القائمة الرئيسية

كيف تُعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل مفهوم "المشاع الإبداعي"؟

كيف تُعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل مفهوم "المشاع الإبداعي"؟
ملخص المقال

وفي عام 2002، صدرت أولى هذه التراخيص لتوفر إطاراً قانونياً ثابتاً للأشخاص الذين يرغبون في التعاون وتبادل المعرفة عبر الإنترنت.

[post-views]

ملخص: هذا المقال يناقش كيف غيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي مفهوم "المشاع الإبداعي" الذي مكّن الإنترنت من تبادل المعرفة بحرية منذ بداية الألفية، حيث باتت الشركات تجمع المحتوى العام لتدريب نماذجها دون نسب أو إنصاف للمبدعين. ويطرح المقال رؤية الرئيسة التنفيذية لمؤسسة المشاع الإبداعي، آنا توما‌دوتر، الداعية إلى بناء نظام جديد يقوم على الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمعاملة بالمثل، بحيث تُعيد المؤسسات التكنولوجية شيئاً من القيمة إلى المجتمعات الإبداعية التي بنت الأساس لابتكاراتها، تأكيداً على أن مستقبل الإبداع يجب أن يجمع بين الابتكار والمسؤولية.

يُعد نموذج "المشاع الإبداعي" (Creative Commons) أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها شبكة الإنترنت منذ أوائل الألفية الجديدة، إذ أتاح مشاركة الأعمال الإبداعية بشكل مفتوح ومنظم. غير أن ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يشكل اختباراً حقيقياً لفلسفة هذا النموذج.

فمع توسّع عمليات جمع المحتوى الضخمة من دون نسب أو ذكر للمصدر، تدعو الرئيسة التنفيذية لمؤسسة المشاع الإبداعي آنا توما‌دوتر إلى تبنّي نظام جديد قائم على الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل (Reciprocity).
ويعرض تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان "دليل لتطوير الابتكار المسؤول في الذكاء الاصطناعي" نهجاً تفصيلياً يهدف إلى ضمان الشفافية والمساءلة والتعاون والإنصاف على امتداد سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي.

ما هو المشاع الإبداعي وكيف يعمل؟

تم تطوير تراخيص المشاع الإبداعي عام 2001 لمعالجة القيود التي فرضها قانون حقوق النشر التقليدي، بما يسمح بمشاركة الأعمال الإبداعية وإعادة استخدامها بشكل قانوني ومفتوح.
وفي عام 2002، صدرت أولى هذه التراخيص لتوفر إطاراً قانونياً ثابتاً للأشخاص الذين يرغبون في التعاون وتبادل المعرفة عبر الإنترنت.

تقول توما‌دوتر:

"عندما بدأ الناس باستخدام الإنترنت، أرادوا مشاركة أعمالهم والتعاون مع الآخرين. لكن قوانين حقوق النشر كانت حينها شديدة التقييد ولا تسمح بهذا الانسياب الحر للمعرفة."

قدّمت المؤسسة بديلاً لمفهوم "جميع الحقوق محفوظة" التقليدي تحت شعار "بعض الحقوق محفوظة"، مما يتيح للمبدعين تحديد كيفية إعادة استخدام أعمالهم أو تعديلها.

وتضيف توما‌دوتر:

"الركيزة الأساسية في كل ذلك هي نَسب العمل إلى صاحبه. فبفضل هذا المبدأ، تنتشر شبكة الإبداع والمعرفة في أنحاء العالم بطريقة جميلة ومتواصلة."

كما تسمح التراخيص للمبدعين بتحديد شروط إضافية مثل منع الاستخدام التجاري أو إلزامية مشاركة الأعمال المعدّلة بذات الترخيص.

أنواع تراخيص المشاع الإبداعي

  1. CC BY

    • يسمح بإعادة التوزيع والتعديل والبناء على العمل لأي غرض، حتى التجاري، بشرط ذكر اسم المبدع الأصلي.

  2. CC BY-SA

    • يسمح بإعادة التوزيع والتعديل لأي غرض، بشرط ذكر المصدر وترخيص العمل الجديد بالشروط نفسها.

  3. CC BY-NC

    • يسمح باستخدام العمل وتعديله للأغراض غير التجارية فقط، مع وجوب نسب العمل للمبدع.

  4. CC BY-NC-SA

    • يسمح بالاستخدام غير التجاري فقط، مع نسب العمل للمبدع وترخيص أي تعديل بالشروط ذاتها.

  5. CC BY-ND

    • يسمح بإعادة نشر العمل دون تعديل، ولأي غرض حتى التجاري، بشرط نسبه لصاحبه.

  6. CC BY-NC-ND

    • يسمح بنشر العمل كما هو دون تعديل ولأغراض غير تجارية فقط، مع ذكر المصدر.

لماذا المشاع الإبداعي مهم؟

ساهم نظام المشاع الإبداعي بشكل كبير في توسع الإنترنت كمورد عالمي مشترك.
فاليوم، تُغطّي تراخيصه أكثر من 2.5 مليار عمل على 9 ملايين موقع حول العالم، تشمل الموسيقى والصور والتعليم والأبحاث العلمية.

وتُعد ويكيبيديا أبرز مثال على استخدام هذه التراخيص، إلى جانب منصات مثل فليكر ويوتيوب وفيميو، وكذلك قنوات إعلامية مثل الجزيرة وبعض المؤسسات الأكاديمية والحكومية.

توضح توما‌دوتر أن جوهر المشاع الإبداعي هو روح المعاملة بالمثل، قائلة:

"لدينا مجموعة من الأعمال المشتركة التي يمكن للبشرية جمعاء أن تستفيد منها."

كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في المشاع الإبداعي؟

مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت هذه العلاقة المتبادلة تتعرض لتهديد متزايد.
تقول توما‌دوتر:

"لطالما وُجد تفاوت في الاستفادة من محتوى المشاع، لكن الذكاء الاصطناعي سرّع هذا التفاوت بشكل غير مسبوق عبر الزحف الواسع على الإنترنت وجمع المحتوى لتدريب النماذج."

تقوم المنصات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بجمع كميات هائلة من البيانات والمحتوى دون الإشارة إلى المصدر أو مكافأة المبدعين، مما يؤدي إلى اختفاء مبدأ النَسب والإنصاف.
بل حتى في الحالات التي تُقدَّم فيها روابط للمصادر، لم يعد المستخدمون بحاجة لزيارتها للحصول على المعلومة، ما يقلّل من الفائدة التي تعود على أصحاب المحتوى.

النتيجة: قد يُنفق المبدعون والباحثون وقتاً وجهداً كبيرين لإنتاج أعمالهم، ثم تُستخدم هذه الأعمال في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون إذن أو مقابل أو حتى إشارة إليهم. وقد تم بالفعل رفع أكثر من 50 دعوى قضائية تتعلق بانتهاك حقوق النشر ضد شركات الذكاء الاصطناعي.

كيف يمكن استعادة مبدأ المعاملة بالمثل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

توضح توما‌دوتر أن فلسفة الانفتاح كانت جزءاً من هوية المجتمعات الإبداعية، إلا أن الذكاء الاصطناعي غيّر المشهد.
وتقول:

"إن فقدان المبدعين السيطرة على كيفية استخدام أعمالهم يدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم الانفتاح نفسه، وربما إعادة تعريفه بشكل جماعي."

وترى أن الحل يكمن في الاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، بحيث تُعيد الشركات الكبرى التي استفادت من محتوى المشاع الإبداعي شيئاً إلى تلك المجتمعات التي كانت الأساس لابتكاراتها.

"إذا كنت شركة تكنولوجية كبرى حققت أرباحاً ضخمة نتيجة تدريب نماذجك على محتوى المشاع، فمن الطبيعي أن ترد الجميل لتلك المنظومة التي قامت عليها تقنياتك."

وفي السياق نفسه، يؤكد تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن أقل من 1% من المؤسسات تمتلك أطر عمل متكاملة للذكاء الاصطناعي المسؤول. ويقترح التقرير تسع خطوات استراتيجية لتعزيز الابتكار الأخلاقي في هذا المجال، تشمل الشفافية والمساءلة والتعاون وحماية الملكية الفكرية.

نحو مستقبل يحترم الإبداع الإنساني

بينما يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مفهوم الإبداع وقيمته، يقف العالم أمام خيارين:
إما أن نسمح للابتكار بأن يتقدّم على الأخلاق، أو نبني أنظمة تحترم من جعلوا هذا الابتكار ممكناً.

إن فلسفة المشاع الإبداعي القائمة على الانفتاح والإنصاف والاحترام تقدم نموذجاً قوياً للمرحلة القادمة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الإبداع الإنساني بدلاً من أن يطمسه — شريطة أن نُدمج مبادئ الشفافية والمسؤولية والمعاملة بالمثل في كل مرحلة من مراحل تطوير التكنولوجيا.

المصدر

مقالات ذات صلة