القائمة الرئيسية

لماذا على دراسة الفلسفة أن تواجه التحديث؟

لماذا على دراسة الفلسفة أن تواجه التحديث؟
ملخص المقال

يتناول المقال رؤية فلسفية معمّقة حول التحديث الصيني النمطي ودور الفلسفة في دعمه وفهمه في العصر الجديد، مستندًا إلى فكر كارل ماركس وروح نقده الجدلي. يرى الكاتب أن دراسة التحديث لا بد أن تنطلق من تحليل شامل يجمع بين التاريخ والواقع والعلم والقيم، لأن التحديث ليس مسارًا واحدًا بل عملية تاريخية معقدة تتنوع وفق ظروف كل دولة ومجتمع. يؤكد المقال أن جوهر التحديث هو تحديث الإنسان نفسه — أي تطوير قدراته وقيمه وعلاقاته الاجتماعية — وأن التحديث الاقتصادي أو التقني يفقد معناه إن لم ينعكس على نمو الفرد وازدهاره الروحي. كما يشدد على أهمية معالجة التناقضات بين التنمية المادية والروحية، وبين الإنسان والطبيعة، وصولًا إلى تحقيق الرخاء المشترك الذي يمثل الغاية القيمية العليا للتحديث الصيني، والذي لا يتحقق إلا من خلال تعزيز الحكم الرشيد وتكامل التقدم المادي والمعنوي لخدمة الإنسان والمجتمع.ترجمة: غدي الغامدي

بقلم: هاو لي شين

في بداية الإصلاح والانفتاح، قدم “دينغ شياو بينغ” مفهوم “أنَّ التعليم عليه مواجهة التحديث، مواجهة العالم ومواجهة المستقبل” هذا المفهوم العميق أثر بعمق وعلى المدى البعيد في تطوير التعليم والفلسفة والعلوم الاجتماعية في الصين، تطوير التحديث كان دائمًا قضية ملحة ذات أهمية في فلسفة الصين المعاصرة، حين ندخل إلى عصرٍ جديد، نبدأ رحلة جديدة للتحديث، ويجب علينا التفكير بجدية في كيفية استمرار الفلسفة في “مواجهة التحديث”، وكيفية زيادة الاهتمام والاستجابة للقضايا الكبيرة خلال مسار التحديث الصيني النمطي، أنا أظن أنه من الضروري الاهتمام بالجوانب الآتية:

أولًا: وجوب الاستكشاف العميق والاستفادة الكاملة من مصادر أفكار “كارل ماركس” الفلسفية، مسترشدين بالمادة التاريخية في عملية فهم وتحليل التحديث، إذ ثمة نماذج نظرية وأنماط تفسيرية متعددة.

تمتلك أفكار “كارل ماركس” الفلسفية دلالة مهمة وتوجيهية بالنسبة إلينا في دراسة وتفسير التحديث، بمعنى أن تحليل “كارل ماركس” لنظرية المجتمع الرأسمالي يتوافق مع تحليله النظري للتحديث الرأسمالي، وأفكار “كارل ماركس” عن الجدل التاريخي الاجتماعي، وعن تأكيد التقدمية التاريخية للرأسمالية وتحليل قيود الرأسمالية، وعن تحول التاريخ الوطني إلى تاريخ عالمي، وتحول الوجود الإنساني الإقليمي إلى الوجود الإنساني العالمي، ونقد منطق الرأسمالية، ونقد وتحليل اغتراب الرأسمالية وخاصة اغتراب العمل، وعن التقدم الاجتماعي وحرية الإنسان، وأفكار التطور الكامل، والتنمية الحرة والشاملة للأفراد، وأفكار في كيفية التعامل مع الصعاب والتحديات كعبور مضيق كاودين وما إلى ذلك، له أهمية كبيرة من حيث الرؤية العالمية والمنهجية بالنسبة إلينا لفهم تاريخ عملية التحديث ووضعها الحالي ومستقبلها، ولمقارنة خصائص وسبل التحديث الرأسمالي والتحديث الاشتراكي.

في الوقت الحالي، علينا دعم روح النقد والروح العملية “لكارل ماركس”، وليس علينا التفكير فقط على نحو بنَّاء لتحسين مسار التحديث، بل أيضًا علينا تأمل المشكلات التي تظهر خلال عملية التحديث ونقدها.

ثانيًا: يجب إدراك التحديث تاريخيًّا ككل، والتعرف إلى شموليته وتعقيداته، التحديث هو أحد الأُطر التاريخية، وأيضًا أحد الأُطر الشاملة، التحديث عملية تاريخية، وهيكل معقد يحتوي على كثير من المستويات، والأبعاد، والتناقضات، كل مدة من الزمن، وكل دولة لها فهم مختلف بالنسبة إلى هذا المفهوم، حتى إنه مختلف جدًّا على نطاق واسع، عمومًا، التحديث هو الهدف والتوجه المهم لتطوير كثير من الدول، فهو عملية تاريخية وحركة واقعية، بل وأيضًا التوجه لتنمية المستقبل، حين دراسة التحديث، يجب أن تكون الدراسة من أبعاد متعددة أو وجهات نظر مقارنة، مثل التاريخ والواقع، والأمة والعالم، والعالمي والخاص، والعلوم والقيم، والبناء والنقد وما إلى ذلك، إذا كانت حركة التحديث قد بدأت في القرن ١٨ في أوروبا الغربية، فقد امتدت لأكثر من ثلاثة قرون، من منظور عالمي، فإن التحديث له بعض الاتجاهات المشتركة والمؤشرات المعترف بها، ولكن تحديث كل من الأمم أو البلدان له مسار تطويري مختلف وأهداف محددة، من ناحية العلوم، التحديث هو “عملية تاريخية مشابهة للتطور الطبيعي”، أي أن له أساسه المادي المختلف، وانتظامه الجوهري، وتتوافق موضوعية التحديث مع انتظام تنمية أنماط المجتمع، من ناحية القيم، فالتحديث هو حركة اجتماعية مدفوعة بمصالح مجموعات معينة (عرقية أو قومية) وتهدف إلى تحقيق أهداف قيمية محددة، والتي هي عملية إدراك القيمة، وتحديدها، وتقييمها، وخلقها وتحقيقها، يجب علينا فهم التحديث ضمن وحدة الانتظام والحتمية والذاتية والقيمة لتطويره، وإدراكه في إطار الحسم والاختيار.

من ناحية، تجدر الإشارة إلى أن عملية الانتقال أو النمو من مجتمع زراعي تقليدي إلى مجتمع صناعي حديث، ومجتمع معلوماتي، وحتى التحول إلى مجتمع أكثر تحضرًا، تعتمد على متطلبات مادية، وشروط حضارية معينة، من ناحية أخرى يجب علينا أيضًا أن ندرك تنوع الأنظمة الاجتماعية وانتقائيتها وسبل التنفيذ المرتبطة بتطور التحديث.

ثالثًا: إجراء تحليل شامل لمختلف العلاقات المتناقضة في عملية التحديث، واستكشاف كيفية تحقيق أهداف التقدم الاجتماعي الشامل وتطوير البشرية الشاملة في عملية التحديث، بغض النظر عما إذا كانت في الصين أو في دولة أخرى، تنطوي عملية التحديث دائمًا على تناقضات بين تطور الأشياء والناس، والحياة المادية والحياة الروحية، وتطور الجماعة وتطور الفرد، وبين الناس والبيئة الطبيعية، ولهذه التناقضات مظاهر وحلول مختلفة في المراحل التاريخية والدول والأنظمة الاجتماعية المختلفة، في الصين الحديثة، أصبحت قضية كيفية تعزيز التنمية الشاملة للشعب، وإثراء عالمه الروحي، وتحسين حضارة المجتمع على أساس تعزيز الإثراء الشامل للأشياء، قضية واضحة على نحو متزايد، في الوقت الحالي، أصبح ثمة اهتمام كبير بتحديث الفرد والرخاء المشترك، من ناحية هدف تطوير المجتمع ودينامية التنمية، فإن جوهر التحديث هو تحديث الفرد، وتحديث الفرد ليس قضية مجردة.

تحديث الفرد عملية تتماشى فيها عملية التحديث الشاملة مع تطور البشرية، وتتجلى في تحول الصفات والقدرة والشخصية والعلاقة الاجتماعية من الحالة التقليدية إلى الحالة الحديثة، إذا لم ينعكس تحديث المجتمع على تحديث الفرد، أو لم يدعمه تحديث الفرد، إذن هذا النوع من التحديث غير سليم، ويفتقر إلى القوة الدافعة لتحقيق التقدم المستدام، الرخاء المشترك هو الرخاء المشترك لكل الشعب، والرخاء المشترك للحياتين المادية والروحية عملية تتطلب سعيًا طويل الأمد، ويجب تحقيقها تدريجيًّا.

التحديث الصيني النمطي، الذي يتخذ من الرخاء المشترك هدفًا قيميًّا، لا يقتصر فقط على تعزيز تطور الحضارة المادية والحضارة الروحية، بل وأيضًا ضرورة تعزيز نظام الحكم الوطني، وتحديث قدرات الحوكمة، وتوفير ضمانات مؤسسية لتحقيق الرخاء المشترك، ونأمل أن يلعب تعزيز التحديث الصيني النمطي دورًا أكثر أهمية في إفادة الشعب والبشرية.

المصدر 

مقالات ذات صلة