القائمة الرئيسية

روب بوديس: سياسة الألم

روب بوديس: سياسة الألم
ملخص المقال

يتناول مقال «سياسة الألم» للكاتب روب بوديس فكرة أن فهم الألم لا يكتمل بالطب وحده، بل يحتاج إلى أدوات الثقافة والتاريخ والفن والفلسفة لفهم أبعاده الإنسانية والاجتماعية. يرى الكاتب أن الألم تجربة متغيرة تاريخيًا وثقافيًا، تجمع بين الجسد والمشاعر، وأن محاولات الطب الحديث لتصنيفه وقياسه علميًا قلّلت من قيمته كخبرة ذاتية معقدة. يستعرض المقال أمثلة من الأساطير الإغريقية مثل أخيل، والفن الحديث كلوحات إدفارد مونك، وتجارب معاصرة مثل ليدي غاغا، ليُظهر كيف يُعبَّر عن الألم بطرق تتجاوز اللغة. كما ينتقد النظرة الطبية التقليدية التي تربط الألم بالضرر الجسدي فقط، مشيرًا إلى أن التعريفات الحديثة — كتعريف الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP) عام 2020 — أصبحت تعترف بأن الألم تجربة شخصية متأثرة بالعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية. في الختام، يؤكد الكاتب أن دراسة الألم تتطلب مقاربة متعددة التخصصات تُدمج فيها العلوم الإنسانية مع الطب لفهم البعد السياسي والاجتماعي للألم وكيفية الاعتراف به والتعامل معه بإنصاف.

ترجمة: نهى الغامدي

العلم الطبي يمكن أن يخبرنا بالكثير. لكن لفهم الألم فهمًا كاملًا، نحتاج أيضًا إلى أدوات ثقافية مثل التاريخ والفلسفة والفنون.

تجربة الألم ليست شيئًا يختص بالبشر وحدهم. يمتلك الألم تاريخًا طويلًا يتغير مع مرور الزمن وتغيير الأماكن. شرح هذا التاريخ مفصّلًا يمكن أن يكشف السياسة المرتبطة بمعاناة الإنسان التي توجد في قلب محاولات البشر كلّها لقياس تجارب الألم وتأكيدها وتجاهلها.

في اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى، يتداخل الحزن والألم واليأس والندم مع الألم الجسدي، وهذه هي السمة الأساسية لكلمات التعبير عن الألم في اللغات القديمة مثل اليونانية، واللاتينية، والعربية، والأردية، والصينية. على مدى آلاف السنين، كانت عبارة ‘أشعر بالألم’ تحمل معنيين: عاطفيًّا وجسديًّا. وعلى الرغم من أن هذا التداخل اللغوي يبدو ثابتًا، فإنّ هناك اختلافات كبيرة في المفاهيم الدقيقة من اليونانية القديمة ὀδύvη (odúnē)، إلى اللاتينية (dolor)، والعربية (‘waja)، والفارسية والهندية والأردية dard، والصينية 痛. إضافةً إلى ذلك، هناك تاريخ غني بالأساليب الرمزية التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، الألم الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات ما يزال يمكن التعبير عنه. من الممكن تمامًا توثيق تاريخ محدد لتجارب التعبير عن أنواع مختلفة من الألم لإظهار تنوع الألم الواسع، مع الالتزام بالتقاليد التاريخية التي تدمج الألم العاطفي والجسدي معًا. في المقابل، سيؤدي ذلك إلى تأثير يقضي على الطبيعة المتعارف عليها للألم، ويضع تجارب الألم الحالية في سياق محدد، ما يكسر احتكار المعرفة الطبية الحديثة الممتد على مدى القرنين الماضيين.

للتعبير عن الألم أو الحزن في ملحمة هوميروس “الإلياذة”، لكنه كان أيضًا واحدًا من كثير من الكلمات اليونانية للتعبير عن الألم/الوجع. على الرغم من أن أخيل كانت لديه روابط عاطفية مع الآخرين، فإن هذا الاسم يذكرنا أولًا وقبل كل شيء بالألم والحزن. معظم الأفعال العنيفة التي أجراها أخيل في الجزء الأخير من الملحمة، تحمل معه هذا الألم المترسخ في هذا الاسم. قد تعترض قائلًا إن أخيل في الأسطورة هو شخصية خيالية، نصف إنسان ونصف إله، وإن هذا الألم هو أدب مجرد وليس حقيقيًّا؛ ليس إنسانيًّا. لكن، أفكار “الإلياذة” وأفعالها مبنية على قرون من الفضيلة، والإيمان، والحرب، والشعائر. كان هذا النص مفتاحًا في تشكيل الهوية الذاتية لليونانيين القدماء، وهو النص المرجعي الأساسي لجمهورية أفلاطون. إذا كان اليونانيون قد تعلموا كيفية التعامل مع الألم، فإنهم تعلموا ذلك جزئيًّا من أخيل.

على الرغم من أن القصة قد انتقلت عبر الزمن، فإن تلك المشاعر المؤلمة تغيرت مع مرور الوقت. في “الإلياذة”، عندما سمع أخيل عن موت صديقه باتروكلوس، الذي كان صديقًا مقربًا أو شريكًا له، سقط على الأرض بشدة ومزق شعره، وكان مرافقوه جميعًا يبكون بحرقة، وبعد أن عثروا على الجثة أخيرًا، امتلأت عينا أخيل بالدموع وبدأ بالبكاء والنحيب دون توقف. كان أشبه بأسد صغير قتله الصيادون، وتحول ألمه سريعًا إلى رغبة قوية في الانتقام. على الرغم من أن والدته وصلت في النهاية وأعطته درعًا جديدًا، فإنّها وجدته ما زال يحتضن جثة باتروكلوس ويبكي بلا انقطاع.

بحلول زمن أفلاطون، كانت كثير من الفضائل الواضحة في “الإلياذة” قد بدأت تثير الشكوك. على وعاء مزخرف حلزونيًّا باللون الأحمر يعود إلى عام 460 قبل الميلاد، وهو ربما من أولى الأعمال التي نُقشت عليها الكتابة بعد قرابة 300 عام من “الإلياذة”، يمكن رؤية لحظة شعور أخيل بألم عميق، وهي اللحظة التي شهدتها والدته. الفنان لم يعرض أخيل وهو يحتضن جثة باتروكلوس ويبكي بلا توقف، بل صوره وهو يجلس وحيدًا تمامًا مخفيًّا خلف الكفن، مع ظهور رأسه وكعبه؛ الذي يحمل دلالة رمزية كبيرة.

وفقًا لدراسة دوغلاس كيرنز، أصبح ارتداء الحجاب في الثقافة اليونانية القديمة قاعدة رئيسة للتعبير، لا سيّما لإخفاء الدموع ومظاهر الحزن. إن ظهور هذا السلوك الجديد كان لضمان الامتثال لمعايير أثينا القديمة، إذ كان البكاء أمام العامة يتعارض مع الأعراف الاجتماعية. لذا، استُخدم الحجاب لإخفاء الضعف الذي يعبر عنه الحزن، بهدف حماية الشخص المتألم من فقدان مكانته الاجتماعية، وكذلك حماية الحاضرين من رؤية مشهد مؤلم. أصبح الحجاب رمزًا للحزن، يستخدم لإخفاء علامة الحزن نفسها. بالمقارنة مع الأعمال الأدبية القديمة التي كتبت قبل ثلاثة قرون، تجنب الرسامون تصوير مشاهد حزينة وغير مضبوطة للمشاهدين، ما أظهر ولاءً أكبر للنصوص اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد. من الناحية الاجتماعية، كان من الصعب التعامل مع حزن أخيل، ومن منظور التجربة الشخصية، نجد صعوبة في فهمه. وبذلك، أصبح الحجاب وسيلة للتعبير، كأنه يقول من دون كلمات ومن دون تعابير وجه: “أنا أشعر بألم شديد، هذه الواجهة العادية ليست قناعًا، بل حذفًا، إذ يُسقط الألم على السماء”.

الفنان النرويجي إدفارد مونك هو رسام نرويجي تعبيري عمل في الطباعة الفنية. تأثرت أعماله على نحوٍ كبير بموضوعات روحية وعاطفية قوية، وطريقة معالجة معاناته النفسية بأسلوب صارخ كان لها تأثير كبير في نمو التعبيرية الألمانية في أوائل القرن العشرين. فهم مونك في بيئات مختلفة قدرة الوجوه الخالية من التعبيرات والصمت التام. عرض وجهه الممتلئ بالألم بفراغ، ما أظهر علامة أخرى على الحزن العاطفي الذي لا يوصف، وهو شيء يمكن التعبير عنه وفهمه. تأثر مونك على نحوٍ كبير بفلسفة الدنماركي سورين كيركغارد (Søren Kierkegaard) عن القلق والانغماس في الحزن والفقر وأفكار الانتحار، فلم يستطع مونك التوقف عن الانغماس في اليأس (fortvilelse)، وهو مزيج من اليأس والحزن الشديد. كتب إدفارد مونك ملحوظات سريعة تقريبًا لرسم تحضيري للوحة “اليأس” (Fortvilelse, 1892م)، إذ يعيد إنتاج الترجمة المعاصرة للشاعر إيريل فالك: “كنت أسير على الطريق مع اثنين من أصدقائي، غربت الشمس فجأة، أصبحت السماء حمراء كالدم. شعرت فجأة بحزن، وألم حاد، فتوقفت، مستندًا إلى السياج مرهقًا حتى الموت فوق المضيق البحري الأزرق والأسود، وامتداد المدينة في الأفق. كانت الغيوم المتخثرة بالدم تسقط دماءً تتصاعد كالدخان، استمر أصدقائي في المشي، أما أنا فتوقفت، مرتعشًا من جرح مفتوح في صدري، مرتعشًا من القلق. شعرت بانهيار العالم من حولي، وكانت لدي صرخة مكبوتة لم تخرج كاملة”.

استخدم مونك هذه الكلمات لتحويل الألم الجسدي والعاطفي (اكتئابه وألم روحه)، إلى ألم عالمي، إذ تسقط السماء دماءً، وتصرخ الطبيعة بصمت لا يسمعه الناس لكنهم يشعرون به. عدم كفاية وصف مونك لألمه الشخصي حُدّد من خلال إزالة السطور الشعرية التي حاولت التعبير عن الألم. على الرغم من أن الكلمات كلّها قد أُزيلت كاملة في اللوحة النهائية، فإنّ مظاهر الألم الشخصي والجسدي تظهر في اللوحة. يعكس الوجه العادي للشخص الذي يستند إلى السور فراغًا، وليس نقصًا في التعبير، بل مجرد حذف. يُسقط الألم على السماء. بالنسبة إلى هذا الشخص، إذا كان الألم لا يمكن وصفه بالكلمات، فيكفي النظر إلى السماء لفهمه. هذا العمق في الألم يجعله منتشرًا في كل مكان. لغة الألم لدى مونك في النهاية هي الألوان واللوحات. الحاجة إلى مفاهيم معينة للتعبير عن الألم أمر واضح. فهذه المفاهيم -التي توجد في مواضع محددة، مثل الاكتئاب والقلق مختلطة بمدن مدمرة وسماء ملطخة بالدماء- فريدة من نوعها. لكي نفهم هذا الألم، يتطلب منا أن نمتلك معرفة ثقافية.

تتطلب الآلام المعاصرة أنواعًا مختلفة من المعرفة. على سبيل المثال، تخيل أن المغنية ليدي غاغا (ستيفاني جيرمانوتا) تحتاج إلى معرفة حول الألم للتعبير عن الصدمة المستمرة التي سببتها لها حادثة الاغتصاب التي تعرضت لها في سن التاسعة عشرة. نحن بحاجة إلى المعرفة حول الألم لقراءته وفهمه. من ضمن سلسلة “ما لا تراه مني في الصحة النفسية”، أجرت مقابلة غير عادية مع Apple TV+ عام 2021م، إذ وصفت “الألم الشامل” الذي شعرت به، تلاه خدر يعني أنها لم تشعر بجسدها. أدى التعبير الجسدي عن الألم العاطفي إلى بحث الأطباء عن الأجزاء الداخلية: “لقد أجريت كثيرًا من فحوصات الرنين المغناطيسي (MRIs) والمسح الضوئي، لكنها لم تظهر أي شيء.” الأعراض جميعها كانت في الواقع ناتجة عن حادثة الاغتصاب. قالت: “جسدك لديه ذاكرة”، “عندما أشعر بالألم، أشعر بالطريقة التي شعرت بها بعد الاغتصاب نفسها”. استمر هذا “الانهيار الجسدي الشامل” سنوات عدّة، وبمجرد “تفعيله” يعيد إحياء الذاكرة الرهيبة للألم الجسدي والعاطفي.

من الناحية الثقافية والطبية، يؤكّد الآن مثل هذا الألم على نحوٍ متزايد. لا يتعلق الأمر بالإحساس العميق بالألم (nociception) -إذ يُبسّط الألم إلى الإدراك الحسي- بل يتعلق بالجسد والعقل والعالم الذي يوجدان فيه بطريقة ديناميكية معقدة. أصبحت كلمات ليدي غاغا شائعة على نحوٍ متزايد في الوقت الحاضر (تتعلق بالصحة الجسدية، والانهيار النفسي، وفحوصات الرنين المغناطيسي، والتفعيل) وهي كلمات مناسبة، وتصف ثقافيًّا على نحوٍ صحيح وتؤكد ألمها.

تمثل هذه الأوصاف لحظة مقاومة معرفية وثقافية. في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان العلماء الطبيون يسعون جاهدين لتحديد موقع الألم؛ لتجسيد كيفية عمله، وتوضيح كيفية الشعور بالألم، وكيفية رؤيته، وكيفية قياسه. حاولوا التمييز بين الألم الجسدي الناجم عن الإصابة أو المرض والقلق النفسي والهموم. كانوا يأملون أن يُستخدم التفسير الميكانيكي للألم لتوضيح الافتراضات الحضارية السائدة بشأن العرق والجنس والطبقة. لهذا السبب، أصبحت بشرة البالغين البيض ووجوههم معيارًا لحساسية الألم.

في مراحل تاريخية مختلفة، كانت النساء، والأطفال، واليهود، والأمريكيون من أصل إفريقي، والسكان الأصليون من دول مختلفة، يُعدّون غير حساسين أو مفرطي الحساسية، ويعبرون عن الألم على نحوٍ مفرط (متذمرون)، أو كانوا يُعدّون قساة مثل الحيوانات الأخرى. في بعض الأحيان، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان يجري التعرف إلى عدم الإحساس من خلال عدم القدرة على الشعور بالألم. وفقًا لدراسة مشهورة لعالم الجريمة الإيطالي وعالم النفس ومؤسس مدرسة الأنثروبولوجيا الجنائية سيزار لومبروزو، كانت هذه السمة نموذجية لفئة المجرمين. لا يمكن حل تحدي الألم من خلال استعارات الهندسة الإلكترونية.

في جوهر هذه المحاولات لتقسيم العواطف إلى درجات، يكمن التأكيد الضمني على أن الألم هو ظاهرة جسدية، وهو تجسيد للعلاقة بين النهايات العصبية والدماغ. طوال معظم القرن العشرين، عمل العلماء الطبيون الغربيون تحت الانطباع الخاطئ بأن تجربة الألم يمكن ربطها بمستويات الشدة. كلما زاد التحفيز، كان الألم أكثر وضوحًا. كلما كانت الإصابة أكبر، كان الألم أشد. من الواضح جدًّا أن هذه العلاقة المفترضة لا أساس لها. قدمت تجارب الحرب واسعة النطاق للأطباء معلومات تجريبية غنية، وتحدت على نحوٍ غير مريح ارتباط الضرر بالألم. لم تكن الإصابات الكبيرة دائمًا مصحوبة بألم شديد.

وجهت هذه الألغاز الباحثين إلى التركيز على العملية الديناميكية لنقل الإشارات العصبية. لا تُنقل هذه الإشارات في اتجاه واحد فحسب، أي من الأطراف إلى المركز، بل هناك أيضًا اتجاه من المركز إلى الأطراف. تُنسّق كيفية الشعور بمحفز حسِّي من خلال قسم التقييم الموجود في تجارب الفرد الشخصية، إذ يشمل ذلك مدى الانتباه للإصابة، وظروف الإصابة (الخطر، والخوف، والراحة التخفيفية، والأمان)، والسياق الثقافي لمفهوم الألم الذي يوفر إطارًا للتعبير عن الألم.

على الرغم من أنه في ستينيات القرن العشرين فُهمت هذه التغيرات الديناميكية تدريجيًّا؛ بوصفها نموذجًا مبتكرًا لنظرية بوابة التحكم (التي تتحكم في النقل التلقائي للمعلومات بين الدماغ والنهايات العصبية)، فإنه لا يمكن حل تحدي الألم من خلال استعارات الهندسة الإلكترونية. لذلك، في حين أن هذا يفسر جزئيًّا كثيرًا من أنواع التجارب المؤلمة الجسدية، فإنه لم يحل المشكلة المتعلقة بأن هناك آلامًا شديدة تظهر دون أي إصابة، إضافةً إلى مشكلة الألم المزمن، لا يمكن الاعتماد على أبحاث علم الأعصاب وحدها لتفسير الألم المستمر.

إن التحول المنطقي نحو الاعتراف بعدم التنبؤ بالألم وتعدد التخصصات، هو في الواقع إقرار بأن تجربة الألم غير ثابتة، ينبغي أن يكون قد ظهر فعلًا. مع ذلك، ما تزال الجاذبية في المفهوم البيولوجي العام لعملية الألم، وجاذبية موضوعية وقابلية قراءة الألم على البشرة، أو الوجه المؤلم المتعدد، موجودة. إن البحث عن الميزات الوجهية العامة للألم يعتمد على سوء فهم كان موجودًا منذ القرن السابع عشر، وهو أن نظام العضلات التعبيرية هو انعكاس مباشر للتجربة الداخلية، وهذا ما يزال قائمًا حتى الآن. من الفئران إلى البشر، حاول الباحثون تحديد كيفية ظهور وجه الألم دون أي نجاح. 

تعبيرات الألم لا تقل عن تعبيرات المشاعر الأخرى. في بعض الأحيان، يظهر الألم على هيئة ابتسامة، وأحيانًا أخرى على هيئة صرخة، وأحيانًا في صرير الأسنان. وفقًا لوصف مونك، فإن الوجه نفسه ليس مؤشرًا موثوقًا لأي شيء. في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حدث تحول نحو الفهم البيولوجي النفسي الاجتماعي للألم، الذي يجمع بين الوظائف البيولوجية والتعلم النفسي والسياقات الاجتماعية. تجربة الألم دائمًا ما تعتمد على هذه العوامل الثلاثة. لكن في الواقع، فإن منطق التخصصات الأكاديمية يعني أن دراسة الألم تظل مقسمة ومعزولة. في الوقت نفسه تقريبًا، صاغت مجموعة من أطباء علاج الألم البارزين تعريفًا رسميًّا يعالج مشكلة التصنيف غير المتسق للألم عبر التخصصات. أقروا قليلًا من الجوانب النفسية والاجتماعية، لكنهم حافظوا أساسًا على العلاقة بين الألم والضرر.

عام 1979م، كان التعريف الذي قدمته الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP) هو حجر الزاوية: “الألم هو تجربة غير سارة من الإحساس والشعور المرتبط بأضرار نسيجية فعلية أو محتملة (أو ما يوصف على نحوٍ مشابه) “.

إن الإصرار على ارتباط الألم بإصابة الأنسجة، الذي يعتمد على مفهوم الألم النخاعي الذي يتوسط الدراسات الفسيولوجية للألم، يقلل من قيمة الألم العاطفي والمزمن الذي لا يتضمن إصابة واضحة. يبدو أن تجربة الألم العاطفي التي تتغير مع تقدم العمر تتلاشى. لا يعني أن هذا النوع من الألم لم يُدرس، بل إن وضع الألم في إطار حسي واصطلاحي (تروما تعني “إصابة” باللغة اليونانية القديمة)، قد حدّ من نجاح النموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي.

أخيرًا، اعتُرف بعدم كفاية تعريف عام 1979م في يوليو 2020م، عندما أضافت الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP) قائمة من التنقيحات والتغييرات: دائمًا ما يكون الألم تجربة شخصية، يتأثر بعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية بدرجات متفاوتة.

  • الألم والضرر العصبي هما ظاهرتان مختلفتان، ولا يمكن استنتاج الألم من خلال نشاط العصبون الحسي فحسب.
  • يتعلم الفرد مفهوم الألم من خلال تجاربه الحياتية.
  • ينبغي احترام تقارير تجربة الألم الفردية.
  • على الرغم من أن الألم غالبًا ما يكون له دور تكيّفي، فإنّه يمكن أن يؤثر سلبًا في وظائف الجسم، ويكون له تأثير في الرفاهية الاجتماعية والنفسية.
  • التعبير اللفظي هو واحد فقط من السلوكات العديدة التي تعبر عن الألم، عدم القدرة على التواصل لا ينفي احتمالية شعور الأشخاص أو الحيوانات غير البشرية بالألم.

يمكن القول إنه لا يوجد نهج واحد يمتلك الأدوات اللازمة لإزالة الألم. قدمت هذه التعديلات اقتراحًا لتغيير جذري، ليس في الطريقة التي يُعالج بها الألم فحسب، بل أيضًا في الطريقة التي يُبحث فيها. إن الاعتراف بأن الألم دائمًا شخصي يشير إلى أن أي محاولة لتشييء هذا الألم تُعدّ خاطئة، وتمييز الألم عن الضرر يعني أن أشكال الألم غير المرتبطة بإصابة -مثل الألم العاطفي وبعض أنواع الألم المزمن والاجتماعي- جميعها تقع ضمن نطاق الطب. الاعتراف بأن الألم هو مفهوم يُتعلّم، يثير السؤال بشأن كيفية تعلّمه، ومن الذي وما الذي يشكل إطار هذا التعليم. التعامل بجدية مع الوصف الذاتي للألم يعني أن عملية التحقق الطبي لم تعد تعتمد على أدوات القياس التشخيصية التي ترفض الاستماع إلى صوت المرضى؛ الاعتراف بأن الألم ليس بالضرورة تكيفيًّا، يعني أن الأسباب والنتائج الاجتماعية والنفسية لحالة الألم تُعامل بجدية، وأخيرًا، الاعتراف بأن الألم ليس له قدرة عامة على التعبير اللغوي، يفتح الباب للاعتراف بوجود عالم من الألم يتجاوز الكلمات.

هذه الأمور كلّها هي أخبار مرحب بها من منظور الملايين من ضحايا الألم المزمن والألم العاطفي (الحزن، والوحدة، والاكتئاب، والصدمة النفسية، وما إلى ذلك)، والحالات المؤلمة الغامضة مثل متلازمة التعب المزمن. بالنسبة إلى الباحثين في مجال الألم خارج العلوم الطبية والأبحاث السريرية، يعني هذا تحديات وفرصًا هائلة. هذا التحول المنطقي نحو الذاتية وعمليات التعلم المفاهيمي، جنبًا إلى جنب، مع الاعتراف بأن الألم لا يتطلب بالضرورة إصابة جسدية، يشير إلى أن العلوم الطبية تحيط بالعلوم الإنسانية. يتردد صدى هذا خاصة بين المؤرخين الذين يستكشفون تجارب الألم في مختلف العصور والمناطق. يمكن القول إنه لا يوجد نهج يمتلك الأدوات اللازمة لإزالة الألم، لكن تحديد مواقع الأبحاث المتعلقة بالألم داخل التخصصات الطبية الآن، يتطلب الاعتراف بأن التاريخ هو منتج للمعرفة المتعلقة بالألم، وله أهمية كبيرة في فهم الباحثين الطبيين لماهية الألم وكيفية علاجه. معرفة الألم في التاريخ مفيدة جدًّا. إن المشاركة الواعية في أبحاث الألم تسهم في التصحيح التاريخي لتجربة الألم، وفقًا لتعريف الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP) الحالي. إذا كان الناس في حالة ألم، وإذا قالوا إنهم يشعرون بالألم، فإن الأرشيفات تبدو فجأة ممتلئة بشهادات الألم. قد لا تؤكد الأوساط الطبية دائمًا هذا الألم، لكنها الآن يمكن أن تؤكده. إجراء ذلك يشدد على الحاجة إلى فهم المفاهيم الخاصة بالسياقات المؤلمة، وقراءة الأدبيات للعثور على طرائق لتجاوز الكلمات والتعبيرات الوجهية المنتظرة للتعبير عن الألم. لأنه مهما اعترفت الجمعية الدولية لدراسة الألم (IASP) أن الألم هو مفهوم متعلم، ما يزال من الصعب رؤية التغيرات الديناميكية في السلطة التي تحدث في اللقاء مع الطب. سواء أكان المريض يعاني كسرًا في الساق أم قلبًا محطمًا، سيظل يسعى للحصول على المساعدة الطبية.

علاج الألم له طابعه الخاص. يتعلم المرضى والمؤسسات الطبية استكشاف حالات الألم وإدارتها من خلال نصوص ثقافية غير مرئية، إذ تعتمد تجارب الألم على هذه النصوص للتفاوض بشأنها. عندما يلتقي الشخص المتألم الآخرين، سواء أكانوا أطباء أو أصدقاء أو غرباء، تتفاعل السياسة التشخيصية ومنطق وصف الأدوية، وآليات التحقق والتخلي الطبية؛ هذه الأمور كلّها تُعدّ غير مرئية أو طبيعية. من خلال عرض الحالات التاريخية، يمكننا أن نفهم الديناميكيات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في هذه اللقاءات، وكيف يُتحقّق من الألم (أو عدمه) في سياقات محددة. يمكن للمرضى والمجتمع الطبي أن يمتلكوا أدوات أفضل لطرح الأسئلة بعضهم على بعض، وفهم السياسة المرتبطة بالألم على نحوٍ أفضل.

مترجم من: “سياسة الألم” للكاتب روب بوديس
 https://aeon.co/essays/pain-is-not-the-purview-of-medics-what-can-historians-tell-us

مقالات ذات صلة