ملخص: يتناول المقال دراسة حديثة تكشف أن الشغف الفردي ليس اللغة الوحيدة للنجاح، وأن مصادر الدافعية تختلف جذريًا باختلاف الثقافات. ففي حين يُعد الشغف الشخصي مؤشرًا قويًا على النجاح في الثقافات الفردانية مثل الولايات المتحدة وأستراليا، فإن الدافع الجماعي — مثل دعم العائلة والمجتمع — يلعب دورًا مساويًا أو أكبر في الثقافات الجماعية مثل الصين وتايلاند وكولومبيا. اعتمدت الدراسة على بيانات من أكثر من 1.2 مليون طالب في 59 دولة، وأظهرت أن الاقتصار على مقياس “الشغف” في التوظيف أو القبول الجامعي يخلق نقطة عمياء تستبعد مواهب حقيقية من خلفيات ثقافية مختلفة. وتشدد على أن التحفيز لا يأتي فقط من الداخل، بل قد يتغذى من الروابط العائلية والاجتماعية، ما يستدعي توسيع معايير التقييم لتشمل كلا النمطين: الفردي والجماعي. الخلاصة: لا يهم مصدر الدافع بقدر ما يهم صدقه وفعاليته.
تخيّل أنك تجري مقابلة لوظيفة أو تقبل طلابًا في جامعة. أحد المتقدمين يتحدث بحماس عن شغفه العميق بالمجال، بينما يقول الآخر إن دافع عائلته وتشجيعها كان وراء اختياره لهذا المسار. من ستختار؟
في الثقافة الأميركية، الإجابة غالبًا واضحة: صاحب الشغف. فهناك قناعة راسخة بأن “الشغف” مؤشر على الطموح والقدرة على النجاح. لكن دراسة حديثة من Stanford University كشفت أن هذا التصور ليس عالميًا… وأن الثقافة التي نشأ فيها الشخص تلعب دورًا محوريًا في شكل دافعيته وإنجازه.
فالشغف — بمعناه الفردي المتداول في الغرب — ليس دائمًا القوة المحركة الأساسية للنجاح. في ثقافات أخرى، قد يكون دعم العائلة والمجتمع هو ما يدفع الإنسان للتفوق والإنجاز. وهذا يعني أن الجامعات والشركات التي تعتمد على “الشغف” كمعيار رئيسي قد تفقد فرصة استقطاب مواهب حقيقية.
الشغف ليس لغة الجميع
اعتمدت الدراسة، المنشورة في Proceedings of the National Academy of Sciences، على بيانات لأكثر من 1.2 مليون طالب من 59 دولة، مأخوذة من Programme for International Student Assessment (PISA). إلى جانب درجاتهم في العلوم والرياضيات والقراءة، قاس الباحثون مستوى “الشغف” من خلال مدى اهتمام الطلاب بالمواد وشعورهم بالاستمتاع والثقة بقدراتهم.
النتائج كشفت تباينًا واضحًا:
في الثقافات الفردانية مثل الولايات المتحدة وأستراليا، كان الشغف الشخصي عاملًا قويًا جدًا في التنبؤ بالتحصيل الأكاديمي.
أما في الثقافات الجماعية مثل الصين وتايلاند وكولومبيا، فقد كان دعم الأسرة والمجتمع دافعًا بنفس القوة — وأحيانًا أقوى — من الحافز الفردي.
يقول الباحث الرئيسي شينغيو لي:
«الاعتماد على مقياس الشغف وحده في القبول أو التوظيف يخلق نقطة عمياء… ويُقصي مواهب من ثقافات تعتمد على نماذج تحفيزية مختلفة.»
نمطان مختلفان من الدافع
في الثقافات الغربية — وغالبًا ما يشار إليها في الدراسات باختصار WEIRD (غربية، متعلمة، صناعية، غنية، ديمقراطية) — يُنظر إلى الذات باعتبارها مصدر الدافع والإنجاز. النجاح هنا يُقاس بما تريده أنت شخصيًا.
في المقابل، ترى الثقافات الجماعية الذات بوصفها جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات والمسؤوليات. النجاح لا ينفصل عن العائلة والمجتمع.
حتى اللغة نفسها تكشف هذا الاختلاف: فبعض اللغات مثل الصينية (الماندرين) والتايلاندية لا تملك ترجمة دقيقة لكلمة “شغف” بمعناها الفردي الغربي.
الدافع الجماعي ليس أقل شأنًا
من وجهة النظر الأميركية، قد يبدو الإنجاز بدافع تلبية توقعات الآخرين علامة على ضعف الحافز الذاتي. لكن في الواقع، التحفيز الجماعي لا يقل قوة أو قيمة. بل قد يكون مصدرًا للثبات والمثابرة والمرونة.
تقول الباحثة هازل روز ماركوس من Stanford University:
«التحفيز لا يأتي فقط من الداخل، بل يمكن أن يتغذى من شعورك بأنك جزء من نجاح من تحبهم وتحرص عليهم.»
ولهذا، حتى في الولايات المتحدة، غالبًا ما تجد مجتمعات ذات أصول آسيوية أو لاتينية تتبنى أنماطًا تحفيزية جماعية راسخة في ثقافتها.
تجربة شخصية تُلهم البحث
شينغيو لي — الباحثة الرئيسية — وُلدت في بكين. بدأت بتعلّم الإنجليزية بدافع حبها لنادي Chelsea F.C. الإنجليزي، لكن دافعها لم يكن فرديًا فقط؛ بل كان مدعومًا بعائلتها التي شجعتها على الدراسة والمغامرة.
عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة، لاحظت كيف يختلف الناس في طريقة نظرهم للدافع. في الثقافة الصينية، على سبيل المثال، النجاح لا يعني فقط تحقيق حلم شخصي، بل الوفاء بالتزامات عائلية واجتماعية.
نحو معايير أكثر عدالة في القبول والتوظيف
تشير نتائج الدراسة إلى أن الاعتماد على الشغف الفردي وحده في عمليات القبول الجامعي أو التوظيف قد يميز ضد أشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة.
لا يعني ذلك التخلي عن معيار الشغف، بل توسيعه ليشمل مصادر الدافعية المختلفة: الفردية والجماعية على حد سواء.
يقول جيفري كوهين، أستاذ علم النفس المشارك في الدراسة:
«كلما وسّعنا فهمنا لما يحفّز الناس من خلفيات متنوعة، زادت قدرتنا على استقطاب أفضل المواهب.»
خلاصة
الشغف ليس اللغة الوحيدة للنجاح.
الثقافة تؤثر بعمق في شكل الدافع وسلوك الإنجاز.
الاعتماد على نموذج تحفيزي واحد قد يظلم مواهب حقيقية.
الاعتراف بتنوع الحوافز يفتح الباب لفرص أكثر عدلًا وشمولًا.
في النهاية، لا يهم إن كان دافعك ينبع من شغف شخصي أو من دعم من تحب… ما يهم هو أنه دافع صادق وفعّال.
