القائمة الرئيسية

كيف يمكن قلب الموازين ضد الملاريا في جزر المحيط الهادئ؟

كيف يمكن قلب الموازين ضد الملاريا في جزر المحيط الهادئ؟
ملخص المقال

تُعد بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو الدول الوحيدة في المنطقة التي لا تزال الملاريا مستوطنة فيها. ففي عام 2023، سُجلت أكثر من 1.7 مليون إصابة، منها 1.5 مليون في بابوا غينيا الجديدة وحدها.

[post-views]

ملخص: هذا المقال يناقش التحديات التي تواجه دول المحيط الهادئ في القضاء على الملاريا، خاصة في بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو، حيث تتفاقم الأزمة بفعل ضعف النظم الصحية وتغيّر المناخ ونقص التمويل. ويُبرز المقال أهمية الاستثمار الجريء والتمويل المبتكر، مثل مبادرة "إيدن" والصندوق العالمي، لضمان استدامة الجهود وتحقيق هدف القضاء التام على الملاريا بحلول عام 2030، لما لذلك من أثر مباشر على صحة المجتمعات واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

  • أكثر من 40 دولة حول العالم نجحت في القضاء على الملاريا، إلا أن المرض لا يزال مستوطناً في بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو.
  • ويُثقل عبء الملاريا كاهل هذه الدول بسبب التفاوتات العميقة في نظم الرعاية الصحية، والعوائق اللوجستية، وآثار تغيّر المناخ. ويتطلب القضاء على الملاريا استثمارات جريئة واستراتيجيات تمويل مبتكرة لضمان أثر طويل الأمد.

منذ عقدين، كانت الملاريا أزمة صامتة في المحيط الهادئ، وغالباً ما طغت عليها قضايا صحية عالمية أخرى، رغم أنها أصابت أكثر من 300 ألف شخص في عام واحد فقط عام 2014. ورغم التقدم المحرز منذ ذلك الحين، ما زال المرض متجذراً بعمق في أنحاء المنطقة، خصوصاً في الأماكن التي تعاني من ضعف النظم الصحية وصعوبة الوصول إليها، إلى جانب التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ.

تُعد بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو الدول الوحيدة في المنطقة التي لا تزال الملاريا مستوطنة فيها. ففي عام 2023، سُجلت أكثر من 1.7 مليون إصابة، منها 1.5 مليون في بابوا غينيا الجديدة وحدها.

وقد ارتفعت وفيات الملاريا في بابوا غينيا الجديدة بنسبة 40% بين عامي 2019 و2023، نتيجة صعوبة الوصول إلى المجتمعات النائية، وضعف الوعي الصحي، والعجز الهيكلي في القدرات الصحية، ما يعرقل جهود مكافحة المرض. واليوم، تؤثر الملاريا على أكثر من 800 ألف شخص في البلاد، وهي النسبة الأكبر من عبء المرض والوفيات في منطقة المحيط الهادئ.

أما في جزر سليمان، فإن محدودية الموارد المخصصة لمكافحة الملاريا، والنقص المتكرر في الأدوية المضادة، واضطرابات سلاسل الإمداد، تهدد بنسف عقود من التقدم. إذ يتأثر أكثر من 120 ألف شخص من أصل عدد سكان لا يتجاوز 800 ألف نسمة، ما يجعلها ثاني أكثر دولة متضررة بعد بابوا غينيا الجديدة.

وفي فانواتو، ورغم أن معدلات الإصابة أقل نسبياً، إلا أن الأعاصير المتتالية – مثل إعصار “بام” عام 2015، وإعصاري الفئة الرابعة في مارس 2023، والزلزال الذي بلغت قوته 7.3 درجات في ديسمبر 2024 – أضعفت النظام الصحي المحلي. ولا تزال الجهود جارية لاستعادة قدرات التشخيص والمراقبة في المناطق النائية، بينما يظل خطر المناخ قائماً ويزيد من صعوبة المهمة.

تمويل برامج القضاء على الملاريا

يواجه المجتمع الصحي العالمي تحديات هائلة هذا العام، وجزر المحيط الهادئ ليست استثناءً. فلم تعد المساعدات الخارجية إلى مستوياتها التي بلغت ذروتها بين عامي 2009 و2012، في حين تكافح الدول من أجل موارد محدودة وسط أولويات صحية متنافسة، وفي ظل تداعيات التغير المناخي.

كما بدأ تأثير تراجع المساعدات الإنمائية من بعض المانحين الرئيسيين – مثل الولايات المتحدة – بالظهور، إذ انخفضت هذه المساعدات إلى أدنى مستوياتها خلال 15 عاماً في عام 2025، وفقاً لمعهد القياسات الصحية والتقييم.

لذلك، يتعيّن على دول المنطقة تبنّي نهج أكثر ذكاءً وتنسيقاً لضمان الاستخدام الفعّال للموارد المتبقية في مواجهة التحديات الصحية الأكثر إلحاحاً. وهذا يعني ضرورة الاستجابة السريعة للأزمات الصحية الطارئة، إلى جانب الالتزام طويل الأمد بتأمين التمويل المستدام للمبادرات التي تحقق نتائج تحوّلية مثل برامج القضاء على الملاريا.

ولحماية ما تحقق من إنجازات والمضي نحو الهدف الإنمائي المستدام المتمثل في القضاء على الأوبئة مثل الإيدز والسل والملاريا بحلول عام 2030، يجب على دول المحيط الهادئ أن تُعطي أولوية لتعبئة الموارد الآن. وفي هذا الإطار، تم في عام 2025 إطلاق مبادرة "إيدن" (EDEN)، المعنية بالقضاء على الملاريا والأمراض المنقولة بالنواقل الحساسة للمناخ، بدعم من وزارات الصحة في بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو وتيمور الشرقية وإندونيسيا. وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز برامج القضاء على الملاريا، وبناء القدرات، وتحسين استخدام الموارد المشتركة على المستوى الإقليمي.

مكافحة الملاريا من أجل مجتمعات أقوى

عانت البشرية من الملاريا لآلاف السنين، لكن أكثر من 40 دولة أثبتت أن القضاء عليها ممكن. والاستثمار في برامج القضاء على الملاريا هو في الواقع استثمار استراتيجي في الأمن الوطني والإنتاجية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي. فكل حالة ملاريا يتم تفاديها تعني مزيداً من الأطفال في المدارس، ومزيداً من الأشخاص القادرين على العمل، وعدداً أقل من الأسر التي تسقط في الفقر، ومجتمعات أكثر استقراراً.

ولتحقيق هذه الرؤية، ينبغي لجميع الأطراف الإقليمية – من شركاء ومنظمات قطاع خاص ومجتمع مدني ومجتمعات محلية – أن تعزز التزامها من خلال استثمارات جريئة وآليات تمويل مبتكرة. ويجب أن يكون التمويل المستدام والمنسق حجر الزاوية في هذه الجهود لضمان استمرار الزخم وتحقيق أثر طويل المدى.

ويُعد الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا أكبر وأهم مصدر للتمويل لبرامج الملاريا في المحيط الهادئ. فمنذ عام 2023، مكّن الصندوق بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان من توزيع أكثر من 1.2 مليون و350 ألف ناموسية على التوالي. أما في فانواتو، فيُعد التمويل المستمر حاسماً لمنع عودة المرض في المناطق التي تم فيها وقف انتقال العدوى، ولتحقيق هدف “صفر إصابات محلية” بحلول عام 2028.

وفي منطقة مترابطة كجزر المحيط الهادئ، تؤثر صحة كل دولة في صحة الأخرى. لذلك، فإن التزام الدول القادرة والمجتمع الدولي بتعزيز الجولة الثامنة من تمويل الصندوق العالمي لن يحافظ فقط على التقدم الذي تحقق حتى الآن، بل سيساعد أيضاً على إنهاء المهمة بالكامل.

فالملاريا ليست تهديداً بعيداً عن سكان المحيط الهادئ، بل واقعاً يومياً. وضمان مستقبل خالٍ من الملاريا يعني صحةً أفضل، ومجتمعات أكثر صموداً، واقتصادات أكثر ازدهاراً للجميع.

المصدر

مقالات ذات صلة