمبر 2022م، ليؤكد الالتزام بالحفاظ على النظام الدولي ومبدأ التعددية بالاستناد إلى القانون الدولي، وترسيخ مبادئ التضامن والتعاون والعدالة في العلاقات الدولية، والدفاع عن مصالح الدول النامية وحقوقها. كذلك أكدت القمة المشتركة للتعاون والتنمية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي أهمية تعزيز الحوار بين الحضارات وتبادل الخبرات بين الثقافات المختلفة، والحفاظ على تنوع الحضارات، مشددة على أن التعايش المتناغم بين الشعوب والأمم يمثل إحدى أهم القيم والمبادئ الأساسية للمجتمع الدولي، وينبغي تحقيق التنمية والتقدم من خلال الاحترام المتبادل والتعاون بين الد و ل.

في مارس 2023م، استجابت كلٌّ من السعودية وإيران لمبادرة الرئيس الصيني ش ي جين بينغ بشأن دعم الصين لتطوير علاقات حسن الجوار بين البلدين،  إذ عُقدت محادثات في بكين،  وأعلنت الدول الثلاث موافقة السعودية وإيران على استئناف العلاقات الدبلوماسية، وعبَّرت عن استعدادها لبذل الجهود كلّها لتعزيز السلام والأمن الدوليين والإقليميين. يُمثل هذا اللقاء تفاعلًا إيجابيًّا معاصرًا بين الحضارة الصينية القديمة والحضارتين العربية والفارسية، ويعكس خيارًا تاريخيًّا جديدًا لتحقيق التعاون السلمي والتنمية المشتركة بين الحضارات. كذلك يُظهر هذا الحدث أن الآليات الإقليمية التي تسعى إليها الدول النامية تُجسّد مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، إذ يُحترم أمن ومصالح ومواقف كل دولة. إن مشاركة الدول النامية الواسعة في التعاون الثنائي والإقليمي ومتعدد الأطراف تُعد واقعًا متطورًا، وتسهم في دفع عجلة ديمقراطية العلاقات الدولية وبناء نظاماقتصادي دولي جديد في ظل هذه التفاعلات الحضارية المعقدة.

اتجاهات تواصل الحضارة في سياق تغيّرات لم يشهدها العالم منذ قرن

منذ القرن العشرين، كشفت الخطوط الأساسية الأربعة للتفاعل الحضاري أن بعض الدول المتقدمة فرضت على نحوٍّ أحادي قواعدها الخاصة على العلاقات الدولية، ما أثّر سلبًا في أمن البشرية واستقرارها وازدهارها المشترك. ومع ذلك، تزداد أهمية القوى التي تسعى إلى تعزيز السلام والتعاون الدولي. وتتمثل إحدى السمات الجديدة لهذا الاتجاه في أن كلًّا من الحضارة ذات الطابع الاشتراكي والدول النامية أصبحتا قوتين أساسيتين في الدفع نحو ديمقراطية العلاقات الدولية وبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية. تعمل هذه القوى بفاعليّة على حل النزاعات والتوترات في مختلف المناطق من خلال التضامن والتنسيق والتعاون، وتحقق باستمرار إنجازات جديدة. يبرهن ذلك على أن التقدم نحو التنمية السلمية للحضارة الإنسانية يمثل اتجاهًا تاريخيًّا لا يمكن إيقافه.

تشير ملامح التفاعل الحضاري الجديدة إلى أن هذا التحول العميق يعكس إجماعًا متزايدًا بين الدول على تبني مبادئ السلام، والتنمية، والتعاون، والمنفعة المتبادلة في إدارة العلاقات الدولية. كذلك فإنّ النظام الدولي غير العادل الذي تسيطر عليه الدول الغربية المتقدمة، والقائم على هيمنة المركز وتهميش الأطراف، يتجه تدريجيًّا نحو نظام عالمي تشارك فيه الدول كافة من خلال التعاون الثنائي، والإقليمي، ومتعدد الأطراف، وصولًا إلى بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية. هذا التغيير يتيح للحضارة الإنسانية أقص ى مساحة ممكنة للتطور، ويعزز فرص تحقيق التنمية المشتركة والازدهار، ما يمهِّد الطريق لنظام عالمي أكثر إنصافًا وعدلًا، يُلبي مصالح الدول جميعها ويسهم في تعزيز التعاون لتحقيق مستقبل مشترك.

تحثُّ الخصائص والاتجاهات الجديدة للتواصل بين حضارات العالم البشرية على فهم معنى الحضارة الحديثة. تشير الحداثة إلى العملية التي تقودها الدولة لتحقيق تكامل الحياة الاجتماعية على أساس التصنيع. إن مصطلح المحرك الأول والثاني في التحديث لا يمثلان سوى مرحلة مختلفة من دورة التصنيع، ولا يعني أن الدول السباقة تحتكر الريادة أو أن الدول المتأخرة محكومة بالتبعية. في هذا السياق، ركزت القمة الخاصة الـ 17 للتصنيع والتنويع الاقتصادي في إفريقيا لعام 2022م، بالتزامن مع اجتماع منطقة التجارة الحرة الإفريقية، على مناقشة التصنيع المستدام والتنويع الاقتصادي في إفريقيا.

هذا يدل على أنَّ الشعوب حول العالم تستمر في تعميق فهمها لعمليات التصنيع، ومع التقدم السريع في تكنولوجيا المعلومات، وتكنولوجيا الكَم، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا الفضاء وغيرها من التقنيات المتقدمة التي تندمج تدريجييًّا مع التصنيع، أصبحت الحداثة انعكا سًا لتطور ذي تراكم مستمر. تشير الأبحاث إلى أن الحداثة لا تقتصر على "التحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي" فحسب، بل تشمل أيضًا "التحول من المجتمع الصناعي إلى المجتمع المعرفي". الحداثة تُعد أكبر مشروع حضاري للبشرية بعد المجتمع الزراعي، ويشير سعي مزيد من الدول لإيجاد طرائق حديثة تتناسب مع خصائصها التاريخيةوالواقعية، إلى التقدم الجديد والمتنوع في الحضارة البشرية.

إن الخصائص والاتجاهات الجديدة للتواصل بين الحضارات العالمية تشجع البشرية على فهم أعمق للأهمية الكبيرة للمسار الصيني نحو التحديث والأساليب الجديدة للحضارة البشرية.  إن النظرية الاشتراكية التي نشأت من الإنتاج الاجتماعي الرأسمالي تواجه في التطبيق الوطني مشكلة أساسية، تتمثل في جعل الإنتاج الاجتماعي يخدم الناس جميعهم، بدلًا من أن يُستحوذ عليه بوساطة القطاع الخاص فحسب. يكمن جوهر الشكل الحضاري للاشتراكية في تحرير الإنسان من القمع الاجتماعي الناتج عن استلاب رأس المال، وتحقيق التنمية الحرة للفرد.

في ظل هيمنة الملكية العامة الاشتراكية، ضُمنت كفاءة التنمية الاقتصادية، ومع تزايد الثروة، تحقّق توزيع اجتماعي عقلاني على نحوٍّ أفضل، ما أدى إلى تحقيق نمو متزامن في دخل السكان والنمو الاقتصادي. وهذا يوضح تمامًا أن المسار الصيني نحو التحديث هو تحديث يسلك طريق التنمية الاجتماعية في الصين، ويهدف إلى تحقيق الازدهار المشترك للناس جميعهم. لا يعكس المسار الصيني نحو التحديث قوانين تطور المجتمع الصيني ومتطلبات أغلبية الشعب ومصالحه فحسب، بل يتماش ى أيضًا مع قوانين تطور الحضارة الإنسانية.

خلق المسار الصيني نحو التحديث شكلًا جديدًا من أشكال الحضارة البشرية، إذ قدم مقترحًا صينيًّا للنهوض بمسيرة التقدم الحضاري للإنسانية. إن تنوع المصالح هو ظاهرة شائعة في العالم الواقعي، إذ يتماش ى مع التنوع في المصالح المحددة بمصالح البقاء والتنمية المشتركة للبشرية بوصفها نوعًا. هذا السعي الأساس ي للحفاظ على وجود البشرية يتطلب بالضرورة بناء وتطوير مجتمع مشترك للبشرية.

إن المسار الصيني نحو التحديث يجمع على نحوٍّ متناغم بين العلمية والعملية،  ويوضح على نحوٍّ كامل الحيوية القوية للاشتراكية العلمية، ويُظهر بصورة ديناميكية الآفاق المشرقة لمسيرة الاشتراكية العالمية. من المؤكد أنها ستلعب دورًا أكثر أهمية في التغيرات الكبرى غير المسبوقة التي يشهدها العالم منذ قرن، ما سيدفع الحضارة الإنسانية نحو مرحلة جديدة أكثر إشراقًا .


المؤلفة: دونغ شينجيه(董欣洁) ، أستاذة في جامعة الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وباحثة في معهد النظريات التاريخية ومركز أبحاث نظريات التاريخ بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ومشرفة على طلاب الدكتوراه.

مقالات ذات صلة