القائمة الرئيسية

الاقتصاد الأزرق: كيف يمكن للمحيطات أن تكون محرّكاً للنمو المستدام

الاقتصاد الأزرق: كيف يمكن للمحيطات أن تكون محرّكاً للنمو المستدام
ملخص المقال

وعلى الرغم من أنّ الاستثمارات الموجّهة إلى المحيطات لا تتجاوز حالياً 1% من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية، فإن الاستثمارات في هذا المجال تتوسع بسرعة، من خلال أدوات مثل السندات الزرقاء وصناديق الاستثمار المتخصصة في المحيطات.

[post-views]

ملخص: تتناول هذه المقالة كيف يمكن للاقتصاد الأزرق أن يتحول إلى محرّك رئيسي للنمو المستدام من خلال الاستثمار في موارد المحيطات بشكل يحافظ على النظم البيئية ويخلق فرص عمل جديدة. توضح أن المحيطات تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، ورغم أنها لا تحصل إلا على أقل من 1% من التمويلات التنموية، فإنها تحمل فرصاً استثمارية هائلة في مجالات مثل الطاقة المتجددة البحرية، والمصايد المستدامة، والبنية التحتية الخضراء، والسندات الزرقاء. وتدعو المقالة الحكومات والشركات إلى تبني نماذج أعمال إيجابية تجاه الطبيعة تجعل من حماية المحيطات فرصة اقتصادية حقيقية لا مجرد التزام بيئي.

  • أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي يعتمد على الطبيعة، لكن التدهور البيئي وتغيّر المناخ يدفعان الأنظمة البيئية نحو نقاط حرجة، ما يعرّض الأسواق لمخاطر طويلة الأمد.
  • ويُعدّ الاقتصاد البحري قوة دافعة للنمو المستدام وفرصة استثمارية عالية الإمكانات، يمكنها خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية مع استعادة النظم البيئية في الوقت ذاته.
  • وعلى الرغم من أنّ الاستثمارات الموجّهة إلى المحيطات لا تتجاوز حالياً 1% من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية، فإن الاستثمارات في هذا المجال تتوسع بسرعة، من خلال أدوات مثل السندات الزرقاء وصناديق الاستثمار المتخصصة في المحيطات.

فالطبيعة هي الأساس لكل نشاط اقتصادي، إذ يعتمد كل قطاع، بشكل مباشر أو غير مباشر، على استقرار الأنظمة الطبيعية وإنتاجيتها.
ويعترف ما يُعرف بـ"اقتصاد الطبيعة" بهذا الترابط، إذ يرى أن رأس المال الطبيعي هو أصل أساسي يدعم الازدهار العالمي. فالمياه النظيفة، والتربة الخصبة، وعمليات التلقيح الطبيعية، تمثّل البنية التحتية الحيّة لاقتصاداتنا.

لكن هذه الأصول تشهد تدهوراً سريعاً، بفعل تغيّر المناخ المتسارع، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث، والاستخدام غير المستدام للموارد، إلى جانب عدم الاستقرار الجيوسياسي والاجتماعي المتصاعد. وقد تخطّى الكوكب مؤخراً الحدّ الكوكبي الآمن لظاهرة تحمّض المحيطات.
وتكشف هذه التطورات عن تصاعد المخاطر النظامية طويلة المدى في الأسواق العالمية. فاليوم، يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل 44 تريليون دولار من القيمة الاقتصادية، على خدمات الطبيعة بدرجات متفاوتة.

وقد أكّد مؤتمر الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، المنعقد في أكتوبر، أنّ العالم ما زال يسير في مسار غير مستدام رغم عقود من الجهود البيئية.
ومع ذلك، هناك مجال للتفاؤل: فإذا تبنّى المشاركون البالغ عددهم أكثر من 1400 شخص من الحكومات والشركات والمجتمع المدني ممارسات تجديدية في أعمالهم، فستتحقق إنجازات كبيرة.
ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، يمكن للنماذج الاقتصادية الإيجابية للطبيعة أن تفتح فرصاً سنوية تصل إلى 10.1 تريليون دولار وتخلق 395 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030.

ويُعدّ صحة المحيطات عاملاً محورياً في حالة الطبيعة، فهي أكبر مصارف الكربون على الكوكب، تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن انبعاثاتنا، وتلعب دوراً أساسياً في تنظيم المناخ. كما يعتمد عليها مليارات البشر في معيشتهم، ويعمل فيها أكثر من 100 مليون شخص حول العالم.

ولتحقيق تقدم ملموس نحو مستقبل تجديدي، يجب على الشركات أن تدمج استراتيجيات إيجابية تجاه المحيطات في نماذج أعمالها.
وقد أكدت مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات لعام 2025 على تحوّل محوري في الخطاب العالمي: ظهور مفهوم جديد للاقتصاد الأزرق، يعترف بقدرة المحيطات على الصمود ويضعها في قلب النمو المستدام وخلق الوظائف.

تقوم شركات كثيرة اليوم بالابتكار في هذا المجال، عبر كهرباء النقل البحري، واستعادة غابات المانغروف، وتطوير تقنيات معالجة المياه وتحليتها، والاستثمار في تجديد الشعاب المرجانية.
ولتحقيق كامل إمكانات هذا الاقتصاد، يجب أن تتطوّر النظم المالية ونماذج الاستثمار أيضاً.


اتساع وعمق الاقتصاد الأزرق

وفقاً للبنك الدولي، يُعرَّف الاقتصاد الأزرق بأنه الاستخدام المستدام والمسؤول لموارد المحيطات والسواحل لتوليد القيمة الاقتصادية مع الحفاظ على سلامة النظم البيئية.
وقد بلغت قيمته نحو 1.3 تريليون دولار عام 1995، وتضاعفت إلى 2.6 تريليون دولار عام 2020، ومن المتوقع أن تتضاعف مجدداً لتصل إلى أربعة أضعاف بحلول عام 2050، مما يعكس إمكاناته التحويلية الهائلة.

وحدّد المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركاء مثل ORRAAA وBuilders Vision وKatapult ستة قطاعات أساسية ضمن الاقتصاد الأزرق المستدام والتجديدي، بإمكانها جذب استثمارات سنوية تبلغ 550 مليار دولار حتى عام 2030:

  1. حماية المحيطات: مشاريع لتحسين التنوع البيولوجي وتعزيز صمود المجتمعات الساحلية عبر السياحة البيئية، وخدمات النظم البيئية، والكربون الأزرق.

  2. المصايد وتربية الأحياء المائية المستدامة: تمويل للمزارع السمكية والمصايد التي تعتمد ممارسات مسؤولة وتمتثل للمعايير البيئية، خصوصاً في الدول النامية والجزر الصغيرة.

  3. الاقتصاد الدائري والتقنيات الزرقاء: شركات تمنع تدهور المحيطات من خلال حلول مثل إعادة تدوير البلاستيك وإدارة النفايات.

  4. الطاقة المتجددة البحرية: كالطاقة الموجية والشمسية والمدّ والجزر، التي تبتكر دون الإضرار بالتنوع البيولوجي.

  5. البنية التحتية الزرقاء المستدامة: تقنيات النقل البحري الأخضر والموانئ الخضراء.

  6. من الجبل إلى الشعاب (Ridge to Reef): استثمارات في الزراعة المستدامة والغابات وإدارة المياه الساحلية المتكاملة.

ويؤكد تنوع هذه الحلول وضخامتها أن الاقتصاد الأزرق يمثل جبهة استثمارية واعدة تتجاوز البعد البيئي لتصبح محفزاً حقيقياً للنمو المستدام.


تمويل المحيطات: فرصة مالية وليست عملاً خيرياً

حالياً، لا تتجاوز نسبة المساعدات الإنمائية الرسمية أو التمويلات الخيرية المخصصة للاقتصاد الأزرق المستدام 1% فقط.
ومع ذلك، تمثل الحلول الإيجابية للمحيطات أحد أكبر الأسواق غير المستثمرة للنمو المستقبلي.
فالشركات التي تستثمر مبكراً في الابتكار الأزرق ستكون أكثر قدرة على إدارة المخاطر، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، والاستفادة من مصادر نمو جديدة.

ورغم أن بعض الممولين يشتكون من قلة المشاريع القابلة للتمويل، فإن تقرير Making Waves in the Regenerative and Sustainable Ocean Economy أشار إلى أكثر من 45 فرصة استثمارية تثبت جدوى واستدامة هذه المشاريع، خاصة في الاقتصادات الناشئة.

ومنذ عام 2018، تضاعف عدد صناديق الاستثمار في المحيطات عشر مرات، ومن أبرزها: الصندوق العالمي للشعاب المرجانية، وصندوق Katapult Ocean، وصندوق Blue Ocean التابع لشركة SWEN Capital Partners، وصندوق Ocean 14 Capital.
كما ساعدت أدوات مالية مبتكرة مثل شركة Nautilus Blue Guarantee ومرفق التمويل الأزرق (Blue Finance Facility) في تعبئة رأس المال وتمكين الاستثمارات واسعة النطاق.

وتُعد السندات الزرقاء أحدث جبهات التمويل في الأسواق، مثل السند الذي أعلنته بنك أبوظبي الأول خلال مؤتمر الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، بقيمة 20 مليون دولار لدعم الحفاظ على الموارد البحرية وحماية السواحل وتعزيز النظم البيئية للكربون الأزرق.

ويعرض التقرير أيضاً أكثر من 25 دراسة حالة لمبادرات ومؤسسات صغيرة ومتوسطة جاهزة للاستثمار، ما يثبت أن الفرص المربحة والمستدامة في الاقتصاد الأزرق بدأت تتشكل فعلاً.

الرسالة واضحة: المحيط لم يعد مجالاً هامشياً للمستثمرين الاجتماعيين، بل أصبح قطاعاً واعداً يجمع بين العائد المالي والأثر الإيجابي على الطبيعة.

المصدر

مقالات ذات صلة