ترجمة: نهى الغامدي
لقد ظهر سوقٌ يكون فيه الغضب سلعة، والإهانة صناعة.
بعد سنوات من انتشار الإنترنت، أصبحنا ندرك أخيرًا أنه عندما يتعلق الأمر بقدرة وسائل الإعلام الاجتماعية على تعزيز الحوار، غالبًا ما تكون التفاعلات عبر الإنترنت أسوأ من تلك في العالم الواقعي، لا سيما عندما يكون النقاش متعلقًا بموضوعات سياسية أو أخلاقية. ويرجع ذلك إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تعمل بشكل متزايد كـ “آلة غضب”، ما يعني أنها لا تحتوي فقط على مشاعر الإحباط، والرغبة في الأذى، والغضب الأخلاقي، بل تشجع وتغذي هذه المشاعر.
في بعض الحالات، يمكن أن تؤدي ثقافة الغضب القائمة على الإنترنت إلى تغيير إيجابي. إنها تفضح الجرائم الخطيرة، وترفع من مستوى الحركات الاجتماعية، وتكافح المعتدين البشعين. على سبيل المثال، فقد هارفي واينستين، وهو منتج هوليوود الرئيسي، مصداقيته في حركة #MeToo المتداولة على نطاق واسع، واتُهِم وسُجِن. ومع ذلك، هناك حقيقة أخرى حول وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أنها تسعى باستمرار إلى تشكيل سلوكنا المتضارب من خلال إعطاء الأولوية للرسائل الأكثر استفزازًا أخلاقيًّا وعاطفيًّا.
في دراسة أجريت عام 2017م، قام باحثون من جامعة نيويورك باستخدام تقنيات التعلم الآلي لتحليل أكثر من 500 ألف تغريدة، ووجدوا أن التغريدات التي تحتوي على لغة “عاطفية وأخلاقية”، مثل كلمات (شر، وعار، ودمار)، كانت أكثر عرضة للانتشار. وفقًا لتحليلهم، كلما احتوت التغريدة على كلمة واحدة من هذا النوع، زاد معدل انتشارها بنسبة 20%.
هذا الوضع مقلق للغاية، ليس فقط لأن المنصات الإلكترونية تعزز أكثر ردود الفعل العاطفية، بدلًا من تقديم أصوات أكثر دقة واتزانًا، بل أيضًا لأنها، عند دمجها مع ظاهرة أخرى قبيحة في الخطاب العام (الاستقطاب الجماعي)، تبدأ في تشويه مفهوم الحوار العام. وهذا بدوره يؤدي إلى تشويه أكبر في العالم الحقيقي.
أُثبت ذلك في الدراسة نفسها بجامعة نيويورك، حيث وجد الباحثون أن التعبيرات ذات الطابع الأخلاقي والعاطفي تنتشر داخل شبكات المجموعة الواحدة أكثر من انتشارها في الشبكات الخارجية. يعتمد تطور المجتمع الصحي على تبادل الأفكار العقلانية ووجود مواطنين قادرين على فهم هذا التبادل بدقة. وإذا استمر الناس في العيش ضمن بيئة معلومات تعتمد على العواطف، فإن الأسس المعتدلة ستنهار، ما يسمح بازدهار الخطابات المتطرفة.
هذا التطرف لا يقتصر فقط على النقاشات السياسية والأخلاقية المشتركة، بل يتسلل أيضًا إلى الحياة الشخصية. ويتجلى ذلك بشكل واضح في الزيادة الملحوظة في الإهانات العلنية الموجهة للأفراد في السنوات الأخيرة، سواء كانوا شخصيات عامة أو مواطنين عاديين. يتيح الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لآلاف الأشخاص المشاركة في إهانات جماعية لم تكن ممكنة في الماضي، ما وسّع نطاق وأساليب الإهانة العلنية، وجعل الضحايا يتعرضون للعالم كله من خلال الشاشات المتصلة. يعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس التطوري أن الشعور بالخجل هو شعور عالمي وبيولوجي، ويعمل كآلية تطورية لضمان البقاء. هذا الشعور يساعد في حماية الأفراد من البيئات الاجتماعية الضارة، مثل أن يصبحوا غرباء عن مجموعتهم. كما يمكن أن يرتبط الشعور بالخجل بمشاعر الاشمئزاز؛ إذ يمكن أن يكون الاشمئزاز موجهًا نحو الذات عندما يُنظر إليها كمصدر للتلوث داخل المجموعة.
إن الشعور بالخجل الناتج عن العمليات الجماعية له فوائده بطبيعته. ومع ذلك، عندما يؤثر على المستوى الفردي، فإنه يمكن أن يتسبب في أضرار جسيمة، ما يؤدي إلى شعور الفرد بالعجز، وانعدام القيمة، والاضطرابات النفسية الأخرى. وأشك بشدة في أن هناك أي مكان للشعور بالخجل الصحي في عالم الإنترنت اليوم. فما التأثير الذي يمكن أن يحدثه جعل الأشخاص يشعرون بالصغر، والعجز، وانعدام الحيلة على حياتهم أو حتى على وجودهم؟
في 6 ديسمبر 2021م، نشر الصبي البالغ من العمر 16 عامًا، ليو شيوتشو، مقطع فيديو عبر الإنترنت يبحث فيه عن عائلته. لم يكن يعلم أن هذا الفيديو سيغير حياته إلى الأبد. أثارت عاصفة من الهجوم عبر الإنترنت تساؤلات عديدة: إلى أي درجة يمكن لخطأ واحد في التعبير أن يؤثر في سمعة شخص؟ ومتى يتحول النقد المتراكم ضد شخص ما على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنمر؟ وكيف يمكن للمستخدمين أن ينتقلوا من تقديم الدعم عبر الإنترنت إلى ممارسة العنف الإلكتروني؟ ومن يستطيع أن يضع معايير أخلاقية ثابتة تنظم هذه السلوكات؟ وهل يمكن للقوانين السيطرة على العنف الإلكتروني؟ وهل يجب تنظيم المنصات أو معاقبة المتحدثين؟
من الواضح أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تسمح دائمًا للأشخاص بمناقشة القضايا المطروحة كما يحدث في الحياة الواقعية. بل على العكس، فإن منصات مثل ويبو والبث المباشر ومنصات الفيديو القصير صُمِّمت في الغالب للبث، ما يجعلها غير مفيدة للتواصل والتفاعل الحقيقي بين الناس. ومع ذلك، ومع ارتباط الناس الدائم بالإنترنت، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن سلوكنا عبر الإنترنت هو انعكاس مباشر لسلوكنا في الواقع.
لقد تعلمنا مواجهة عالم تُديره رموز التعبير عن الغضب من خلال نشر مزيد منها. حتى الحقائق تحتاج إلى تضخيم للتفوق على الضوضاء. ولكن، كل خطوة من هذا النوع تزيد من الصخب، مما يطالب بالمزيد من الغضب في المستقبل لجذب الخوارزميات وكسب الانتباه. وقد ظهرت سوقٌ حيث أصبح الغضب سلعة، والعار صناعة.
