ملخص: يتناول المقال القوة التحويلية لممارسة الامتنان في الحياة والعمل، من خلال تجربة طبيب كان يرى مهنته عبئًا، فتحولت نظرته مع الزمن إلى امتياز عميق بفضل لحظات إنسانية مؤثرة واطلاعه على أبحاث الامتنان. يوضح المقال أن الامتنان ليس شعورًا عابرًا بل ممارسة تُحسّن المزاج والصحة النفسية والجسدية وتقوي الروابط الإنسانية، كما أثبتت دراسات طويلة الأمد. ويشير إلى أن عقولنا تميل بطبيعتها للتركيز على السلبيات، ما يجعلنا ننسى النِعم المحيطة بنا. ولزرع الامتنان في بيئة العمل، يقترح المقال ممارسات بسيطة: ملاحظة ما يسير على ما يرام، أخذ لحظات وعي هادئة، التركيز على قصص الآخرين، قول “شكرًا” بصدق، النظر إلى العمل كرسالة إنسانية، و”صرف” الامتنان كما تُصرف وصفة طبية. في الختام، يؤكد أن الامتنان مثل العضلة: يقوى بالممارسة، ويمنحنا طاقة ودفئًا ومعنى يجعل الحياة — حتى في أصعب المهن — أكثر قابلية للحب والاحتمال.
في إحدى الليالي في المستشفى، كانت السيدة “T” مستلقية على سريرها، شاحبة وضعيفة، بينما أمسكت ابنتها بيدها وقالت بحنان:
“لقد اعتنيتِ بي كثيرًا يا أمي… والآن جاء دوري لأعتني بك. سأفعل كل ما بوسعي لتقفي على قدميك من جديد.”
فتحت الأم عينيها ببطء، ونظرت إلى ابنتها بعينين تملؤهما المحبة. حينها التفتُّ إليهما وقلت:
“إنه لشرف كبير لي أن أكون جزءًا من رحلتكما في هذا الوقت المهم. شكرًا لكما.”
وأنا أغادر الغرفة، غمرني شعور عميق يصعب وصفه. قلت في نفسي: “يا إلهي، كم هو رائع أن أكون قادرًا على أداء هذا العمل. أحبّه حقًا.”
أنا لست ذلك الطبيب المثالي المتفائل دائمًا. في سنواتي الأولى، كنت متشائمًا إلى حد كبير. لكن لقاءات كهذه، إلى جانب دروس تعلمتها من موارد Greater Good Science Center، غيّرت نظرتي جذريًا. ما كنت أراه “مهنة صعبة” صرت أراه “امتيازًا” وهدية.
كنت أظن أن الحديث عن “فوائد الامتنان” مجرد مبالغة. لكن مع الوقت، اكتشفت أنه أحد أكثر الأشياء التي جعلت عملي أكثر عمقًا ومعنى، لي ولمن حولي.
ما وراء الامتنان: كيف نغيّر نظرتنا للحياة
على مدى عقود، ركّز علم النفس على المرض والمعاناة. لكن في التسعينيات، بدأ عدد من الباحثين الأمريكيين — من بينهم Robert Emmons في University of California, Davis — يدرسون ما يجعلنا نشعر بالرضا والازدهار. أحد محاور اهتمامهم كان “الامتنان”.
في واحدة من دراساته المؤثرة، طُلب من المشاركين كتابة ثلاثة أشياء يشعرون بالامتنان لها، ثلاث مرات أسبوعيًا، لمدة ستة أسابيع. وبعد مرور نصف عام على التجربة، ظل أثرها حاضرًا: تحسن مزاج المشاركين، ازداد تفاؤلهم، تحسنت علاقاتهم، مارسوا الرياضة أكثر، وقلّت شكواهم الصحية.
منذ ذلك الحين، توالت الدراسات التي أثبتت أن الامتنان ليس مجرد شعور لطيف، بل له أثر نفسي وجسدي حقيقي.
الفيلسوف الروماني Cicero وصفه بـ “أم الفضائل”، وعلماء النفس يرونه “غراءً اجتماعيًا” يقوي الروابط بين البشر ويخلق دائرة إيجابية من العطاء المتبادل.
لكن… لماذا لا نشعر بالامتنان طوال الوقت؟
لأن عقولنا مبرمجة على رصد الأخطار والتركيز على ما ينقصنا أكثر مما نملكه. ومع الوقت، نتعود على الأشياء الجيدة حتى نتوقف عن ملاحظتها. هذه الطبيعة البشرية تجعلنا ننسى كم من النعم تحيط بنا كل يوم.
كيف نزرع الامتنان في بيئة العمل
في السنوات الأخيرة، حاولت أن أُدخل ثقافة الامتنان إلى عملي في المستشفى. وهذه بعض الأفكار التي غيّرت يومي ويوم زملائي — ويمكن تطبيقها في أي بيئة عمل:
1. لاحظ ما يسير على ما يرام
لسنا مضطرين لأن نعيش تحت سيطرة “الانحياز للسلبيات”. هناك أشياء كثيرة تعمل بسلاسة من حولنا: الماء، الكهرباء، الأجهزة الطبية، الأدوية المنقذة للحياة، الفريق الذي يبذل جهده، العمليات التي تنجح. كل هذه أمور تستحق التقدير.
2. خذ نفسًا عميقًا
ليس المطلوب طقوسًا معقدة. بضع ثوانٍ من التوقف والهدوء كافية لتجعلنا أكثر وعيًا بلحظة الامتنان، وأقدر على الشعور بها بعمق.
3. ركّز على قصة المريض
في مجال الطب، من السهل أن نتمركز حول أدوارنا كأطباء ومقدّمي رعاية. لكن القصة الحقيقية هي رحلة المريض وعائلته مع الألم، والخوف، والأمل. أن نكون شهودًا على هذه الرحلات الإنسانية العميقة… امتياز لا يُقدر بثمن.
4. قل «شكرًا» وكأنك تعنيها
كلمة “شكرًا” ليست إجراءً بروتوكوليًا. عندما تقولها بصدق — لمريض، لزميل، لمساعد، حتى لنفسك — فإنك تفتح نافذة للشعور الحقيقي، لا مجرد مجاملة عابرة.
5. انظر إلى عملك كشيء مقدّس
العمل في الطب ليس عاديًا. نحن نلامس الحياة والموت، ونشهد لحظات حب وشجاعة وصبر. حين نراها بهذه العدسة، يتحول العمل من “وظيفة” إلى “رسالة” مغلفة بالامتنان.
6. “اصرف” الامتنان مثل وصفة طبية
أحيانًا، تكون ممارسة الامتنان جزءًا من شفاء المريض. عندما أودّع مرضاي، لا أعطيهم وصفات طبية فقط، بل أوصيهم بممارسة الامتنان — الكتابة، التأمل، أو حتى مجرد ملاحظة الأشياء الجيدة. هذه الخطوة البسيطة تُعمّق الصلة بيننا وتمنح العلاج بُعدًا إنسانيًا أعمق.
الامتنان… عادة لا شعور عابر
الامتنان مثل العضلات: كلما استخدمناه أكثر، أصبح أقوى.
يمكنك أن تبدأ بتدوين يومي لأشياء تشعر بالامتنان لها.
أو أن تشارك أسرتك ثلاثة أشياء جميلة حدثت في يومك.
أو ببساطة أن تكون أكثر وعيًا بكل هدية صغيرة تحيط بك.
بالنسبة لي، صارت هذه الممارسة درعًا نفسيًا أحتمي به وسط ضغوط مهنة قاسية. الامتنان لا يغير طبيعة العمل، لكنه يغيّر الطريقة التي نراه بها، ويمنحنا طاقة نستمد منها القوة، والدفء، والمعنى.
الامتنان ليس رفاهية… بل وسيلة لنعيش ونُحب ما نفعل، مهما كانت الصعوبات.
