القائمة الرئيسية

قدسية الجمال

قدسية الجمال
ملخص المقال

يتناول النص مفهوم قدسية الجمال وتطوره في الفكرين الغربي والصيني، موضحًا أن الجمال ليس مجرد مظهر خارجي أو متعة حسية، بل تعبير روحي سامٍ يمنح الحياة معناها العميق. يشرح الكاتب كيف انتقل الفكر الغربي من رؤية الجمال كـ “محاكاة للواقع” عند أفلاطون إلى اعتباره تجليًا للحكمة العليا عند أفلوطين، ثم إلى تحررٍ من النفعية عند كانط وشيلر، وصولًا إلى فكرة الصفاء المقدس عند هايدغر الذي دعا إلى “العيش في عالم شعري”. في المقابل، يعرض الفكر الصيني مفهوم وحدة الأشياء جميعها و”جمال الصورة الشعرية”، الذي يجعل الجمال متجاوزًا للمادة ومتصلاً بالروح والإنسانية.

ترجمة: نواف الأحمري

في مجتمعنا المعاصر، إذ يُهيمن اقتصاد السوق وتصبح الحياة أقرب للطابع الفني، لا يتبادر إلى أذهان الناس إلّا أن “الجمال” مجرد مظهر لطيف أو صوت جميل، ويتساءلون: أين القدسية في ذلك؟ لذا عندما نطرح الآن مفهوم قدسية الجمال، قد يرى بعضهم أن هذا الطرح لا يتماشى مع واقعنا. في الحقيقة، يمكن تقسيم الجمال إلى مستويات منخفضة وعالية، فالمستوى المنخفض من الجمال هو المظاهر الجمالية، أي ما تسرّ به العين وتسعد به الأذن. أما المستوى الأسمى، فهو جمال الروح الذي يجسد قدسية الجمال. في مجتمعنا المعاصر، قد نجد أن المظاهر الجمالية تفتقر إلى البعد الروحي لدعمها، أي ينقصها البعد الروحي السامي المتجاوز للواقع. ما أود الحديث عنه اليوم هو ضرورة وجود هذا البُعد الروحي العميق ليضفي القدسية على الجمال. فالجمال الظاهري، عندما يستند إلى بُعد روحي عميق، يكتسب طابعًا مقدسًا.

شهدت الثقافة الغربية عبر تاريخها الفكري عملية طويلة لتطوير فهم قدسية الجمال. في الفنون اليونانية القديمة، غالبًا ما كانت الفنون تُصنف على نحوٍ شائع ضمن فنون المحاكاة، إذ تتميز الفنون بكونها محاكاة للأشياء الواقعية التي نعيشها، وكانت أيضًا تعدّ الأشياء الواقعية معيارًا أساسيًّا لتقييم الفن. بناءً على هذا المعيار، قلل الفيلسوف أفلاطون من شأن الفن، إذ رأى أن الفن يُحاكي الأشياء الواقعية، في حين أنّ الأشياء الواقعية نفسها ما هي إلا محاكاة للمفاهيم (مثل الأفكار والحقيقة) وبذلك يُصبح الفن محاكاة لمحاكاة أخرى. وبناءً على ذلك، كانت معايير جمال الفن تُقاس وفقًا للأخلاق أو عدمها؛ المرتبطة بالأشياء الواقعية. وبهذا النحو، يصبح الجمال أدنى من الحقيقة والخير. 

في اليونان القديمة، لم يكن الجمال بَعدُ يُعدّ مقدسًا، فقد كانت الثقافة اليونانية في مرحلة مبكرة من تطورها، إذ كان الناس يولون اهتمامًا أكبر باهتمامات الحياة الواقعية، وكان الجمال مرتبطًا بمفاهيم الحقيقة والخير، ما يجعله أمرًا مفهومًا. مع ذلك، كان أفلاطون من أوائل من ميزوا بين الحواس الجمالية وغير الجمالية. فالحواس الجمالية هي البصر والسمع، أحدهما مسؤول عن الرؤية، والآخر عن السمع، والجمال المرئي والمسموع يأتيان من هاتين الحاستين. هذا التمييز الذي أجراه يحمل ضمنيًّا طابع قدسية الجمال، لأن العين ترى والأذن تسمع، وكلاهما لا يمتلك منفعة عملية. على خلاف حواس مثل التذوق، والشم، واللمس، التي تُعدّ ملموسة وذات فائدة عملية؛ فمثلًا، حاسة التذوق تُشبع الجوع وتلبي حاجة الإنسان، ما يجعل لها منفعة عملية، أما الصوت واللون، فعلى الرغم من جمالهما، لا يمكن تناولهما، فأين تكمن فائدتهما إذن؟

لذا، فإن التمييز بين الحواس الجمالية وغير الجمالية هنا يحمل معنًى مهمًّا ضمنيًّا، وهو أن الأشياء الجميلة تفتقر إلى الوظيفة العملية. يدل هذا على أن أفلاطون أدرك اختلاف الاهتمام الجمالي عن الاهتمام العملي، كذلك شدد على أن الأعمال الفنية تعبر عن شكل الأشياء وليس عن حقيقتها المادية. بالتأكيد، هذا لا يعني بعد أن الجمال يمتلك طابعًا مقدسًا. بعد أفلاطون، جاء أفلوطين، آخر فلاسفة اليونان في القرن الثالث الميلادي، ليعارض نظرية المحاكاة التي طرحها أفلاطون، إذ رأى أن الفن ليس مجرد محاكاة بسيطة للأشياء الواقعية، بل إن جمال الفن، في التصوّرات الفلسفية القديمة، يُعزى إلى الحكمة العليا المنسوبة إلى مصدر متعالٍ، وبهذا يصبح للفن نصيب من القدسية، وبها يتحرر الجمال من القيود الأخلاقية المرتبطة بالإرادة الواقعية، ما يزيد من قيمته ليكتسب طابعًا قدسيًّا.

ورث الفيلسوف الكبير في العصور الوسطى توما الأكويني، فكرة أفلاطون في التمييز بين الحواس الجمالية وغير الجمالية، وكذلك فكرة أفلوطين بأن الجمال يصدر عن مبدأ متعالٍ، وطوّر هذه الأفكار. وقد شدد توما على التمييز بين الجمال والخير، مؤكدًا أن الجمال لا يرتبط بمنفعة عملية، حتى إنه قال: “الجمال ليس منفصلًا عن الخير فحسب، بل هو أعلى منه مرتبة”، بذلك، أوضح توما خصائص الجمال التي تتجاوز المنفعة العملية، ما عزز على نحوٍ كبير من القيمة المقدسة للجمال.

عندما يتعلق الأمر بكانط، فقد ربط الجماليات بالحرية، واعتقد أن الناس في الوعي الجمالي غير مقيدين بالنفعية، وأن التحرر من القيود هو الحرية. لذلك، يكون الناس في أكثر حالات الحرية عند اختبارهم للجمال. ومع وصول الفلسفة الغربية إلى كانط، ظهرت الأطروحة التي تقول إنّ “الجمال يكمن في الحرية”. أكد كانط بوضوح أن للجمال تأثيرًا تحريريًّا، إذ يعني التحرير هنا، تحرير الناس من القيود النفعية المختلفة. مع ذلك، يرى كانط أن الأعمال الفنية هي “صور جمالية”، وهي تجليات حسية للأفكار العقلانية، على غرار النظرية التي طورها هيجل فيما بعد، التي تقول إنّ “الجمال هو التجلي الحسي للأفكار”. في نهاية المطاف، تكمن الحرية في الأفكار المجردة والمفاهيم العقلانية التي تتجاوز الحواس.

يرى شيلر أن الفن يسمو فوق المصالح العملية، ويعد علامة على التحضر الإنساني. وقد تبنى أفكار كانط وطوَّرها، وكان يرى أن الأشخاص الذين يقدرون الجمال هم وحدهم الأكثر حرية والأكثر اكتمالًا. ذكر شيلر أن الجمال ليس مقيدًا بالشهرة والثروة فحسب، بل أيضًا غير مقيد بالقوانين العقلانية واللاأخلاقية. في الحقيقة، يعدّ الجمال في جوهره أسمى من الأخلاق. قوانين العقل تشمل أيضًا قوانين الأخلاق، إذ تتضمن الأخلاق مفهوم “الواجب” الذي يدل دائمًا على الإكراه، على الرغم من أن الإكراه الأخلاقي يكون اختياريًّا. أما الجمال، فعلى العكس تمامًا، لا يحمل في طياته أي معنًى للإكراه، فهو طبيعي وينسجم تمامًا مع الأخلاق.

يقول الصينيون إننا نعيش بروح التآخي مع الكائنات ونتناغم مع السماء والطبيعة، عامة الشعب هم أبناء وطني وإخوتي، والكائنات الطبيعية هي من جنسي، أشعر بآلامهم كما لو كانت آلامي الشخصية. هذا هو أعلى أنواع جمال الروح. في هذا الجمال الروحي، أتعامل معك بلطف، ليس من منطلق “الواجب” فحسب، بل لأنك جزء مني، فألم إصبعك يعادل ألمي الشخصي. نحن الاثنان جسد واحد، لا فرق بيننا، وحدة الأشياء جميعها هي الإنسانية، والإنسانية الشاملة هي كذلك. هذا النوع من الروح ليس الجمال المادي العادي، بل هو جمال روحيّ أعلى، جمال ذو طابع مقدس! حرية الجمال التي تحدث عنها شيلر، تحمل شيئًا من هذه المعاني الطبيعية تلقائيًّا.

عمومًا، بدأت الفلسفة الغربية بعد هيغل تتحول تدريجيًّا من التفكير الماورائي (المتجاوز للحس) والتفكير المجرد، إلى التركيز على العالم الواقعي. تناول ماركس الحديث عن الواقع، وكذلك هايدغر، لكن من زوايا مختلفة. رأى هايدغر أن الحالة الأصلية للحياة هي الحالة الأصيلة، وهي حالة قريبة مما يسميه الصينيون بوحدة الأشياء جميعها والتآخي مع الكائنات. لكن عندما ينظر الإنسان إلى الأشياء الخارجية على أنها منفصلة عن ذاته، ينشأ انفصال بين الذات والموضوع، ما يسهم في تطور المركزية الإنسانية المتطرفة، وتجعل هذه النزعة الإنسان محور الكون، فينظر إلى الأشياء جميعها، حتى الأشخاص الآخرين بوصفهم أدوات تُستخدم لتحقيق أهدافه، إذ تُستبدل علاقة الاستخدام والاستغلال بروح التآخي مع الكائنات ووحدة الأشياء جميعها. يصف هايدغر هذه الحالة بأنها حالة غير أصيلة، ويعتبر أن هذه “اللاأصالة” أمر حتمي لا مفر منه.

يؤكد هايدغر أن الإنسان يحتاج إلى تجاوز العلاقة القائمة على الاستخدام البحت، وهذا يستلزم أن يرتقي بذاته إلى مستوى جمالي يحقق انسجام الأشياء جميعها، ما يسمح له بالعودة إلى “الحالة الأصيلة”. في سنواته الأخيرة، اقترح هايدغر فكرة العيش في “عالم شعري”. وقد عارض الفكرة التقليدية الغربية التي ترى أن الجمال يكشف لنا الأشياء الحسية (مثل الكائنات والأشياء التي ندركها بحواسنا)، والمعاني العميقة الماورائية (المتجاوزة للحس) التي تعبر عن الجمال على نحوٍ مجرد، وعدّ أن الإنسان ينبغي أن يعود من المفاهيم المجردة إلى العالم الواقعي المحسوس، إذ يتكون هذا العالم من وحدة تجمع بين “الأشياء الحاضرة” الظاهرة و”الأشياء الغائبة” المخفية خلفها، لكنها تظل ملموسة. المستوى الشعري هو التأمل في “الظاهر” والتذوق العميق للوصول إلى “المخفي”، ما يحقق تجربة جمالية تشمل وحدة الأشياء جميعها. يُسمّي هايدغر هذه الحالة بـ “حالة الصفاء”، ويؤكد بوضوح أن هذه الحالة مقدسة.

الصفاء يحافظ على كل شيء في سكينة وكمال، فهو حالة مقدسة بحد ذاتها. بالنسبة إلى الشاعر، الأسمى والمقدس يتجسدان في شيء واحد، وهو الصفاء. قد تُستخدم كلمة “مقدس” للتعبير عن التناقض مع الطابع النفعي للحياة اليومية، فالحياة اليومية، لا سيّما في العصر التقني الحديث، تجعل من كل شيء بما في ذلك الإنسان نفسه، مجرد موضوع للاستخدام، وتحول كل شيء إلى أداة، ما يجعل عالم البشر مملًّا رتيبًا، ويتحول نهار حياة الإنسان الحديث إلى ليل يخنق حرية الإنسان. هذا العالم هو العالم غير المقدس.

أما الفن والشعر، فيفتحان أمام الإنسان بابًا إلى “عالم مقدس” جديد تمامًا، يدخله فجأة وبغير توقع. يكشف هذا “النور المقدس” جوهر الأشياء كلّها، إذ يصبح كل شيء حرًّا ومنطلقًا، وقد تحولت قدسية الجمال وحرية التعبير عنه في الفكر الجمالي الغربي من المفهوم التقليدي التجريدي إلى مفهوم أكثر تجسيدًا وواقعية. أعتقد أن وعي الفكر والثقافة الغربية بقدسية الجمال وحرية التعبير عنه قد وصل في هذه المرحلة إلى ذروته.

عندما نتحدث عن قدسية الجمال، فهذا لا يعني الانفصال عن الواقع أو الابتعاد عن الحياة اليومية. على سبيل المثال، يمكن أن تكون تجربة شرب الشاي بسيطة وواقعية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعادًا جمالية شاعرية، فالشخص الذي يفتقر إلى الوعي الجمالي يرى شرب الشاي مجرد وسيلة لإرواء العطش لا أكثر، في حين أنّ الشخص ذا الحس الشاعري، يجد فيه ما يروي عطشه ويستمتع كذلك بشاعريته. هكذا يتجسد في هذه التجربة الواقعية بُعد روحي مقدس، إذ يجري إشباع الرغبات الأساسية إلى جانب التمتع بالجوانب الجمالية. لكن لماذا لا تعزز ثقافتنا الوعي الجمالي المقدس على نحوٍ قوي، وبدلًا من ذلك، تكتفي بالبقاء مقيدة عند مستوى الرغبات الأساسية؟

يتقاطع الجمال الشاعري في مفهوم “النقاء الواضح” الذي تناوله هايدغر على نحوٍ كبير مع “جمال الصورة” في الثقافة الصينية التقليدية، دون الخوض هنا في الفروقات بين المفهومين. قال ليو شي: “العاطفة التي تتجاوز الكلمات تُسمى الخفاء، وما يظهر بوضوح أمامنا يُسمى الظهور”. الظهور يعني ما يظهر بوضوح ويكون له شكل ولون. تكمن الشاعرية في استخدام “الصورة” المرئية والملموسة، لتجعل الشخص يستشعر “المعنى” اللامحدود الكامن وراءها؛ والعاطفة التي تتجاوز الكلمات والمعنى الذي يتجاوز التعبير اللفظي. مفهوم “الخفاء والظهور” عند ليو شي، بلغة هايدغر الغربية، يشير إلى الإحساس بـ “الأشياء الحاضرة” لإدراك تلك “الأشياء غير الحاضرة” اللامحدودة الكامنة وراءها.

تقول قصيدة يوان تشن: “ما زالت الزهور تتفتح رغم وحشة القصر. الوصيفات المسنات ما زلن هنا، جالسات بلا شيء سوى الحديث عن الإمبراطور شوانزونغ”. إن ازدهار عهد تانغ قد ولى، والآن يسود الخراب. من خلال “الحضور” المتمثل في الوصيفات المسنات، يمكن للمرء أن يتخيل مشاهد الازدهار والتنافس على الجمال والمكانة في زمن الإمبراطور شوانزونغ، ما يثير في النفس مشاعر لا حصر لها، ويغمر المرء في حالة من الشاعرية. هذه التأملات اللامتناهية هي أيضًا شكل من أشكال المتعة الجمالية التي لا نهاية لها! كما قال دو فو في قصيدته “مشهد الربيع”: “الدولة قد دُمّرت، لكن الجبال والأنهار ما زالت موجودة، والمدينة في الربيع مغطاة بالأعشاب والأشجار الكثيفة”.

تناول سي ما قوانغ في كتابه “استكمال حديث الشعر” تحليلًا عميقًا لهذين البيتين من الشعر: “حين يكتب القدماء الشعر، يقدّرون فيه المعاني التي تتجاوز الكلمات، ما يدفع القارئ إلى التأمل لاستيعابها… مثل “الدولة قد دُمّرت، لكن الجبال والأنهار ما زالت موجودة، والمدينة في الربيع مغطاة بالأعشاب والأشجار الكثيفة “… تعبير “بقاء الجبال والأنهار” يُظهر بوضوح أن لا شيء آخر قد تبقّى، في حين أنّ “كثافة الأعشاب والأشجار” تُظهر بوضوح غياب البشر”. يمكننا أن نرى أن “بقاء الجبال والأنهار” و”كثافة الأعشاب والأشجار”، هي “حالات ظاهرة للعيان” في النص (الجمال الظاهر)، لكنها في الوقت ذاته تكشف (تُظهر) “ما هو غير موجود” (“الجمال المخفي”)، وهي المشاعر الكامنة خلف الكلمات التي تصور “غياب الأشياء” و”غياب البشر”، ما يفتح للقارئ أبوابًا واسعة لتخيلٍ لا حدود له. إن مفهوم “الجمال المخفي” في التقليد الصيني الذي يركز على “جمال الصور الشعرية” يمتاز بالعمق والسمو! ويمكن القول إنه يحمل طابعًا مقدسًا.

 نشر الأستاذ يي لانغ مقالة بعنوان “لا تنتهي الكلمات حول حلم المقصورة الحمراء”. لماذا لا تنتهي الكلمات عن هذه الرواية؟ لأن من خلال بعض الأحداث السطحية والواضحة التي تظهر في مشهد من رواية حلم المقصورة الحمراء، يمكن استيعاب المعاني العميقة للحياة والسياقات الاجتماعية والتاريخية الكامنة خلفها، وهذه معانٍ “لا تنتهي”، و”لا تنتهي” تعني أيضًا أنها ممتلئة بالتأمل الغني الذي لا حدود له. هذا التأمل اللانهائي، بما يتضمنه من تخيل لا محدود، يُثير لدى القارئ إحساسًا بالقدسية.

في الوقت الحاضر، فإننا نشجع على جعل الحياة أكثر فنية، وهذا أمر جيد. لكن إذا اختُزل مفهوم الحياة الفنية ليقتصر على الفن الذي يخدم المصالح المادية، يصبح مجرد وسيلة للتفاخر بالمظاهر الزائفة، مثل الشهوات الحسية والمقتنيات المادية، ومع غياب أي مضمون عميق أو بعد روحي، فإنه سيؤدي إلى إغراق الناس في رغبات دنيئة، ويجعل كل شيء يتحول الى علاقة نفعية استخدامية. هذا الشكل من الجمال والفن، الذي يخلو من القدسية والعمق الروحي، لا يستحق أن يكون موضع تشجيع منّا. الصين هي موطن الشعر. كان هناك شعراء يسعون إلى إدراك الجمال عبر العصور، حتى وإن كانوا في قصر الحكم، غالبًا ما كانت قلوبهم خارج أسواره. أي إنّهم، على الرغم من انشغالهم بتعقيدات الحياة الواقعية وهمومها، استطاعوا أن يصعدوا بأرواحهم نحو عوالم أسمى، فكانوا يبدعون الشعر ويؤلفون النصوص، متحررين بذلك من قيود الواقع.

أرى أن على مجتمعنا اليوم أن يستلهم هذا التقليد، ويعمل على بناء بيئة تدعو إلى تبني مفهوم «العيش بروح شاعرية على هذه الأرض» بوصفه منهج حياة وطموحًا ساميًا.

أعرب بعض الأصدقاء عن آرائهم بشأن تصوري هذا قائلين: “إنه غير واقعي أبدًا، فكيف يمكن للناس العاديين أن يفهموا الشعر؟”. يشبه هذا ما قد يراه بعضهم اليوم أن فكرة قدسية الجمال غير واقعية، ولا صلة لها بالحياة اليومية. الحقيقة أنني أقترح تعزيز التوجه نحو حياة يغلب عليها الطابع الشاعري، دون أن يعني ذلك مطالبة الجميع بأن يصبحوا شعراء أو كُتّابًا. إذا أردنا توضيح الفكرة على نحوٍ أبسط، فإن الترويج لأسلوب حياة شاعري، والارتقاء بقدسية الجمال، لا يعني سوى السعي لأن يحتفظ الإنسان بنقاء روحه وصفاء قلبه كقلب الطفل.

عندما يتحدث هايدغر عن الحالة الحتمية غير الأصلية التي تمثل (علاقة الاستخدام في حياة اليومية)، في مقابل الحالة الأصيلة (ترابط الكائنات كلّها وترابطها في وحدة واحدة)، فإن جوهر هذا المفهوم يكمن في دعوة الإنسان، على الرغم من تشابكه مع تعقيدات الواقع اليومي، إلى الحفاظ على نقاء روحه وصفاء قلبه كقلب الطفل.

 الشعراء والفنانون الحقيقيون هم أولئك الذين يحتفظون بنقاء القلب وصفائه كقلب الطفل، لكن الوصول إلى هذه النقطة ليس بالأمر السهل، وقد أكد الفيلسوف منشيوس أهمية الحفاظ على نقاء القلب وبراءته، مشيرًا إلى إنسان عظيم، ويقصد به: “الإنسان العظيم: هو الذي لا يفقد قلب الطفل في جوفه مهما نال من القوة”.

يقول الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي: “الروح الفنية تكمن في امتلاك قلب كقلب الطفل”، ما يجعله بعيدًا عن الغايات العملية. مشيرًا إلى أن الفنان ينبغي أن يستجيب لاحتياجاته الداخلية دون التأثر بالأمور الخارجية، ما يتيح له الوصول إلى الحرية الإبداعية. يرى كاندينسكي أن الفن الحقيقي ينبع من الروح، بعيدًا عن الأهداف النفعية، ويعتمد على رؤية جديدة ومبتكرة للعالم، ما يؤدي إلى إنتاج أعمال فنية فريدة وأصيلة. كلمات كاندينسكي تُظهر لنا أن حرية الجمال، على الرغم من قدسيتها، ليست غامضة أو بعيدة المنال، بل تكمن ببساطة في قلب نقي كقلب الطفل. ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا النقاء وعدم فقدانه أمرٌ ليس بالسهل، ولهذا السبب من الضروري تشجيع هذه الفكرة ودعمها بقوة.

دُعي في هذه الندوة إلى تبني الحالة الشاعرية لـ “وحدة الكائنات جميعها، أو وحدة الأشياء جميعها”، التي تجسدها أو التي تكمن فيها “قدسية الجمال”، بوصفها هدفًا نهائيًّا لتحقيق أعلى قيم الحياة. هذه المبادرة تحمل أهمية واقعية كبيرة، وهي فكرة قابلة للتطبيق. حسنًا، لنكتفِ بهذا الحديث. ودعونا نُضئ عالمنا بنور الجمال المقدس.

مقالات ذات صلة