ملخص: من الناحية النظرية، تعني السلطة الثقافية القدرة على تحقيق تأثيرات متوقعة على حياة الآخرين الثقافية، أما من الناحية العملية، فإن الحقوق الثقافية تشمل حق المشاركة في الحياة الثقافية والإنجازات الثقافية وحق حماية المكاسب الثقافية، وفيما يتعلق بالعلاقة بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة، فإنَّ ممارسة السلطة الثقافية العامة يجب أن تعمل أولًا على ترسيخ الشعور بحدود التنظيم الثقافي، وذلك لمنع الانتهاك المفرط للحقوق الثقافية الخاصة من قبل السلطة الثقافية العامة.
من منظور التنظيم الثقافي، تكمن القضية الأساسية المتعلقة بالحقوق الثقافية في قوة الهيئات التنظيمية الثقافية وحقوق الخاضعين إلى التنظيم، وينطوي هذا التناقض في جوهره في الواقع على الصراع والمصالحة بين السلطة الثقافية والحقوق الثقافية، ولنكون أكثر دقة، تتركز أساسًا على الصراع والمصالحة بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة، وذلك لأن تنفيذ التنظيم الثقافي يشترط تنازل الخاضعين إلى التنظيم عن جزء من حرياتهم الثقافية، وبما أن ممارسة السلطة الثقافية تعد انتهاكًا جوهريًّا للحقوق الثقافية، فمن الضروري التعامل بحذر مع العلاقة بين السلطة الثقافية والحقوق الثقافية، وخاصة بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة.
أولًا: الثقافة والسلطة
كانت العلاقة بين الثقافة والسلطة قضية ساخنة لسنوات طويلة في البحث الأكاديمي في الأيدلوجية الغربية كما أشار تشانغ شوغوانغ، وحين قدم أنطونيو غرامشي مفهوم “الهيمنة الثقافية”، اعترف على نطاق واسع بالعلاقة الجوهرية بين الثقافة والسلطة في الإيديولوجية الغربية، وأقر ريتشارد جونسون حين مناقشة العلاقة بين الثقافة والسلطة بأن ممارسة الدراسات الثقافية لا بد أن توضع في سياق السلطة، يرجع ذلك إلى أن الدراسات الثقافية دائمًا ما تكون متورطة بعمق في العلاقات السلطوية، سواء عُدَّت الثقافة معرفة عامة مجردة أو موضوعًا بحثيًّا في المجال الخاص، فهي تشكل جزءًا لا يتجزأ من الدوائر التي تسعى إلى وصفها [2] (ص0-3-5)، وكما صرح برونيسلاو مالينوفسكي بأن الثقافة هي آلية تحفيز لقدرات الإنسان ووظائفه البدنية وقدرته على العمل، ويمكن أن تُحرف لتصبح أداة للسلطة، تؤدي إلى نتائج مدمرة أو بناءة [3] (ص 156)، توصلت دراسة ميشيل فوكو للجنون والسجون إلى أن المعرفة والسلطة تترابطان على نحو مباشر في المجتمع الحديث، وتؤثران في أفكار الناس وسلوكياتهم من خلال التعليم والخطابات والرموز والأخلاق العامة، ما يفرض رقابة متزايدة وقيودًا صارمة، ويرى فوكو أنه يمكن ممارسة السلطة من خلال نظرة جماعية مجهولة، تُنفّذ عبر أسلوب “أن تكون مرئيًّا”، بل إنه يرى أنه ليس ثمة حاجة إلى تطوير الأسلحة، أو زيادة العنف، أو تعزيز السيطرة، فكل ما كان مطلوبًا هو البقاء متيقظًا، وتحت الضغط الذي تشكله هذه العين اليقظة، يبدأ كل فرد تدريجيًّا أن يصبح مراقبًا لنفسه بوعي، ما يؤدي إلى تحقيق نوع من السجن الذاتي، يظن فوكو أن هذا الأسلوب “رائع جدًّا”، لأنه “يسمح للسلطة بأن تُنفَّذ بدقة وانتشار يشبه تدفق الزئبق على الأرض، وبتكلفة أقل” [4] (ص158)
عدَّ بيير بورديو -بعد دراسته موضوعَ القوة الثقافية- أن الثقافة نفسها هي نوع من السلطة، وبدقة أكثر، سلطة رمزية يمكنها إضفاء الشرعية على الترتيبات الاجتماعية المختلفة، وعلى الرغم من استقلال الثقافة عن الاقتصاد والسياسة في المجتمعات الحديثة، إلا أن القوة الثقافية يمكن استبدالها مع رأس المال الاقتصادي والسلطة السياسية [5] (ص147-148). بمعنى ما، يربط بورديو بين مفهوم رأس المال ومفهوم السلطة، ما يجعل مفهوم السلطة يشمل أنماطًا متعددة مثل السلطة المادية، والسلطة الثقافية، والسلطة الاجتماعية، وبهذه الطريقة تم توسيع مفهوم رأس المال على نطاق واسع من شكله المادي الأصلي إلى مجال الرموز الثقافية، وفي نظر بورديو “لا يمكن للثقافة أن تقطع صلتها بالهيمنة الاجتماعية أبدًا”، وقد أشار بصراحة إلى أن “الثقافة هي العنف “الناعم” الذي يسمي السلطة الشرعية ويحدد الألقاب النبيلة، والثقافة ذات بعد سياسي أيضًا”.[6] (ص126)
ثانيًا: السلطة الثقافية – الثقافة بوصفها نوعًا من السلطة
تعد الثقافة في سياق الدراسات الثقافية بذاتها نمطًا من أنماط السلطة، ولعل هذا هو السبب، على الرغم من أن الدراسات بشأن الهيمنة الثقافية، والأمن الثقافي، والاستهلاك الثقافي، ورأس المال الثقافي تتناول جميعها بشكل أو بآخر مسألة السلطة الثقافية، وعلى الرغم من وجود كثير من الدراسات التي تتناول موضوع “السلطة الثقافية” أو “الثقافة والسلطة”، فإن تعريف “السلطة الثقافية” يبدو كأنه لا يحتاج إلى تعريف، ويمكن استخدامه مباشرة من دون شرح، وهذا ليس بالأمر المستغرب، لأن مفهوم السلطة نفسه يبدو مفهومًا للجميع، ولا يحتاج إلى تفسير إضافي، ويمكن استخدامه من دون تعريف دقيق، وكما قال دينيسس رونغ (Dennis Wrong)، لطالما كانت السلطة مصطلحًا مستخدمًا من قبل الجميع من دون الحاجة إلى تعريف مناسب، فالسلطة تُعد من ناحية، خاصية أو سمة تمتلكها الأفراد أو الجماعات أو هيكل اجتماعي أكبر، ومؤشرًا على العمليات والعلاقات التفاعلية بين الأفراد أو الفاعلين الجماعيين من ناحية أخرى، بالإضافة إلى تطبيق مفهوم السلطة أيضًا في الظواهر والعمليات الفيزيائية.
لكن إذا حاولنا تعريف السلطة، فسنجد أنه ليس بالأمر السهل، يشير دينيس رونغ إلى أنه على الرغم من وجود مئات، بل آلاف التعريفات للسلطة الاجتماعية، فليس ثمة سبب يمنعنا من استخدام تعريف بسيط ومألوف، ومن الأمثلة على ذلك، التعريف الذي قدّمه برتراند راسل بعد تعديله قليلًا: “السلطة هي القدرة على إحداث التأثير المتوقع على الآخرين”. [7] (صفحة 3)
كان اختيار دينيس رونغ في الواقع هذا التعريف اختيارًا حكيمًا، إذن كيف فهم برتراند راسل مفهوم السلطة؟ يرى راسل “أن السلطة في معناها تعادل مفهوم الطاقة الأساسي في الفيزياء، وكما هو الحال مع الطاقة، فإن للسلطة أنماطًا متعددة، مثل الثروة، والجيش، والأجهزة الإدارية، والسيطرة على الرأي العام، ولا يمكن احتساب أي من هذه الأشكال تابعًا لشكل آخر، كما أنه لا يشتق أي منها من غيره”، [8] (ص 4)” وفي نظر راسل، وكما هو الحال مع الطاقة، يجب النظر إلى السلطة على أنها قادرة على التحول المستمر من نمط إلى آخر، لذلك ينبغي أن يكون استكشاف قوانين هذه التحولات موضوعًا بحثيًّا رئيسيًّا للعلوم الاجتماعية، وحتى يومنا هذا فإن أي محاولة لعزل أحد أشكال السلطة عن غيرها، وخاصة الشكل الاقتصادي للسلطة عن بقية الأشكال، كانت ولا تزال مصدرًا رئيسيًا للأخطاء الجسيمة في الممارسة العملية، ومن الواضح أن وجهة نظر راسل للسلطة هي وجهة نظر شمولية، أما فيما يتعلق بالسلطة الثقافية، فإن هذه الرؤية الشمولية أكثر قدرة على فهم جوهر السلطة الثقافية والتمييز بين السلطة الثقافية وأشكال السلطة الأخرى من مجرد فهمها من منظور قانوني أو سياسي، وكما قال ميشيل فوكو، إذا اقتصرنا في فهم السلطة على ربطها بالدستور والقانون، أو بالدولة وأجهزتها، فسيؤدي حتمًا إلى إفقار مفهوم السلطة، فالسلطة تختلف تمام الاختلاف عن القانون وأجهزة الدولة من حيث التعقيد، والكثافة، والنفوذ. [4] (ص 16)، إذا فهمنا السلطة على أنها “قدرة بعض الأشخاص على إحداث تأثير متوقع في الآخرين”، فإن السلطة الثقافية هي القدرة على إحداث تأثير متوقع في الحياة الثقافية للآخرين، فضلا عن ذلك، فإن السلطة الثقافية هي أحد أنماط السلطة المحددة، وليست مرتبطة على نحو وثيق ببقية أنماط السلطة فحسب، بل إنها قادرة أيضًا على التحول مع بعضها بعضًا.
ثالثًا: الحقوق الثقافية – تعريف مستمد من الممارسة
إذا كان اهتمام الناس بالسلطة الثقافية يقتصر أساسًا على مجال الدراسات الثقافية، فإن اهتمامهم بالحقوق الثقافية ينعكس على نحو أكبر في مجال الممارسات الثقافية (انظر الشكل 1)، ومن الناحية التجريبية، يمكن تصنيف الحقوق الثقافية إلى ثلاث فئات رئيسية:
الفئة الأولى هي حق المشاركة في الحياة الثقافية، وتشمل حق المشاركة في الحياة الثقافية بما في ذلك الحق في المساواة، والحق في الحرية، والحق في الاعتراف بالحقوق الثقافية، أما الفئة الثانية فهي الحق في تقاسم الإنجازات الثقافية، وتشمل الحق في الوصول إلى الإنجازات الثقافية، والحق في ابتكار الإنجازات الثقافية، والحق في اختيار الإنجازات الثقافية، أما الفئة الثالثة فهي الحق في حماية المنافع الثقافية، والذي يشمل حق حماية المنافع المادية، وحق حماية المنافع المعنوية.
كشفت أبحاث يي هنغ وآخرين أن تعريف الحقوق الثقافية يتوزع على نحو رئيسي في وثائق دولية أو إقليمية صادرة عن الأمم المتحدة وبعض الوكالات المتخصصة، وبما أن هذه الوثائق ليست معاهدات أو إعلانات كاملة، فيمكن للأشخاص الجمع بينها بالطريقة التي يريدونها، يشير مصطلح الحقوق الثقافية أحيانًا إلى مجموعة الحقوق ككل، أي الحقوق المتعلقة بالثقافة، وتحديدًا، يتمتع كل فرد بالحق في التعليم، والحق في المشاركة في الحياة الثقافية، والحق في التمتع بالتطور العلمي، والحق في حماية المصالح المعنوية والمادية للأعمال العلمية والأدبية والفنية جميعها.
يمكن أن تُصنَّف في أحيان أخرى إلى فئات أكثر تفصيلًا، فمثلًا يرى مشروع القانون المتعلق بالحقوق الثقافية الصادر عن البرلمان الأوروبي أن الحقوق الثقافية تشمل تسعة جوانب: التراث، والهوية، واللغة، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والتعليم الابتدائي، والتعليم الثانوي، والتعليم العالي، وتتناول بعض الوثائق على نحو أكثر تفصيلًا الحقوق المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومات، والحق في التعليم، والحق في حرية التعبير، والحق في حرية الدين، والحق في التعاون الثقافي الدولي، وغيرها، بمعنى آخر، الحقوق الثقافية هي حقوق جماعية وحقوق فردية في آنٍ واحد، وأحيانًا، قد يحدث تعارض بين هذين البعدين (9) (ص 3-4)، على الرغم من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948م والذي يهدف إلى حماية حقوق الإنسان الأساسية، فإن هذه الوثيقة لا تشكل اتفاقية دولية ملزمة، فقد أرسى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الأساس المتين للاتفاقيتين الملزمتين اللتين أقرتهما الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان منذ ذلك الحين.
محتوى الحقوق الثقافية
في 16 ديسمبر 1966م، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقيتين دوليتين مهمَّتين: “الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” “والميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، ونصّت المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الآتي:
1. تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في: (أ) المشاركة في الحياة الثقافية، (ب) التمتع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته، (ج) التمتع بفوائد حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه.
2. تشمل التدابير اللازمة التي تتخذها الدول الأطراف في هذا العهد لحفظ العلم، والثقافة، وتنميتهما، ونشرهما.
3. تتعهد الدول الأطراف باحترام الحرية التي لا غنى عنها في البحث العلمي والنشاط الإبداعي.
4. تقر الدول الأطراف في هذا العهد بفوائد تشجيع وتطوير الاتصالات والتعاون الدوليين في مجالي العلم والثقافة.
أما المادة 19 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد نصت على الآتي:
1. لكل فرد الحق في اعتناق آراء من دون تدخل.
2. لكل فرد الحق في حرية التعبير بما في ذلك البحث عن المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها، بغض النظر عن الحدود، سواء كان ذلك شفويًّا، أو كتابيًّا، أو مطبوعًا، أو من خلال وسائل فنية أو أي وسيلة أخرى من اختياره.
3. تخضع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة إلى التزامات ومسؤوليات خاصة، وقد تخضع إلى بعض القيود، ولكن شريطة أن ينص عليها القانون وأن تكون ضرورية من أجل: (أ) احترام حقوق الآخرين وسمعتهم، (ب) حماية الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الميثاق أشار إلى أن الحقوق الثقافية الفردية لها حدود، مثلًا، نصت المادة 20 على الآتي:
1. يُحظر بموجب القانون أي دعاية للحرب.
2. يُحظر بموجب القانون أي دعوة إلى الكراهية القومية، أو العرقية، أو الدينية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف.
كما أكدت المادة 27 على أنه: “في الدول التي توجد فيها أقليات عرقية، أو دينية، أو لغوية، لا يجوز إنكار حق أفراد هذه الأقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة، أو ممارسة شعائرهم الدينية، أو استخدام لغتهم الخاصة بالاشتراك مع أعضاء جماعتهم.”
في 2 نوفمبر 2001م، اعتمدت الدورة الحادية والثلاثون للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، “الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي”، الذي تتناول المادة الخامسة منه تحديدًا، الحقوق الثقافية وتعدُّها “شرطًا ملائمًا للتنوع الثقافي”، وتنص هذه المادة على أن:
“الحقوق الثقافية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وهي مترابطة وغير قابلة للتجزئة ومتكاملة، ويقتضي تطوير التنوع الإبداعي، التحقيق الكامل للحقوق الثقافية كما وردت في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتين 13 و15 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبناء على ذلك، يحق لكل فرد التعبير عن أفكاره، ونشر أعماله الإبداعية باللغة التي يختارها وخاصة بلغته الأم، كما يحق لكل فرد الحصول على تعليم وتدريب جيدين يحترمان هويته الثقافية، وأن يشارك في الحياة الثقافية التي يختارها، وأن يمارس أنشطته الثقافية الخاصة، في إطار احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية”.
رابعًا: السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة
إذا كان يمكن تصنيف السلطة الثقافية إلى سلطة ثقافية عامة، وسلطة ثقافية خاصة، فإن الحقوق الثقافية يمكن تصنيفها أيضًا إلى حقوق ثقافية عامة، وحقوق ثقافية خاصة، وبهذا تشكلت على نحو طبيعي ست مجموعات من التفاعلات والصراعات بين السلطة والحقوق كالآتي: سلطة ثقافية عامة – حقوق ثقافية عامة، سلطة ثقافية عامة – سلطة ثقافية خاصة، سلطة ثقافية عامة – حقوق ثقافية خاصة، سلطة ثقافية خاصة – حقوق ثقافية خاصة، سلطة ثقافية خاصة – حقوق ثقافية عامة، حقوق ثقافية عامة – حقوق ثقافية خاصة، من الواضح أن العلاقة بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة تُعد الأكثر أهمية وجوهرية ضمن هيكل السلطة الثقافية والحقوق الثقافية، كما أنها تشكّل نقطة الانطلاق والمآل النهائي لهذه العلاقات، ويعود ذلك إلى الأسباب الآتية:
أولًا: تنبع السلطة الثقافية العامة من الحقوق الثقافية الخاصة، فمن منظور تاريخي، وعبر تاريخ التطور الثقافي البشري، وُجدت الحقوق الثقافية قبل السلطة الثقافية، وبالمثل، وُجدت الحقوق الثقافية الخاصة قبل الحقوق الثقافية العامة، ونشأت السلطة العامة الثقافية في الواقع من نقل وتحويل الحقوق الثقافية الخاصة، وعليه فإن الحقوق الثقافية الخاصة تشكل الأساس الذي تستند إليه السلطة الثقافية العامة، إذ لا يمكن أن توجد من دون هذه الحقوق.
ثانيًا: تهدف السلطة الثقافية العامة إلى تحقيق الحقوق الثقافية الخاصة، فممارسة السلطة الثقافية العامة تهدف إلى خدمة المصلحة الثقافية العامة، وإلا ستنحرف عن مسارها، غير أن المصلحة الثقافية العامة ليست مفهومًا مجردًا فحسب، بل هي مجموع المصالح الثقافية الخاصة، ما يعني أن المصلحة الثقافية العامة لا يمكن أن توجد من دون المصالح الثقافية الخاصة، ومن ثم، فإن الغاية النهائية من ممارسة السلطة الثقافية العامة هي تحقيق الحقوق الثقافية الخاصة.
المشكلة هي أن المالكين الفعليين للسلطة الثقافية العامة ليسوا كيانًا مجردًا مثل المؤسسات الثقافية العامة، وإنما بشر، ومن ثم، فإن قدرة هؤلاء الأفراد الذين يمتلكون السلطة الثقافية العامة على التصرف من أجل حماية المصلحة الثقافية العامة وتعزيز التنمية الثقافية، تعتمد في الواقع إلى حد كبير على آلية تشغيل هذه السلطة، وذلك لأن البشر بطبيعتهم لديهم رغبات متعددة، ما يعني أن ثمة احتمال إساءة استخدام للسلطة، ومن خلال التجربة، يمكن القول إن إساءة استخدام السلطة أصبحت حدثًا ذا احتمال مرتفع جدًّا في ظل غياب الرقابة والشفافية، وكما قال مونتسكيو: “كل من يمتلك السلطة يميل إلى إساءة استخدامها، وهذه حقيقة ثابتة عبر الزمن، فصاحب السلطة يستمر في استخدامها حتى يجد أمامه ما يردعه”، [10] (ص 153).
أما اللورد أكتون فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: “التاريخ ليس شبكة نسجتها أيدٍ بريئة أخلاقيًّا، ومن بين العوامل جميعها الأكثر شيوعًا ونشاطًا والتي تفسد البشر أخلاقيًا وتدفعهم نحو الانحطاط هي السلطة” [11]. (ص 342)
وقت إساءة استخدام السلطة الثقافية العامة، يصبح انحرافها عن هدفها الأساسي أمرًا حتميًّا، وذلك لأن السلطة الثقافية العامة يمارسها أفرادٌ معينون، ووقت انفصال السلطة الثقافية العامة عن الذات الموضوعية التي من المفترض أن تمثلها، فإنها تتحول تلقائيًّا إلى سلطة ثقافية خاصة، ما يؤدي إلى انتهاك الحقوق الثقافية الخاصة، بل وحتى الإضرار بالمصلحة الثقافية العامة. (انظر الشكل 2)
انحراف السلطة الثقافية العامة
لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل حين تنتهك السلطة الثقافية العامة المنحرفة الحقوق الثقافية الخاصة، فإن اللافتة المستخدمة لا تزال تمثل الاهتمام الثقافي العام الرسمي، لكن هذه “المصلحة الثقافية العامة” لا تهدف إلا إلى التغطية على إساءة استخدام السلطة الثقافية العامة من قبل أشخاص رسميين، إذ إن المصلحة الثقافية العامة الحقيقية يجب أن تكون مجموعة من المصالح المستندة إلى مصالح ثقافية خاصة، إلا أن انحراف السلطة الثقافية العامة يؤدي في النهاية إلى تصعيد حدة التوتر بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة، ويمكن تصنيف انحراف السلطة الثقافية العامة تحديدًا إلى ثلاث فئات: النوع الأول من الانحراف هو توطين السلطة الثقافية العامة (مثل “قضية كتاب وينان”)، والنوع الثاني هو الاغتراب للسلطة الثقافية العامة (مثل “حادثة وورلد أوف ووركرافت”)، والنوع الثالث هو خصخصة السلطة الثقافية العامة (مثل “قضية قصيدة بينغشوي”)، وبغض النظر عن إساءة استخدام السلطة الثقافية العامة، فإن الحقوق الثقافية الخاصة غالبًا ما تكون أول ما يتم انتهاكه.
ظهرت في السنوات الأخيرة أمثلة حية لا حصر لها على انحراف السلطة الثقافية العامة وانتهاك الحقوق الثقافية الخاصة على نحو خطِر، مثلًا: قضية “الوثائق الأدبية في جيشان” في شانشي، وقضية “كتاب منغتشو” في خنان، وقضية “موقع الإنترنت في غاوتانغ” في شاندونغ، وقضية “الأغاني في دانتشو” في هاينان، للمثال لا الحصر، وعلى الرغم من وجود عملية تنتهك فيها السلطة الثقافية العامة الحقوق الثقافية الخاصة، وأن ثمة مواجهة بينهما، فإن الاثنتين ليستا على مستوى الطاقة نفسها إطلاقًا، بل هما في حالة خطِرة من عدم التماثل في الطاقة.
تعد مواجهة السلطة الثقافية الخاصة للسلطة الثقافية العامة العظيمة غير مواتية، ومع ذلك حين تنتهك السلطة الثقافية العامة الحقوق الثقافية الخاصة، فإنها في الواقع تظهر روح الأسد والفيل اللذين يقاتلان الأرنب، يستخدمون الموارد المتاحة كلها ويتخذون أي تدابير يستطيعون اتخاذها، متجاهلين أي تأثير اجتماعي، وحتى إنهم يتصرفون ويتخذون أي إجراء ويتحدثون من دون تفكير وعلى عجالة وفي حالة من الذعر، والأخطر من ذلك هو أنه حين تنتهك السلطة الثقافية العامة الحقوق الثقافية الخاصة، فإن “جهاز الدولة” غالبًا ما يُستخدم حسب الرغبة أو حتى يُساء استخدامه، ما يؤدي إلى ميل السلطة العامة الثقافية إلى العنف.
تعد الحقوق الثقافية الخاصة من أبسط حقوق الإنسان الثقافية، وهي أساس بقاء الأفراد وتطورهم، كما أنها تشكل حجر أساس حقوق الإنسان الثقافية، فحين نواجه هذه الحالات الصادمة والمتكررة، يتعين علينا أن ندرك أنه في هذه المواجهة غير المتكافئة بين السلطة الثقافية العامة والحقوق الثقافية الخاصة، يصبح فرض قيود صارمة على السلطة العامة وحماية الحقوق الخاصة ضرورة حتمية، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا لحماية الحقوق الثقافية الخاصة، في هذا السياق، وكما أشار جي وي دونغ بدقة: “بالنسبة إلى السلطة العامة، لا يجوز تنفيذ أي إجراء من دون تفويض قانوني، وحين وجود تفويض قانوني يصبح التنفيذ إلزاميًّا، أما بالنسبة إلى الحقوق الخاصة، فكل ما لم يُحظر قانونًا فهو مسموح، ولا يجوز فرض عقوبات من دون وجود نص قانوني [12] (ص 61)، وهذا يعني أن ممارسة السلطة الثقافية العامة يجب أن تلتزم بوضوح بحدود القانون الثقافي، لمنعها من التعدي المفرط على الحقوق الثقافية الخاصة.
المراجع:
1. تشانغ شوغوانغ. خطاب السلطة والوعي الثقافي [J]. الجبهة العلمية الاجتماعية، 2008م، (5).
2. لوو قانغ، ليو شيانغيو. مقدمة في الدراسات الثقافية [M]. بكين: دار النشر للعلوم الاجتماعية الصينية، 2000م.
3. برونيسلاف مالينوفسكي. الحرية والحضارة [M]. ترجمة: تشانغ فان، بكين: دار النشر العالمية للكتب، 2009م.
4. باو يامين. عين السلطة: مقابلات مع فوكو [M]. ترجمة: يان فنغ، شنغهاي: دار النشر الشعبية في شنغهاي، 1997م.
5. ديفيد شوارتز. الثقافة والسلطة: سوسيولوجيا بيير بورديو [M]. ترجمة: تاو دونغ فنغ، شنغهاي: دار النشر الأدبية في شنغهاي، 2006.
6. تشانغ يي. الثقافة وسلطة الرموز: مقدمة في السوسيولوجيا الثقافية عند بورديو [M]. بكين: دار النشر للعلوم الاجتماعية الصينية، 2005م.
7. دينيس لونغ. نظرية السلطة [M]. ترجمة: لوو تشنلون وآخرون، بكين: دار النشر للعلوم الاجتماعية الصينية، 2001م.
8. برتراند راسل. نظرية السلطة [M]. ترجمة: جين جيانغو، بكين: دار النشر الشرقية، 1988م.
9. يي هنغ، رين جون، يانغ لي تشينغ. الحقوق الثقافية: مراجعة وتحليل [M]. بكين: دار نشر وثائق العلوم الاجتماعية، 2005م.
10. مونتسكيو. روح القوانين (الجزء الأول) [M]. ترجمة: تشانغ يانشن، بكين: دار النشر التجارية، 1961م.
11. اللورد أكتون. الحرية والسلطة [M]. ترجمة: هوو جيان وآخرون، بكين: دار النشر التجارية، 2001م.
12. جي ويدونغ. بناء النظام القانوني [M]. بكين: دار النشر لجامعة الصين للعلوم السياسية والقانون، 1999م.
نبذة عن المؤلف ما جيان، أستاذ مشارك في كلية السياحة والتاريخ الثقافي بجامعة الأقليات الجنوبية الغربية، والمدير التنفيذي لمركز الأبحاث جنوب غربي التابع لقاعدة أبحاث الابتكار والتنمية في الصناعات الثقافية الوطنية.
