ملخص: هذا المقال يناقش نتائج الجمعية العامة الثانية والأربعين لمنظمة الطيران المدني الدولي، والتي أعادت تأكيد التزام الدول الأعضاء بهدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. يستعرض المقال أبرز القرارات المتخذة لدعم النقل الجوي المستدام، مثل اعتماد معايير أكثر صرامة للانبعاثات والضجيج، وتعزيز الاستثمار في الوقود المستدام والتكنولوجيا النظيفة، إلى جانب دور المطارات في التحوّل نحو الطاقة المتجددة. ورغم التحديات الجيوسياسية والتباين في السياسات العالمية، يؤكد المقال أن مسار الطيران الدولي نحو الاستدامة لا يزال ثابتاً في مواجهة “الرياح المعاكسة”.
اختُتمت الجمعية العامة الثانية والأربعون لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) في الثالث من أكتوبر 2025 بمدينة مونتريال.
في عالم الطيران المليء بالتحديات والتنافس، أصبحت الحاجة إلى توحيد السياسات العالمية للاستدامة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وبينما تواجه صناعة الطيران العالمية رياحاً عاتية من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، يبدو أن مسارها نحو الحياد الكربوني لا يزال ثابتاً حتى الآن.
تُعقد هذه الجمعية الثلاثية كل ثلاث سنوات، وتجمع وفوداً من ما يصل إلى 193 دولة لمراجعة أولويات المنظمة وميزانيتها وأهدافها. وقد حظيت دورة هذا العام بمتابعة دقيقة كونها الأولى بعد الالتزام التاريخي الذي أُقر في الجمعية السابقة عام 2022 بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.
في تلك الدورة السابقة، اتفقت الدول الأعضاء على “الهدف الطموح طويل الأجل” (LTAG) للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، كما دعمت تطبيق “نظام تعويض وخفض الكربون في الطيران الدولي” (CORSIA)، وهو أول آلية عالمية قائمة على السوق لتقليل الانبعاثات في قطاع الطيران الدولي. وقد ارتفع عدد الدول المشاركة طوعياً فيه من 88 دولة في عام 2021 إلى 130 دولة اليوم.
ورغم التغيرات الجيوسياسية الأخيرة التي قلّلت من أولوية السياسات المناخية في بعض المناطق، أكدت هذه الجمعية استمرار الإجماع الدولي حول موضوعات البيئة، وأعادت التأكيد على التزام الدول الأعضاء بالهدف الطموح طويل الأجل للمنظمة.
كما لم تقتصر الجلسات على قضايا الاستدامة فقط، بل شملت أيضاً موضوعات السلامة والأمن. إذ التزمت الدول بتعزيز الإطار العالمي لسلامة وأمن الطيران لمواجهة المخاطر الناشئة مثل الحوادث الجوية الأخيرة، والتوترات الجيوسياسية، وتهديدات الأمن السيبراني المتزايدة، تحقيقاً لهدف المنظمة الطموح بالوصول إلى “صفر وفيات” في النقل الجوي.
ما الذي تم الاتفاق عليه بشأن النقل الجوي المستدام؟
منذ تبنّي الهدف طويل الأجل (LTAG)، ركزت جهود المنظمة خلال السنوات الثلاث الماضية على تطبيق إجراءات عملية لتحقيق هذا الهدف، أبرزها:
اعتماد معايير أكثر صرامة لانبعاثات الكربون ومستويات الضجيج لأنواع الطائرات الجديدة والطائرات الموجودة في الخدمة.
إقرار منهجية جديدة للرصد والتقارير لتتبع التقدم نحو تحقيق هدف الحياد الكربوني.
إقرار الإطار العالمي للوقود المستدام في الطيران (SAF) والوقود منخفض الكربون (LCAF) ومصادر الطاقة الأنظف، وهو ما يهدف إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% بحلول عام 2030 في طريق الوصول إلى الصفر الصافي بحلول عام 2050.
دعم الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة من خلال منصة “Finvest Hub” التي تربط بين مطوّري المشاريع والممولين والحكومات لتسريع تمويل مشاريع إزالة الكربون في الطيران، مع التركيز على تطوير الوقود المستدام.
تجديد الالتزام ببرنامج CORSIA بوصفه الأداة العالمية الوحيدة القابلة للتطبيق في السوق لتقليل انبعاثات الطيران.
توسيع برنامج ACT-SAF ليصبح برنامج ACT-LTAG لتقديم المساعدة الفنية والدعم في تطبيق جميع تدابير خفض الانبعاثات، بما في ذلك الحلول التشغيلية والبُنى التحتية.
تعزيز التركيز على التكيّف مع تغيّر المناخ ودعم إجراءات بناء المرونة المناخية في قطاع الطيران.
مطارات الغد: صوتها وصل إلى الجمعية
لعب مجلس المطارات الدولي (ACI World) دوراً محورياً في تمثيل مصالح المطارات خلال المناقشات المتعلقة بمستقبل الطيران العالمي، سواء في ما يخص الاتصال الجوي، تجربة المسافرين، التحوّل في الطاقة، أو النمو الاقتصادي المستدام.
وقد دعا المجلس الدول إلى ضمان حصول المطارات على إمدادات طاقة متجددة وموثوقة وبأسعار معقولة، مؤكداً أن التنسيق بين السياسات الوطنية ضروري لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة وتحقيق أهداف إزالة الكربون على المدى الطويل. فمع سعي قطاع الطيران نحو الحياد الكربوني، يُعتبر ضمان حصول المطارات على الطاقة النظيفة أمراً أساسياً للحفاظ على عمليات مستدامة وفعّالة.
ماذا يعني ذلك لمستقبل إزالة الكربون في الطيران العالمي؟
يمكن اعتبار عدم التراجع عن الأهداف الحالية بحد ذاته إنجازاً إيجابياً، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية. كما أن الجمعية أقرّت خطوات جديدة وطموحة لمواصلة تنفيذ الإجراءات اللازمة لإزالة الكربون من القطاع.
سيكون تطبيق الإطار العالمي للوقود المستدام خطوة محورية لضمان دعم طويل الأمد يجذب الاستثمارات ويزيد من الطلب، مما يسمح بتوسيع نطاق إنتاج هذه الأنواع من الوقود.
وبناءً على هذا الالتزام الثابت، يُتوقع أن تواصل مناطق عدة تبنّي سياسات أكثر طموحاً في إزالة الكربون، وهو أمر ضروري لتفادي تشتّت الجهود بين مناطق العالم المختلفة.
في أوروبا: تظل في موقع الريادة في سياسات المناخ الخاصة بالطيران. التطورات المتعلقة بـ CORSIA ومدى طموحه ستؤثر في مراجعة “نظام تداول انبعاثات الاتحاد الأوروبي (ETS)”، مما قد يوسّع عدد الرحلات المشمولة بالتسعير الكربوني.
في الولايات المتحدة: تفضّل نهج الحوافز بدلاً من الإلزام، إذ خفّفت بعض معايير استدامة مصادر الوقود في إطار قانون “One Big Beautiful Act”، ما يتيح أنواع وقود أرخص ولكن أقل فائدة بيئية.
في منطقة آسيا والمحيط الهادئ: بدأت السياسات المتعلقة بالوقود المستدام تتسارع (مثل فرض رسوم SAF في سنغافورة، وبرنامج أستراليا للوقود الأنظف بقيمة 1.1 مليار دولار، والمبادرات في اليابان وماليزيا وتايلند)، وإن كانت بوتيرة أبطأ من أوروبا ومع معايير أقل صرامة.
في ظل هذا المشهد العالمي المتجزئ والتنافس المتصاعد، أصبح السباق نحو توحيد السياسات العالمية للاستدامة في الطيران أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ورغم الرياح السياسية والاقتصادية العاتية، يبدو أن مسار الطيران الدولي نحو الحياد الكربوني لا يزال ثابتاً ومستمراً.
