ملخص: لقد أحدث الذكاء الاصطناعي، من خلال الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة، تغييرًا عميقًا في سلوك نشر الأخبار لدى البشر. وفي هذا السياق، تقع أبحاث أخلاقيات الصحافة ضمن مجال بحثي متعدد التخصصات يجمع بين الفلسفة، والقانون، وعلم الصحافة والإعلام. يركز نطاق البحث الواسع على الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته عمومًا ،في حين يركز نطاق البحث الضيق على جوهر أخلاقيات الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي. يتمحور البحث في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي حول تحديد مكانة التكنولوجيا كفاعل أخلاقي، وهو موضوع تتباين حوله الآراء تباينًا كبيرًا، ويقدم نموذج الأخلاق الموزعة مقاربة جديدة لمعالجة هذا الإشكال الفلسفي، حيث يميز بين المساءلة الأخلاقية والمسؤولية الأخلاقية. تهدف دراسة أخلاقيات الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى الاستجابة للتحديات التي تطرحها الممارسات الصحفية في ظل التطور التكنولوجي، حيث أثارت قضايا مثل تأثير فقاعة المعلومات، وما بعد الحقيقة، والتحيز الخوارزمي، وحق النسيان، نقاشًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية ،وجوهر هذه الإشكاليات يكمن في الصراع بين التقنيات الإعلامية الجديدة والتوقعات الأخلاقية المهنية للمجتمع. ومن أجل تعزيز البحث في هذا المجال، هناك حاجة إلى وصف أكثر دقة للقضايا التقنية من منظور منطقي، وإجراء دراسات أعمق عن جوهر أخلاقيات الأخبار بمنهجية نظرية واضحة، وتطوير أبحاث متعددة التخصصات ذات جودة أعلى، من أجل تشكيل خطاب أكاديمي متكامل مستند إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية.
إذا فهمنا الإعلام فهمًا واسعًا على أنه وسيلة لنقل وتبادل المعلومات، فلن يكون من الصعب إدراك العلاقة الجوهرية بين تطور تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وبين الإعلام، بالإضافة إلى تأثيرهما في وسائل الإعلام التقليدية أو حتى تهديدها لها. لقد أحدث الذكاء الاصطناعي، من خلال الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة، تغييرات جذرية في سلوك نشر الأخبار لدى البشر، وأثار في الوقت ذاته نقاشات في تحيز الخوارزميات وطرائق تصحيحها ،وفي حماية الهوية الرقمية، وحماية البيانات الشخصية، إضافة إلى قضية الوصول غير المشروع إلى المعلومات. وفي ظل ذلك، تتزايد المخاوف الأكاديمية بشأن احتكار البيانات وديكتاتورية الخوارزميات وتأثيرها في العمليات الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، ما يجعل الحوكمة الأخلاقية والتنظيم الشامل لتكنولوجيا المعلومات أمرًا بالغ الأهمية. وفي هذا السياق، حدد مجلس الدولة في وثيقة “خطة تنمية الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي” بوضوح أن “سنّ القوانين واللوائح والمعايير الأخلاقية التي تعزز تطور الذكاء الاصطناعي” هو الضمان الأساس ي لتنمية الذكاء الاصطناعي في الصين .
إن تطور الأنظمة الذكية المستقلة يطرح عددًا من القضايا الملحّة التي تستدعي الانتباه، حيث ستظهر أنماط جديدة في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والآلة والطبيعة )المجتمع(. وإذا عددنا أن الهدف النهائي للذكاء الاصطناعي يكمن في تمكين الآلات )والأشياء( م ن امتلاك إرادة مستقلة، فإن ذلك سيؤدي أولًا إلى إثارة أزمة أخلاقية لدى البشر، ما يدفعنا إلى إعادة التفكير في القضايا الجوهرية المتعلقة بالأنطولوجيا ونظرية المعرفة في مجال الأخلاق، واستكشاف كيفية قيام الإنسان، بوساطة التكنولوجيا الذكية، ببناء حياة آمنة وعادلة وجميلة .من هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تقنية بحتة، بل يتحول إلى قضية فلسفية وسياسية.
إن البيئة الاصطناعية التي تُبنى في مجال الإعلام والاتصال تؤثر تأثيرًا مباشرًا في مشاعر الأفراد وآرائهم وقراراتهم السلوكية، ما يجعلها ذات أهمية كبيرة فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والأمن المجتمعي. أدت التطورات الجديدة التي تتضمن عناصر الأنظمة الذكية المستقلة، مثل الكتابة الآلية، والتوصيات الخوارزمية، وفلترة المعلومات، والروبوتات في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تغييرات جذرية في طرائق نشر المعلومات وتلقيها لدى البشر، ما أحدث تأثيرًا اجتماعيًا واسع النطاق من خلال إعادة تشكيل أنماط السلوك البشري. تبرز من هنا تساؤلات ملحّة تتطلب حلولًا أكاديمية عاجلة، مثل كيفية تحديد القضايا الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإخباري، وكيفية تعريف مفهوم الاحترافية الصحفية في عصر الإعلام الذكي، وكذلك كيفية بناء منظومة حوكمة أخلاقية وتشريعية للإعلام الذكي.
يهدف هذا البحث إلى تقديم مراجعة شاملة للدراسات في المجالات ذات الصلة مثل، علوم الإعلام والاتصال، والفلسفة، والقانون، وذلك من أجل توضيح المحاور البحثية الرئيسة التي ركزت عليها الأوساط الأكاديمية في دراسة الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات الأخبار، مع تقديم تأملات نقدية بشأنها ،ما يوفر أساسًا للتفكير في اتجاهات الأبحاث المستقبلية.
أولا: الذكاء الاصطناعي وأبحاثه الأخلاقية
منذ الثورة الصناعية، أصبحت الميكنة والأتمتة سمتين بارزتين من سمات الحضارة الإنسانية. عام 1956م، قدّم مجموعة من العلماء الشباب في مؤتمر دارتموث لأول مرة مفهوم “الذكاء الاصطناعي”، ما وسّع الخيال في الوظائف الاجتماعية للكيانات التكنولوجية، ومن ثم أُطلق عليه اسم “الثورة الرابعة".
يمكن تبسيط أبحاث الذكاء الاصطناعي بأنها تهدف إلى تعزيز قدرة وكفاءة الإنسان في مهام تعديل الطبيعة وإدارة المجتمع، وذلك من خلال استخدام الآلات الذكية (المؤتمتة). جوهر الذكاء الاصطناعي هو الخوارزميات، وهي عبارة عن سلسلة من التعليمات التي تُدخَل إلى الآلة بغرض حل المشكلات.
في بداياته، اعتمد البحث في الذكاء الاصطناعي اعتمادًا أساسيًّا على التفكير المنطقي والبحث الاستدلالي، وكان المجال الرئيس فيه هو الذكاء الاصطناعي الرمزي. وبعد مدة ازدهار قصيرة، وصلت أبحاث الذكاء الاصطناعي إلى فترة من الركود، حتى ثمانينيات القرن العشرين حيث أُ حيِي من جديد عندما دُمجت مع أبحاث الشبكات العصبية. حاليًّا، تشهد عدة مجالات تطورًا متزامنًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي، مثل الرؤية الحاسوبية، وفهم اللغة الطبيعية، والعلوم الإدراكية، وتعلم الآلة، وعلم الروبوتات، حيث حظي التعلم العميق في تعلم الآلة باهتمام واسع بعد الأداء الاستثنائي لنظام AlphaGo في لعبة(Go). وفقًا لدراسة أجرتها جامعة أكسفورد عام 2017م شملت نخبة من خبراء الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، فإن أكثر من 50% من هؤلاء الخبراء يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على البشر في جميع المجالات خلال 45 عامًا، كما أنه خلال 120 عامًا ستُؤتمت جميع الوظائف البشرية بالكامل.
في كتابه “موجز فلسفة التكنولوجيا” الذي صدر عام 1877م، كان كارب قد تنبّه بحدّة إلى قدرة التكنولوجيا على التوسع في جميع مجالات الحياة البشرية، مشيرًا إلى أن بعض التقنيات تمتلك طابعًا قهر يًّا يتيح لها التغلغل في الحياة الشخصية وإحداث تأثيرات عميقة. ومع استمرار الثورة الحاسوبية في تعزيز اعتماد البشر على الأتمتة، تزداد سيطرة الأنظمة المستقلة على قرارات قد تحمل تبعات أخلاقية. بمعنى آخر، وصلت الأنظمة المؤتمتة اليوم إلى مستوى من التعقيد يستلزم اتخاذها قرارات أخلاقية عند التعامل مع سيناريوهات محددة . يبرز هنا التساؤل: هل يمكن للإنسان أن يطمئن إلى تسليم حياته ورفاهيته لأنظمة لا تمتلك إطارًا أخلاقيًّا واضحًا؟ لقد تعمّقت هذه المخاوف مؤخرًا مع الكشف عن إساءة استخدام بيانات المستخدمين في منصات مثل فيسبوك وأمازون، إضافةً إلى تأثير الحسابات الوهمية المدارة عن طريق الروبوتات على تويتر في تشكيل آراء المستخدمين والتلاعب بمشاعرهم، ما أثار تساؤلات جدية عن المخاطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي.
على عكس العلوم والتكنولوجيا التي تسعى للإجابة عن سؤال “هل يمكن؟”، تهدف الأخلاق إلى معالجة سؤال “هل ينبغي؟. وفي سياق استخدامات الذكاء الاصطناعي، يجب أن تركز الأبحاث الأخلاقية أولًا على تحديد القيم الأساسية، وذلك لتوفير إطار منهجي للتفكير .
(1) النقد التكنولوجي وأخلاقيات التكنولوجيا
أدى الاستغلال القاس ي للعمال في بدايات الرأسمالية، إلى جانب التمدّن المتسارع وتدهور البيئة، إلى ظهور موجات مبكرة من النقد والمقاومة التكنولوجية، مثل حركة اللاضية الشهيرة في بريطانيا. ورغم أن الاتجاه السائد في الأوساط الأكاديمية آنذاك كان يميل إلى انتقاد هذه الحركات المناهضة للتكنولوجيا، فإن النزعة التشكيكية تجاه التكنولوجيا المعروفة بنظرية “الآلة التي اقتحمت الحديقة” لم تختفِ قط. كان الدمار الهائل الذي تسببت به الحرب العالمية الثانية دافعًا رئيسًا لتعميق هذا النقد، حيث عُدَّ هتلر أول شخصية في التاريخ البشري استخدمت القوة التكنولوجية لتوسيع نطاق جرائمها بشكل غير مسبوق. ومنذ ذلك الحين، أسهم كثير من المفكرين في تطوير النقد التكنولوجي وتعميقه، مثل جاك إلّول، ومارشال ماكلوهان، وهربرت ماركوزه، ولويس مومفورد، ولانغدون وينر، وبرونو لاتور وغيرهم. تشكّل أعمال هؤلاء الفلاسفة أحد المصادر الأساسية لنشأة أخلاقيات التكنولوجيا كمجال دراس ي مستقل.
يشير مارتن هايدغر في كتابه “حول التفكير”، إلى أن الإنسان، في جميع مجالات وجوده، أصبح محاطًا بالقوة التكنولوجية أكثر من أي وقت مض ى، بحيث بات خاضعًا تحت أشكال مختلفة للتحكم التكنولوجي. أعرب الفلاسفة عن قلقهم من أن يصبح الإنسان مجرد ترس في آلة المجتمع ا لتكنولوجي، ما يجعله عبدًا للتكنولوجيا سواء في تفكيره أو أفعاله ،وفي هذا السياق، ظهر مفهوم “التكنولوجيا المستقلة، والذي يعبر عن فكرة أن التكنولوجيا لم تعد خاضعة لسيطرة الإنسان، بل باتت تعمل باستقلالية، وإثارة مسألة استقلالية التكنولوجيا ضمن الإطار الكانطي أمر مقلق، لأن إيمانويل كانط كان يرى أن الاستقلالية هي الأساس الجوهري للإرادة البشرية؛ ومن ثم، فإن منح التكنولوجيا طابعًا استقلاليًّا يعني، إلى حد ما، إزاحة استقلالية الإنسان ذاته ]18[، ما يؤدي إلى انعكاس العلاقة بين الذات والموضوع.
ومع ذلك، لا يزال هناك عدد لا بأس به من الباحثين الذين يرون أن التكنولوجيا محايدة القيمة؛ إذ إنها ليست قوة ذاتية تحدد مصيرها بنفسها، بل مجرد أداة. يشير كارل إلى أن: “التكنولوجيا في حد ذاتها ليست خيرًا ولا شرًا، فكل شيء يعتمد على كيفية استخدامها”. كما يؤكد ميلفن مبدأ حيادية التكنولوجيا، عادًّا “أنه من المفيد تعريف التكنولوجيا على أنها مجرد أداة بالمعنى العام” .
يرى بعض الباحثين، استنادًا إلى التقليد البحثي لإلّول، أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة موجهة، بل إنها كيان ذو نيات وقوة مؤسسية ضمن البنية الاجتماعية. يؤكد وينر أن التكنولوجيا، تحت غطاء الحياد والأداتية، تؤسس لنظام جديد تمامًا . أما دون آيد، الفيلسوف الأمريكي في مجال فلسفة التكنولوجيا، فيرفض فكرة أن التكنولوجيا مجرد أداة محايدة، ويرى أنها تمارس دورًا فاعلًا في تحديد العلاقة بين الإنسان والعالم. وفي منظور لاتور، فإن الأخلاق والتكنولوجيا كلتاهما تنتميان إلى نطاق )الأنطولوجيا(؛ إذ تعمل التكنولوجيا، بأشكالها المختلفة، على تشكيل المجتمع البشري، بما في ذلك أفعالنا وقراراتنا ذات الأبعاد الأخلاقية.
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في تأثير التكنولوجيا هو آلية “النتائج العرضية”، أي إن سيطرة التكنولوجيا على الإنسان لا تكون دائمًا ناتجة عن نية مسبقة، بل إن بعض تبعاتها تكون غير متوقعة. بمعنى آخر، ليس بإمكان البشر دائمًا التحكم في العواقب الاجتماعية للتقنيات التي يبتكرونها، وقد عكَس مفهوم “مجتمع المخاطر” الذي طرحه أولريش بيك هذه الفكرة، حيث يشير إلى أن: “في مجتمع المخاطر، تصبح العواقب غير المعروفة وغير المقصودة هي القوة المسيطرة على التاريخ والمجتمع” .
وكما أشار الباحث الهولندي فيربيك، فإن أخلاقيات التكنولوجيا المبكرة اعتمدت في الغالب نهجًا نقديًّا؛ إذ لم تكن هذه الانتقادات موجهة نحو تطبيقات تكنولوجية محددة أو حالات عملية، بل كانت نقدًا لظاهرة “التكنولوجيا” نفسها. ومع ذلك، فإن هذا الأسلوب، بسبب تجريديته المفرطة وتركيزه على النقاشات الفلسفية الجوهرية، غالبًا ما يفتقر إلى الفعالية العملية، ما يجعله يعالج المشكلة دون الوصول إلى جوهرها الحقيقي.
(2) تحليل مكانة التكنولوجيا الاصطناعية كفاعل أخلاقي
لقد تجاوز الخيال التقني للذكاء الاصطناعي الحدود الفاصلة بين الإنسان والكيانات غير البشرية التي استمرت منذ عصر التنوير. حدد الفيلسوف التكنولوجي الأمريكي دون آيد أربعة أنماط للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا: العلاقة التجسيدية، والعلاقة التأويلية، وعلاقة الآخر، والعلاقة الخفية. يشبه مفهوم العلاقة التجسيدية الذي طرحه آيد مفهوم “التعامل اليدوي” عند هايدغر، حيث تصبح بعض التقنيات امتدادًا للجسد البشري، في حين تظل أخرى مجرد عناصر خلفية تؤثر في أفعالنا دون أن نلاحظها مباشرة ،ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تغيرت بنية العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والعالم، وبرزت أشكال جديدة من التداخل بين الإنسان والتكنولوجيا، مثل علاقة السايبورغ والعلاقة المركبة التي اقترحها الفيلسوف فيربيك.
يشمل الخيال التقني للذكاء الاصطناعي إمكانية ابتكار أنظمة آلية تمتلك وعيًا ذاتيًّا، وهو ما يطرح تساؤلًا جديدًا في مجال الأخلاق: هل يمكن منح التكنولوجيا مكانة الفاعل الأخلاقي؟ منذ عصر التنوير، كان يُنظر إلى الأخلاق بوصفها مفهومًا خاصًّا بالبشر. ومن ثم، فإن دراسة الكيانات غير البشرية باستخدام المفاهيم الأخلاقية تمثل تحديًا كبيرًا؛ إذ إنها تتعارض مع الفرضيات الأساسية للنظريات الأخلاقية.
في الأخلاقيات السائدة، يتطلب الفاعل الأخلاقي المؤهل امتلاك النية ودرجة معينة من الحرية. يرى كثير من الفلاسفة أن الكيانات التقنية تفتقر إلى الإرادة الحرة والنية، ما يجعلها غير قادرة على تحمل المسؤولية عن أفعالها. على سبيل المثال، يستطيع AlphaGo التفوق على أعظم لاعبي الغو، لكنه لا يدرك معنى تحركاته، ولا يمتلك إرادة حرة في مرحلته الحالية. إن ذكاء AlphaGo ليس مستق لًّا، بل يمثل امتدادًا إدراكيًّا ضخمًا للنظام البشري، حيث يعمل كنوع من التجسيد الخارجي لوظائف إدراكية معينة ضمن منظومة واسعة ]26[. بناءً على ذلك، سواء من منظور الأخلاق الواجبة أو العواقبية، لا يمكن تحميل الكيانات التقنية مسؤولية أفعالها من منطلق أخلاقي، بل فقط من منظور السببية. ولهذا السبب، يرى بعض الباحثين أنه “لا يوجد مبرر لإدراج الكيانات التقنية ضمن الجماعة الأخلاقية للبشر" .
عام 2004م، نشر فلوريدي وساندرز مقالًا مؤثرًا بعنوان “حول أخلاقيات الفاعلين الاصطناعيين”، ركّزا فيه على التقنيات الذكية التي تمتلك بالفعل مؤهلات “الفاعل”، واستنادًا إلى معايير التفاعل بين الفاعلين، استخدما ثلاثة معايير للحكم: التفاعلية، والاستقلالية، والقدرة على التكيف. فإذا كان النظام قادرًا على التفاعل مع البيئة الخارجية، واتخاذ إجراءات دون الحاجة إلى محفز خارجي، والتصرف بطرائق مختلفة في بيئات متنوعة، فإنه يمكن عدُّه فاعلًا ، وإذا كانت تصرفات النظام تؤدي إلى نتائج أخلاقية، فإنه يُعد كيانًا أخلاقيًّا مستقلًّا.
اقترح فلوريدي وساندرز، إلى حد ما، نموذجًا مشابهًا لاختبار تورينغ الأخلاقي، حيث ميّزا بين المسؤولية الأخلاقية والمساءلة الأخلاقية.
يسمح هذا النموذج بتوزيع المسؤولية الأخلاقية بطريقة تتيح وجود أخلاق بلا نية، ما يحوّل معضلة فلسفية إلى معايير قابلة للتطبيق. بمعنى آخر، لسنا بحاجة إلى التحقق مما إذا كان النظام الحالي كيانًا أخلاقيًّا ناضجًا أم لا، بل يكفي أن يستوفي المعايير الثلاثة: التفاعلية، والاستقلالية، والتكيف ،ليُعدَّ كيانًا أخلاقيًّا خاضعًا للمساءلة. لكن، لا يزال بعض الفلاسفة يرفضون منح الكيانات التقنية صفة الفاعل الأخلاقي؛ خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى إعفاء المهندسين البشريين، الذين صمموا هذه الأنظمة، من المساءلة الأخلاقية.
(3)أخلاقيات المهندسين
تُعد المسؤولية دالةً على المعرفة والسلطة. في عصر المعلومات الذكي، لا يقتصر دور العلماء والمهندسين على كونهم مجرد منفذين، بل إنهم يشكلون نسبة كبيرة من المشاركين في القرارات والإدارة على مستوى المجتمع. ونظرًا لأن أفعالهم تؤثر تأثيرًا أعمق وأوسع مقارنة بغيرهم، فإن مسؤوليتهم الأخلاقية تكون أكبر.
على مدى الـ 25 عامًا الماضية، كان أحد أهم الإنجازات في مجال أخلاقيات الهندسة هو إدراك المهندسين المتزايد لتأثير قيمهم الشخصية في عملية التصميم، بالإضافة إلى مدى حساسيتهم لقيم الآخرين خلال هذه العملية. في سبعينيات القرن العشرين، شكّلت الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم ونقابة المحامين الأمريكية مؤتمرًا وطنيًّا مشتركًا للمحامين والعلماء، بهدف مناقشة المعايير الأخلاقية في البحث العلمي. وبعد ذلك، نشرت الولايات المتحدة عددًا من التقارير بشأن المسؤولية الاجتماعية للمجتمع العلمي والتقني، بما في ذلك تقرير “الحرية العلمية والمسؤولية العلمية”.
عام 2000م، أقرّ مجلس اعتماد الهندسة والتكنولوجيا الأمريكي (ABET) في معاييره أن التعليم الهندسي يجب أن يُلزم الطلاب بفهم المسؤولية المهنية والأخلاقية كما أدرج البيت الأبيض في تقريره عن الذكاء الاصطناعي “فهم ومعالجة التأثيرات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي” كجزء من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وأوصى بتوفير تدريب أخلاقي لمتخصص ي الذكاء الاصطناعي والطلاب على حد سواء.
بالتأكيد، هناك أيضًا خبراء يرون أن الأنشطة التقنية هي أنشطة مؤسسية ضمن نظام التنظيم الاجتماعي، ومن ثم، لا يمكن للمهندس بمفرده تحمل المسؤولية عن النتائج التقنية. يشير الفيلسوف وعالم الأخلاق الألماني روبر إلى أن التكنولوجيا الحديثة ليست نشاطًا فرديًّا، بل هي عملية معقدة تتضمن التعاون والتقسيم الوظيفي، ما يعني أن المهندس، كفرد، ليس فقط غير قادر على تحمل المسؤولية الكاملة عن النتائج التقنية، بل إنه لا ينبغي له ذلك .
ثانيًا: دراسة أخلاقيات الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي
الأخلاق ليست مجرد قواعد ثابتة، بل هي سلوك إنساني ضروري لمواجهة التغيرات في الظروف، والأحداث غير المتوقعة، وأنماط التفكير الجديدة؛ فعندما تتغير الحياة الاجتماعية، تتغير أيضًا المفاهيم الأخلاقية. يتأثر قطاع الصحافة تأثرًا كبيرًا بتطور تكنولوجيا ا لمعلومات، وبما أن الصحافة وظيفة اجتماعية خاصة، فإن الممارسات الصحفية وأخلاقيات الصحافة تؤديان دورًا أساسيًّا في تشكيل أنماط الحياة الاجتماعية.
تقليديًّا، كانت المؤسسات الإعلامية تُعدُّ جهات تؤدي وظائف اجتماعية محددة، وكانت ممارساتها الإنتاجية وظروف عملها دائمًا متأثرة بالتكنولوجيا، وقد نشأت فكرة التغطية العادلة للحقائق المحايدة إلى حد ما بفضل التطورات التقنية والاجتماعية؛ حيث أدت التكنولوجيا وعلم الاقتصاد إلى خلق مفهوم الموضوعية الصحفية، متجاوزة بذلك الإطار المهني التقليدي لهذا المجال.
في مطلع القرن الحادي والعشرين، أحدث تطور تكنولوجيا المعلومات صدمة كبيرة لمفهوم الاحتراف الصحفي التقليدي، حيث أصبحت “الصحافة الاستقصائية” التقليدية وأساليب التدقيق الصارمة للحقائق في تراجع، واستُبدلت بها أشكال غير احترافية من الصحافة .ومع ظهور “الصحافة ما بعد الحقيقة” أو “الصحافة القائمة على التحقق بأثر رجعي”، تعرضت قيم مثل الموثوقية والدقة لضغوط كبيرة، كما تزعزعت القواعد الأخلاقية المتعلقة بأصالة الأخبار. يرى بعض الباحثين أن هذا التحول يعكس انتقال الصحافة إلى “عصر ما بعد الصناعة.
في منتصف تسعينيات القرن العشرين ، بدأت أوساط البحوث الإعلامية والصحافة في الصين دراسة وتعليم أخلاقيات الصحافة، ومن خلال مراجعة الأدبيات الموجودة، يمكن تصنيف البحوث الحالية عمومًا إلى ثلاثة محاور رئيسة: دراسات في ماهية الأخلاقيات الإعلامية، ودراسات حالة، وتحليلات لأخلاقيات الإعلام الجديد. تمثل المرحلة الأولى من بحوث الأخلاقيات الإعلامية في الصين فصل أخلاقيات الأخبار والإعلام عن نطاق الأخلاق العامة، والعمل على استخلاص المبادئ العقلانية لاتخاذ القرار التي يتبعها العاملون في مجال الإعلام والمؤسسات الإعلامية عند حدوث تضارب بين القواعد الأخلاقية المختلفة ضمن منظومة الأخلاق المهنية للإعلام الجماهيري.
في مناقشات أخلاقيات الصحافة وتطبيقاتها، لطالما كانت هناك تصادمات نظرية بين مفاهيم مثل الاحتراف والسلوك المهني، وحق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية، والسوقية والاحترافية، حيث يتمحور هذا الجدل بين حرية التعبير من جهة، وتعظيم المصالح العامة من جهة أخرى. لقد زعزعت تقنيات الإعلام الجديد احتكار الصحفيين التقليديين لعمليتي جمع الأخبار ونشرها، ما أدى إلى بروز فهم أكثر تنوعًا وتعددًا لما يُعد “خبرًا عادلًا” أو “خبرًا صحيحًا”. وفي هذا السياق، بدأت مفاهيم أخلاقيات الإعلام بالتمدد نحومجال الأخلاق المدنية، مشيرة إلى التحول في الاهتمام من مجرد قواعد المهنة إلى مسؤوليات المواطن الإعلامي.
في الوقت الحاضر، أدى اندماج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات وسائل التواصل الاجتماعي إلى التغلغل في جميع مراحل إنتاج الأخبار ونشرها والتفاعل معها. ومن بين أبرز التطبيقات النموذجية للذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام، نجد: الكتابة الآلية، وصحافة الاستشعار، وآليات التوصية الذكية.
مع دخول تقنيات الإعلام الجديد إلى صناعة الأخبار، تعرضت التقاليد الأخلاقية التي طالما كانت موضع تقدير، مثل موضوعية الأخبار ودور الصحفي، لتحديات كبيرة ]32[. ورغم أن الباحثين يحتفظون بموقف متفائل تجاه دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الإعلام الإخباري، فإنهم يعب رون عن قلق أخلاقي تجاه قضايا مثل تأثير فقاعة المعلومات، ومصداقية مصادر المعلومات، وتصحيح انحرافات الخوارزميات، وخصوصية الأفراد، وحق النسيان.
(1) الخصوصية الفردية وحق النسيان
تُعد البيانات الضخمة أساسًا للذكاء الاصطناعي، سواء تعلق الأمر بصحافة الاستشعار أو التوصيات الخوارزمية، فكلها تعتمد على معالجة بيانات التصفح ،ويثير هذا مسألة الاستخدام الثانوي لبيانات الخصوصية الشخصية. إن ضبابية الحدود بين الخصوصية الفردية والعامة، والغموض في تحديد ملكية بيانات الخصوصية، إلى جانب قصور الأنظمة الحالية لحماية تلك البيانات، كلها عوامل تجعل إعادة استخدام البيانات الشخصية محفوفة دائمًا بمخاطر انتهاك الخصوصية.
تناول الباحثون قضية الخصوصية في عصر الإعلام الجديد بوصفها، في جوهرها، نقاشًا في العلاقة بين الفضاء العام والفضاء الخاص، والحدود الاجتماعية والحدود الفردية. ويمكن تلخيص هذا الجدل في ثلاث ثنائيات متعارضة رئيسة: حرية الرقابة الإعلامية مقابل حماية الخصوصية الفردية، وانفتاح البيانات العامة مقابل حماية البيانات الشخصية، وضمان حق الجمهور في المعرفة مقابل حماية خصوصية الأفراد .
استخدمت لو جوان نظرية “فضاء التدفق” لمانويل كاستلز لتوضيح أن الواقع المتزايد للفضاء الإلكتروني من الويب 1.0 إلى 3.0 بات معترفًا به تدريجيًّا، وأن منطق تنظيمه القانوني يجب أن يبدأ من تجاوز فكرة أن الفضاء الإلكتروني مجرد أداة، وذلك من خلال التمييز بين توقعات الخصوصية المعقولة، وتأسيس حدود قانونية تحمي خصوصية الفضاء الإلكتروني بمستوى الحماية الممنوحة في الفضاء المادي الواقعي نفسه. أما مبدأ حماية الخصوصية، فينبغي أن يستند إلى كرامة الإنسان والقيم الأخلاقية كعناصر أساسية، مع مراعاة اختلاف امتدادات الخصوصية بحسب هوية الفرد وأدواره وسياقه، كما يجب تقييم مدى مشروعية الخصوصية استنادًا إلى درجة تسامح المجتمع مع الأفعال غير الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية. وفيما يخص حدود حماية الخصوصية، فما دام أن النشر يستوفي مبدأ ارتباطه بالمصلحة العامة أو توافقه المعقول مع اهتمام الجمهور، فينبغي عدُّه تعبيرًا عن حق الجمهور في المعرفة، لا انتهاكًا للخص وصية .وقد شدد تشن تانغ فا على أن التمييز في قضايا الخصوصية يجب أن يعتمد على ما إذا كانت المعلومات أو الأمور الشخصية تمس كرامة الإنسان مسًّا مباشرًا، وأكد أن حماية الخصوصية لا ينبغي أن تتحول إلى درع تتستر خلفها إساءة استخدام السلطة، أو الإهمالالوظيفي، أو انتهاك الانضباط الحزبي، أو الأفعال غير القانونية، من الرقابة العامة.
يُعد “حق النسيان” من أبرز القضايا المثارة مؤخرًا في مناقشة ملكية البيانات الشخصية وحقوق الخصوصية. وقد طرح أستاذ جامعة أكسفورد فيكتور شينبربرغر مفهوم حق النسيان في العصر الرقمي، مشيرًا إلى أن “تحوّل النسيان إلى استثناء، وتحوّل التذكّر إلى قاعدة” يُعدان مخاطرة في أمن المعلومات في عصر البيانات الضخمة. وقد طرحت المفوضية الأوروبية رسميًّا مفهوم “حق النسيان” عام 2012م ضمن مشروع القانون رقم 2012/72، 73 بشأن حماية البيانات الشخصية ومعالجة هذه البيانات وتدفقها الحر. تتركز الأبحاث الحالية في “حق النسيان” تركزًا أساسيًّا في ثلاثة محاور:
أولًا، تُعالج الدراسات مسألة جوهر “حق النسيان” وحدوده من خلال تحليل التشريعات وآليات التنفيذ في الاتحاد الأوروبي ودول أخرى؛ فقد لاحظت جوو لينا أن الشخص المعني بالبيانات، رغم امتلاكه الحق في تقديم طلب حذف بياناته، إلا أن سلطة التقدير الواسعة التي يتمتع بها المتحكم في البيانات تجعل من هذا الشخص في موقع ضعيف، ما يجعل “حق النسيان” مجرد إجراء من ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى التصدي لانتهاك الخصوصية في العصر الرقمي، وهو حق نسبي وليس مطلقًا. تكمن أهمية “حق النسيان” في الدفاع عن كرامة مستخدمي الإنترنت، والدعوة إلى احترام حرية الآخرين، وتأسيس حياة رقمية خالية من الخوف. وفيما يتعلق بحدود الحماية، يرى وو فيي وآخرون أن استخدام “حق النسيان” يجب أن يوازن بين حماية حرمة المجال الخاص وحماية انفتاح المجال العام.
ثانيًا، تتناول بعض الدراسات محاولات التشريع في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من زاوية التركيبة الثقافية والتقاليد القان ونية، وتسلط الضوء على التوتر القائم بين حرية التعبير من جهة، وحقوق الخصوصية وحماية المعلومات من جهة أخرى. ففي حين أن الدول ذات النزعة الليبرالية، مثل الولايات المتحدة، تميل إلى إعلاء قيمة الخطاب العام وحرية التعبير، فإن دول التحالف الديمقراطي الاشتراكي الممثلة بالقانون الأوروبي تنظر إلى حرية الصحافة وحق الخصوصية على قدم المساواة. كما قارن بعض الباحثين حق حذف المعلومات الشخصية المنصوص عليه في قانون الأمن السيبراني الصيني الصادر عام 2016م، مع الحق في الحذف المعتمد في التشريعات الأوروبية، بهدف استكشاف إمكانات توطين حق النسيان في السياق الصيني.
ثالثًا، تدور النقاشات حول التعارض بين الخصوصية وحماية البيانات التي يدعو إليها حق النسيان، وبين مبادئ حرية الصحافة، وحرية التعبير، وحق الجمهور في المعرفة في الممارسة الإعلامية، مع السعي لإيجاد آلية توازن مناسبة يلتزم بها قطاع الإعلام في مواجهة هذا التعارض. يرى جاو شوان غيه وآخرون، أن على وسائل الإعلام أن تتجنب، من حيث القيمة، التهويل ونشر الأخبار الكاذبة، وأن تضمن دقة البيانات وصدق المحتوى، وأن تلجأ، ثانيًا، إلى إخفاء الهوية واستخدام التعبير غير المباشر كاستراتيجية لتفادي مخاطر الحذف المرتبطة بالربط أو التلميح غير المقصود. أما جانغ تشيآن وآخرون، فقد أشاروا إلى أن غياب دور “حارس البوابة” في عصر الإعلام الرقمي أدى إلى تفاقم انتهاكات الخصوصية والحقوق الشخصية، ما يجعل من حق النسيان وسيلة ضرورية لتقييد هذه الانتهاكات وتعويض قصور الإعلام الذاتي. ومع ذلك، نبهوا إلى أن إدخال “حق النسيان” قد يؤدي إلى زيادة أعباء إدارة المحتوى على شركات الإنترنت، وقد يُؤثر في انفتاح وشفافية ومصداقية ساحة الرأي العام على الإنترنت.
(2) التوصيات الخوارزمية وانحياز الأخبار
قد تؤدي آليات التوصية الخوارزمية إلى انحياز في الأخبار وانتشار الأخبار الكاذبة؛ فعلى عكس الصحفيين، الأفراد الذين يتحملون مسؤولية أخلاقية واضحة تجاه سلوكهم المهني، بصفة الخوارزميات آليات مؤسسية لتوزيع المحتوى، تثير تحديات أخلاقية متعددة أمام الصحافة الاحترافية. من حيث المبدأ، فإن الخوارزميات من نوع التجميع، عند وجود قيود على عدد مرات التكرار، تكون بطبيعتها عرضة لتكرار نوعية المعلومات نفسها ،ما يؤدي إلى إرهاق معلوماتي. وفي بيئة الإعلام الجديد، غالبًا ما تروّج الخوارزميات لمحتوىً مجزأ وشخص ي بدلًا من تقديم أخبار متكاملة، وهو ما يعني أن آليات التوصية الخوارزمية تعمل على تفكيك احترافية الأخبار ووظيفتها العامة . هذا النوع من الرؤية قصيرة الأمد للخوارزميات يعزز من التحيّزات الشخصية للمستخدمين، وقد يؤدي إلى ظواهر مثل فقاعة المعلومات وغرف الصدى، ما يوسع الفجوة بين الناس، ويتيح في الوقت ذاته انتشار الأخبار الزائفة عبر الخوارزميات. أدّى هذا التحول في النظام البيئي الإخباري إلى تراجع جودة الأخبار في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تختفي الصحف من المدن الصغيرة والمتوسطة، ما سيزيد من تدهور البيئة الإخبا رية.
أظهرت الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016م وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سمات واضحة لما يُعرف بـ”عصر ما بعد الحقيقة”، حيث أصبحت الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، في حين أصبح اللجوء إلى العواطف والمعتقدات الشخصية أكثر فاعلية. اختار قاموس أكسفورد مصطلح “ما بعد الحقيقة” ليكون كلمة العام لسنة 2016م، وقد أشار بعض الباحثين إلى أن “ما بعد الحقيقة” لطالما كان ظاهرة سياسية، لكن ومع تحول بنية صناعة الأخبار، أصبح مفهوم “ما بعد الحقيقة” في مجال الإعلام يحظى باهتمام واسع النطاق.
فيما يتعلق بأسباب بروز عصر ما بعد الحقيقة، تناول الباحثون هذه الظاهرة من عدة زوايا، منها: تحوّلات أشكال الإعلام وتطور التقنيات، والاستجابات النفسية للجمهور، والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. تشير الدراسات إلى أن الخصائص التقنية لوسائل الاتصال الحديثة، وخاصة تلك المعتمدة على شبكات التواصل الاجتماعي، تجعل من نقل المحتوى العاطفي أمرًا شائعًا، في حين تُسهم الرسائل المجزأة في صعوبة استعادة الحقيقة كاملة، كما أن الإنتاج اللحظي للمحتوى يزيد من صعو بة التدقيق والتحقق من المعلومات. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هيمنة وسائل الإعلام الجديدة على اهتمام المستخدمين قد تؤدي إلى تراجع أرباح المؤسسات الصحفية التقليدية، ما يضطرها أحيانًا إلى التنازل عن الدقة والصدق في سبيل إرضاء ذوق الجمهور. أما الفجوات الاقتصادية والثقافية، فهي تمثل الأساس الشعوري لعصر ما بعد الحقيقة، حيث تؤدي إلى إنتاج وتوزيع معلومات موجهة ومتحيزة، تُفاقم من الاستقطاب الاجتماعي بدرجة أشد خطورة من ظاهرة فقاعة المعلومات نفسها.
فيما يتعلق بكيفية تعامل صناعة الإعلام مع عصر ما بعد الحقيقة، أشار مايكل شودسون إلى أننا ما زلنا بحاجة إلى “صحافة غير محبوبة”، مؤكدًا أن الصحافة الحقيقية يجب أن تضع الحقيقة في المقام الأول، وألا تخضع للاعتبارات الأيديولوجية أو التحريض السياس ي أو المصالح ال تجارية، بل وحتى ألا تسعى بالضرورة لإرضاء ذوق القراء، كما طرح ثلاثة معايير لتقييم جودة الصحافة ]67[. من جانبه، أشار بان تشونغ دانغ إلى ضرورة إعادة تحديد موقع الصحافة المهنية في الحياة العامة من خلال “تعريف الحقيقة بناءً علىالوقائع”، وأكد أن دور المؤسسات الإعلامية يتمثل في جعل عملية البحث والتحقق وتقييم الحقائق والحقيقة جزءًا من النقاش العام، من أجل إعادة ب ناء المعايير الأخلاقية للتواصل.
(3) التدخل الخوارزمي وفقاعة المعلومات
تُعد القدرة على اتخاذ القرار باستقلالية جوهر سلطة الخوارزميات ]8[، وفي عصر الشبكات الاجتماعية، أصبحت الخوارزميات نوعًا جديدًا من آليات تحديد الأجندة، تحل محل وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام. ومع ذلك، لا توجد حاليًّا آلية دفاع أساسية قائمة على أخلاقيات الخوارزميات وتنظيم استخدامها، كما أن استخدام وسائل الإعلام العامة للبيانات الضخمة الخاصة بالمستخدمين لا يضمن دائمًا عدالة العملية. يحمل كل من استخدام المعلومات الحساسة ونشرها، بالإضافة إلى حجب بعض الفئات من الجمهور عن أنواع معينة من المعلومات )أو جذبهم المفرط نحوها(، مخاطرَ أخلاقية حقيقية.
غالبًا ما تكون الخوارزميات التي يصممها المبرمجون غير خاضعة للقيود التي تفرضها أخلاقيات الصحافة التقليدية، ما يؤدي إلى تقويض التقاليد المهنية وأساساتها القيمية. وراء التوصيات المخصصة، قد تحمل تصميمات الخوارزميات دلالات على التمييز الطبقي.
ولذلك، أصبح من الضروري بشكل عاجل تعزيز شفافية الخوارزميات، بما يسمح بفرض رقابة فعالة عليها.
لُخِّصت ظاهرة تضييق الآراء لدى الجمهور بفعل توصيات الذكاء الخوارزمي في مصطلح مجازي هو ‘فقاعة المعلومات’، وقد طرح هذا المفهوم لأول مرة من قبل الباحث الأمريكي كاس سنستين، حيث أشار إلى أنه في مجال الاتصال، يميل الناس إلى اختيار المحتوى الذي يثير اهتمامهم ويمنحهم المتعة. تُعد فقاعة المعلومات نتيجة لتواطؤ مشترك بين تقنيات الإعلام الجماهيري مثل الخوارزميات والبيانات الضخمة، والنزعة النفسية لدى الجمهور التي تجعلهم لا يستمعون إلا لما يوافق اختياراتهم ويُرض ي مشاعرهم.
فيما يتعلق بعواقب ومخاطر فقاعة المعلومات، يرى تشنغ شيآن وآخرون أن هذه الظاهرة تسهم في تفاقم سوء الفهم وتضخيم الأخبار الزائفة. أما هو وانتينغ، فترى أن فقاعة المعلومات تُقوّض بناء الفضاء العام الرقمي، ويتجلى ذلك في عدة مظاهر، أبرزها احتكار النخب الرقمية للمعلومات ما يعيق حرية التعبير لدى الأغلبية، والتطرف الجماعي الذي يضعف من النقد العقلاني في الخطاب العام، وانخفاض الترابط الاجتماعي نتيجة غياب الخبرات المشتركة، ما يهدد تماسك المجتمع. كما ترى بِنغ لان أن فقاعة المعلومات تُعد نوعًا من “البيئة الاصطناع ية” من وجهة نظر المستخدم، وهي تعيق وصول الأفراد إلى صورة شاملة ومتوازنة عن الواقع الاجتماعي.
تناول الباحثون سبل معالجة ظاهرة فقاعة المعلومات من خلال ثلاثة محاور رئيسة: تحسين الخوارزميات، وتعزيز مسؤولية وسائل الإعلام، ورفع كفاءة الوعي الإعلامي لدى الأفراد. أولًا، من خلال تحسين خوارزميات التوصية في الذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق التنقيب في البيانات لتوسيع تعريف احتياجات المستخدمين من المعلومات، وزيادة نسبة المحتوى عالي الجودة، والاعتماد على مزيج من التصفية البشرية والذكية، يمكن جعل التوصيات الشخصية أكثر ذكاءً وشمولًا. ثانيًا، ينبغي، انطلاقًا من مسؤولية وسائل الإعلام، تطوير خدمات المعلومات العامة لتحقيق توازن بين الخصوصية في المحتوى والطابع الجماهيري له، وبين تلبية احتياجات الأفراد وتعزيز التكامل المجتمعي. وأخيرًا، فإن رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى المستخدمين يُعد عنصرًا ضروريًّا في هذه العملية، لضمان استخدام أكثر وعيًا وانتقائية للمعلومات .
لكن هناك أيضًا من الباحثين من يعارض هذا الرأي، حيث أظهرت بعض الدراسات الكمية التي تناولت تعرّض مستخدمي فيسبوك للمعلومات، أن تأثير فقاعة المعلومات وغرف الصدى الناتج عن خوارزميات التوصية ليس بالحدة التي يتصورها البعض. وتشير هذه الدراسات إلى أن الاختيار الشخصي ما زال يؤدي دورًا مهمًّا في تحديد نوعية المعلومات التي يتلقاها المستخدم.
ثالثًا: تأملات في دراسة أخلاقيات الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي
لقد زعزعت التقنيات الجديدة الاحتكار الذي كان يتمتع به الصحفيون في جمع الأخبار ونشرها. ومع تزايد ضبابية حدود وسائل الإعلام، أصبح سؤال “من الذي يقرر ما ينبغي أن يعرفه الجمهور وما لا ينبغي” محور الخلاف الأساس ي، وهو في جوهره يعكس الصراع بين تقنيات الإعلام الجديدة والتوقعات الأخلاقية للمجتمع. لذلك، فإن تحديد الجهات المسؤولة أخلاقيًّا عن الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي، والنظر في البنية الأخلاقية لهذه المرحلة والعلاقات الجدلية الملحّة التي تتطلب معالجة، هو ما يشكل المرتكز الأساس ي لهذا المجال ا لبحثي، ويهدف إلى تقديم توصيات تنظيميّة فعّالة للقطاع الإعلامي.
من خلال استعراض ما سبق من دراسات، يمكن ملاحظة أن الباحثين داخل الصين وخارجها قد أسسوا قاعدة نظرية قوية في مجالات التفكير الأخلاقي في الذكاء الاصطناعي، ونماذج الإعلام الإخباري وإشكالاته في عصر الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التنظيم القانوني لتقنيات المعلومات. ومع ذلك، فإن المشكلات المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي وتنظيمه الأخلاقي لم تُحل، رغم الزيادة الكبيرة في الدراسات النظرية، وهو ما يعكس إلى حدٍّّ ما تعقيد هذه القضايا، ويُبرز الفجوة القائمة بين البحث النظري ومتطلبات الممارسة العملية.
أولًا، في مجال الإعلام والاتصال، هناك حاجة إلى تفسير أكثر وضوحًا وشمولًا للأبعاد المختلفة لعصر الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المضمون التقني، والمضمون الاجتماعي، والمضمون الأخلاقي، والمضمون التنظيمي، وذلك بهدف توفير أساس نظري يمكّن الأوساط الأكاديمية في علوم الإعلام من التفاعل العقلاني مع هذه الكيانات التقنية.
لقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي متداخلة بعمق في عملية نقل المعلومات داخل المجتمع البشري، وأصبح البحث في ظواهر جديدة مثل الكتابة الآلية، وصحافة الاستشعار، وفرز المحتوى الخوارزمي محورًا ساخنًا في دراسات علوم الاتصال. رغم أن كثيرًا من الأدبيات الحالية تستخدم مصطلح “الذكاء الاصطناعي” كمفهوم رئيس ،فإنها تخلط إلى حد ما بينه وبين مفاهيم محورية أخر ى، مثل تقنيات الإعلام الجديد أو الشبكات الاجتماعية. ربما لا يؤثر هذا الخلط كثيرًا في صحة النتائج من منظور الوصف الظاهري والتحليل، لكنه يُضعف من وضوح وتماسك الحقل البحثي كله .ومن ثم، فإن البحث الإعلامي في مجال الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مقاربة أكثر شمولًا، تتضمن توصيفًا منهجيًّا ودقيقًا للمنطق التقني الكامن وراء هذه التكنولوجيا.
وخاصة على مستوى أبحاث أخلاقيات الأخبار، هناك حاجة ملحّة إلى كسر الصندوق الأسود للتكنولوجيا، وتوضيح الآليات التي تؤثر من خلالها تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملية نقل المعلومات في المجتمع، وكذلك النتائج الأخلاقية المترتبة عليها. كما يجب تحديد منطق تطور الذكاء الاصطناعي والمدة الزمنية التي تتيح التدخل البشري فيه. إن الأدبيات الحالية في مجال أخلاقيات الأخبار تنظر في كثير منالأحيان إلى الذكاء الاصطناعي كمفهوم لا يحتاج إلى تحليل نظري أو تقني عميق، ما يؤدي إلى قصور في تناول الإشكاليات الجوهرية المرتبطة بـ”عصر الذكاء الاصطناعي”. ولا تزال الأسئلة المتعلقة بكيفية ومواضع تأثير الذكاء الاصطناعي في أخلاقيات الصحافة، وماهية علاقته المنهجية بتقنيات التواصل الاجتماعي ومنصاتها، قليلة التناول في الأبحاث، رغم أنها تمثل قضايا ذات طابع أنطولوجي أساس ي.
من خلال مراجعة الدراسات في أخلاقيات الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي، يتبين أن الموضوعات البحثية تتسم بالتشتت؛ إذ تُركز على قضايا بعينها دون بناء نظري شامل، ويُلاحظ خاصة في ضعف دراسة الروابط المنهجية بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية الاجتماعية والعمليات الاجتماعية، ما يجعل الأبحاث عرضة للانزلاق نحو الطابع الذرّي والتفكيكي. ورغم أن الأوساط الأكاديمية تُبدي حساسية عالية تجاه الذكاء الاصطناعي، فإن تعقيد التكنولوجيا وعدم يقين نتائجها يجعل من الصعب على مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية التعامل معها بعمق، ما يحد من الاستجابة البحثية لتقتصر غالبًا على قضايا واقعية ظاهرة وسطحية نسبيًّا.
يُعد مجال أبحاث الهندسة في تقنيات الذكاء الاصطناعي معقدًا للغاية، إلا أن التقنيات الأساسية التي تدخل مباشرة في عملية نشر المعلومات البشرية باتت واضحة نسبيًّا، كما أن ما تخلّفه من آثار اجتماعية أصبح ملموسًا إلى حد كبير. ومن خلال ما سبق من استعراض، يتضح أن الخوارزميات والبيانات الضخمة هي التقنيات الأساسية في الذكاء الاصطناعي ذات الصلة الوثيقة بمجال الإعلام والاتصال. قبل الشروع في تحليل الآثار الأخلاقية لهذه التقنيات ضمن السياق الصحفي، من الضروري أولًا إعادتها إلى إطارها التاريخي والاجتماعي، وذلك من خلال تحليل ماهيتها التقنية، وفهم ظروف استخدامها ضمن السياق الاجتماعي الذي نشأت فيه.
إن النظر إلى هذا الموضوع من منظور تاريخ اجتماعي شامل يهدف إلى إبراز الأبعاد التطبيقية لأخلاقيات التقنية، من خلال التركيز على تعقيد شبكة المسؤوليات الأخلاقية المرتبطة بالتكنولوجيا، ولا سيما المسؤوليات المشتركة التي تقع على عاتق صُنّاع القرار، والمنظمات، والمطورين، والمنتجين، والمستخدمين، ومختلف الأطراف الفاعلة في المجتمع.
تسلط بعض الدراسات الحديثة الضوء على خوارزمية موجز أخبار فيسبوك كنموذج رئيس لتحليل تطور التقنية وأثرها الأخلاقي، وتعكس هذه المقاربات، التي تنطلق من منظور سوسيولوجي للتكنولوجيا، اتجاهًا فعالًا في توضيح منطق الإشكالية، كما تُسهم في تأسيس قاعدة معرفية متينة لتحديد الفاعلين الأخلاقيين في المجال الصحفي، وإعادة ترتيب القيم الجوهرية ضمن منظومة أخلاقيات الإعلام .
ثانيًا، وعلى الرغم من الحراك الأكاديمي الملحوظ في مجالي الميتافيزيقيا والأخلاقيات المعيارية استجابةً لقضايا الذكاء الاصطناعي ، فإن البحوث المتعلقة بأخلاقيات الصحافة لا تزال تعاني نقصًا نسبيًّا. لقد راكمت الأخلاق المعيارية والميتافيزيقية أساسًا نظر يًّا غنيًّا نسبيًّا فيما يتعلق بمكانة الكيانات التقنية كفاعلين أخلاقيين، وبنية النظام الأخلاقي، وآليات الحوكمة الأخلاقية. كما أن إمكانية تشكّل فا عل أخلاقي يتمتع بالاستقلالية دفعت علماء الأخلاق إلى إعادة النظر في المسار الإنساني والفرداني للبحث الأخلاقي منذ عصر التنوير، والسعي لبناء إطار مفاهيمي جديد للفاعل الاصطناعي انطلاقًا من مفهوم المساءلة ومتطلباته. تحمل هذه الأبحاث قيمة عالية، سواء على المستوى النظري أو في التطبيقات العملية، خصوصًا فيما يتعلق بتعامل المجتمعات البشرية مع المخاطر المحتملة التي تفرضهاتقنيات الذكاء الاصطناعي .
منذ أن طرحت رابطة محرري الصحف الأمريكية عام 1923م أول ميثاق للانضباط الذاتي في الصحافة الأمريكية تحت عنوان قواعد السلوك الصحفي(Canons of Journalism)، أصبحت مبادئ ، مثل المسؤولية، والحرية، والاستقلالية، والصدق، والدقة، والعدالة، والإنصاف، من الركائز الأخلاقية الأساسية في مهنة الإعلام. وفي هذا الإطار، وضعت جمعيات مهنية وهيئات إعلامية مرموقة في مختلف الدول مدونات أخلاقية قابلة للتطبيق العملي، تُوجّه السلوك المهني للصحفيين والعاملين في حقل الإعلام.
يمكن القول إن دراسة أخلاقيات الصحافة كانت، منذ بدايتها، موجهة بدرجة كبيرة نحو المشكلات العملية، وبمعنى آخر، فإن نقطة انطلاقها لم تكن نابعة من تجريدات نظرية، بل من حاجة مهنية مباشرة إلى توجيه الممارسة في القطاع. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تتبع أبحاث أخلاقيات الأخبار هذا المسار نفسه، حيث يتمحور هدفها حول حل المشكلات المستجدة التي تواجه الصناعة الصحفية. وتعتمد هذه الدراسات في الغالب على منهج دراسة الحالة، وتُعد قضايا شركات عالمية مثل فيسبوك وغوغل وما تثيره من جدل هي المواد الأساسية التي تُبنى عليها هذه البحوث.
إن الطابع العملي الذي وُلدت عليه أبحاث أخلاقيات الأخبار يتماش ى بطبيعته مع خصائص مهنة الإعلام والاتصال ، غير أن التطور المتسارع في تقنيات الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي قد أسهم في بناء مجتمع أصبح فيه كل ش يء وسيلة إعلامية، ما دفع أبحاث أخلاقيات الأخبار إلى الاقتراب تدريجيًّا من مجال أخلاقيات الاتصال بشكل أوسع، وفتح لها مجالات جديدة للتفاعل مع فلسفة العلوم، وأخلاقيات الحوسبة، وأخلاقيات الهندسة، بل وأيضًا مع الأخلاقيات المعيارية. ومن أجل تقديم حلول أعمق لمشكلات الإعلام والاتصال، أصبحت أبحاث أخلاقيات الأخبار مطالَبة بأن تتجاوز اعتمادها المفرط على التوجيه العملي المباشر والمعالجات التطبيقية، وتسعى إلى توسيع طموحها نحو مستويات أكثر تجريدًا وميتافيزيقية، تعيد من خلالها بناء أسسها النظرية وتثري حقلها المفاهيمي.
في أبحاث أخلاقيات الأخبار، لطالما وُجد توتر قائم بين حرية التعبير وحقوق المواطنين، وكانت كيفية إسهام الإعلام في بناء مجتمع عادل ومنصف تمثل دائمًا النقطة المنطقية الأساسية للبحث الأخلاقي في هذا المجال. بينما أتاح الإنترنت إلى حدٍّّ ما فضاءً للتعبير والرأي ا لعام بعيدًا عن تحكم النخب، فإن الذكاء الاصطناعي بات مرشحًا لأن يحل محل هذه النخب البشرية، من خلال قدرته على اتخاذ قرارات تتعلق بتوجيه المعلومات والخيارات الأخلاقية.
إذا تحقّق هذا النوع من الخيال التقني على أرض الواقع، فإن الفرضيات النظرية لكل من السياق المثالي عند هابرماس والوضع المثالي عند رولز ستحتاج إلى إعادة نظر؛ إذ إن المجتمع المنظم الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الإجرائية والعدالة الجوهرية سيُضطر حينها إلى أخذ الفاعلين الأخلاقيين غير العاقلين بعين الاعتبار. وهذا من شأنه أن يُحدث تأثيرًا بالغًا على كل من الأخلاقيات المعيارية وأخلاقيات الصحافة. وقد بدأت الأخلاقيات المعيارية وبعض تيارات الظاهراتية ما بعد الحداثة بالتطرق إلى هذه الإشكالات، ما يُتيح المجال أمام أخلاقيات الأخبار لأن ترتقي إلى مستوى أعلى من التجريد النظري، وتعزّز قدرتها على الحوار المعرفي مع الحقول الأصلية في الفلسفة والأخلاق.
ثالثًا، لا تزال كمية وجودة الأبحاث متعددة التخصصات بحاجة إلى مزيد من التطوير؛ ففي الوقت الراهن، أدت كل من الخوارزمياتوالبيانات الضخمة إلى نشوء مشكلات جديدة تمس مجالات مثل: سلطة الترتيب حسب القيمة الخبرية )حق تحديد أولوية الأخبار(، وحرية الوصول إلى المعلومات )الاستقلالية الاتصالية للأفراد(، وقابلية الوصول إلى المعلومات )عمومية الخدمة وقيود النفاذ(، بالإضافة إلى حق الخصوصية المعلوماتية والهوية الرقمية وحمايتها. وتقع هذه القضايا عند تقاطع أخلاقيات الإعلام، وأخلاقيات التقنية، وأخلاقيات التنظيم المؤسس ي، وهي نتا ج تفاعل مشترك بين عدة أطراف، حيث تُنقل هذه التحديات من خلال المنتجات والخدمات التي تقدمها المؤسسات، لتتحول في النهاية إلى إشكاليات تتعلق بكفاءة الاتصال، وهوية المستخدمين، وأمن المعلومات. وعلى المستوى الوطني، تتوسع هذه القضايا لتُثير موضوعات أكثر شمولًا وأهمية مثل: أمن البيانات، والسيادة المعلوماتية، والتماسك الاجتماعي .
إن الكيانات التقنية والسياقات الاجتماعية المرتبطة بعصر الذكاء الاصطناعي تُعد معقدة نسبيًّا، ومن أجل فهمها فهمًا فعليًّا، هناك حاجة إلى تعاون متكامل بين علوم الحاسوب، والأخلاق، وعلم الاجتماع، والقانون، وعلوم الإعلام، والاتصال. ومن خلال الدراسات الحالية، يمكن ملاحظة أن هناك تقاطعات واضحة في اهتمامات هذه التخصصات؛ إذ تُعد الخوارزميات والبيانات واقعًا تقنيًّا مشتركًا يحظى باهتمام جميع هذه المجالات، في حين تُعد قضايا مثل المكانة الأخلاقية والقانونية للكيانات التقنية، وأمن البيانات، والخصوصية الفردية، واستقلالية الإنسان قضايا مشتركة أيضًا. لكن في الوقت نفسه، فإن هذه البحوث لا تزال متناثرة بين مجلات مختلفة، وتر كّز كل منها على زاوية ضيقة من الإشكال، ويفتقر التفاعل بين التخصصات إلى العمق والاتساع، وهو ما يُضعف من القدرة على بناء خطاب معرفي مشترك. ونتيجة لذلك، يصعب إنتاج قوة توازن معرفية نابعة من العلوم الإنسانية والاجتماعية تكون قادرة على مواجهة الخطاب السائد الذي تفرضه التكنولوجيا والتوجهات الاقتصادية .
لا سيما أن العلوم الإنسانية والاجتماعية لم تنجح بعد في بناء آلية تفاعلية فعّالة مع علوم الحاسوب في مجال التفكير الأخلاقي في التكنولوجيا، يجعل هذا من الصعب تطبيق نتائجها البحثية في الممارسة العملية لتقنيات الذكاء الاصطناعي. في المقابل، بدأت الأبحاث الدولية في أخلاقيات التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة تُثمر عن نتائج ملموسة؛ إذ أصبح مجتمع تطوير التكنولوجيا يدرك إدراكًا متزايدًا مسؤوليته عن التبعات الأخلاقية لتقنياته، وبدأ يتشكّل نوع من التعاون بين المجتمع العلمي، والتشريعات الإقليمية، والحركات المجتمعية. تُعد نصوص ومبادرات مثل الوصايا العشر لأخلاقيات الحوسبة، واجتماع أسيلومار، واللائحة العامة لحماية البيانات نماذج مهمة تستحق الدراسة المتعمقة، لما تمثّله من محاولات ناجحة لدمج الاعتبارات الأخلاقية ضمن دورة تطوير التقنية نفسها.
في الوقت الذي تسعى فيه أخلاقيات الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي إلى تجاوز الحدود التقليدية للتخصصات، فإنها بحاجة أيضًا إلى تعزيز الابتكار على مستوى المنهجية. ونظرًا لكون تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تزال في طور التطور، فإن عديدًا من الفرضيات النظرية الحالية تفتقر إلى الدعم الكافي من الدراسات التجريبية؛ فعلى سبيل المثال، لا تزال مفاهيم مثل “ما بعد الحقيقة” و**“فقاعة المعلومات” ** تفتقر إلى أدلة تجريبية قوية تُثبتها أو تنقضها، وهو ما يُضعف إلى حدّ ما مدى تأثير النظرية في الواقع. وفي الوقت ذاته، فإن تصاميم الأبحاث القادرة على تحليل العلاقات السببية بين المتغيرات تحليلًا دقيقًا لا تزال قليلة، ما ينعكس سلبًا على القدرة التوجيهية للتنظير في معالجة المشكلات العملية.
إن العوامل التي تؤدي إلى هذا الوضع البحثي معقّدة ومتعددة، لكن من الناحية المنهجية، يمكن القول إن القيود الواضحة التي تواجههاالمناهج التقليدية عند التعامل مع الخوارزميات والبيانات الضخمة تشكل أحد الأسباب الرئيسة؛ فآليات الفرز الذكي للخوارزميات تجعل واجهة المستخدم مختلفة لكل فرد، الأمر الذي يُضعف فاعلية الأدوات الكلاسيكية، مثل الاستبانات أو التجارب المخبرية، ويقلل من صلاحيتها في قياس التأثيرات بدقة. بدأت الأوساط البحثية في مجال الصحافة فعليًّا بتبني مبادئ الهندسة العكسية، من خلال اعتماد نموذج القياس القائم على مدخلات ومخرجات النظام، بحيث يُقاس الأثر الوسيط دون الحاجة إلى اختراق “الصندوق الأسود” للخوارزمية، ويمكن لهذا النوع من دمج وتطوير المنهجيات أن يُطبَّق تطبيقًا أوسع في دراسات أخلاقيات الأخبار، ليقدّم حلولًا مباشرة لتعقيدات نظرية لم تُعالَج بعد معالجةً كافية.
رابعًا: الخاتمة
خلاصة القول، في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تزال التحديات الأخلاقية التقليدية في مهنة الصحافة مثل: موضوعية التغطية، والعدالة، والمنافسة غير النزيهة، والمقابلات الخفية، والأخبار المدفوعة، والإعلانات الصحفية، وحقوق الخصوصية للمواطنين— تحمل قيمة بحثية كبيرة، وغالبًا ما يُمثل تحليلها في ظل التقنيات الجديدة عودة إلى القضايا الكلاسيكية في دراسات الإعلام والاتصال.
لكن مع تحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الوسيط الأساس ي في مجال المعلومات، ينبغي أن تُركز أبحاث أخلاقيات الأخبار في المستقبل على الخوارزميات والبيانات كمح ورين أساسيين للبحث، مع تمييز الفاعلين الأخلاقيين المختلفين، وتوضيح القيم التنافسية الجديدة وترتيب أولوياتها في ظل الشروط التقنية المستجدة. على عكس أخلاقيات الأخبار التقليدية التي تركز على المحتوى فقط، فإن أخلاقيات الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي باتت تشمل ا لبيانات، والأكواد البرمجية، والنماذج التجارية، ما يجعل البنية الأخلاقية أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ترتكز أخلاقيات الإعلام على ثلاثة مبادئ أساسية، هي: الصدق، والموضوعية، وتقليل الأذى إلى أدنى حد ممكن ]32[. وانطلاقًا من التوتر القائم عالميًّا بين عقلانية الأدوات الخوارزمية والروح الإنسانية، يبرز سؤال محوري: كيف يمكن التخلص جذر يًّا من تايلورية رقمية تحوّل البشر إلى عناصر خاضعة لنظام حسابي محض؟ هذا يُمثل تحدّيًا كبيرًا يحتاج إلى تعبئة الطاقات الفكرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية لمعالجته بعمق. خلال موجة التطور السريعة في تقنيات الإنترنت، تصدّرت الممارسة الصحفية في الصين المشهد ا لعالمي، ويمكن تكثيف الأبحاث المتعلقة بحوكمتها الأخلاقية ضمن إطار ‘التجربة الصينية’ في حوكمة الإنترنت وفقًا للاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، ما يوفّر نموذجًا مرجعيًّا قيّمًا للمجتمع الإعلامي العالمي.
