ملخص: يتناول المقال دراسة أجرتها روز دونوهيو من جامعة واشنطن في سانت لويس، كشفت أن الميل لمساعدة الآخرين يظهر لدى الأطفال منذ عمر 11 شهرًا فقط. ففي تجربة بسيطة، بادر أكثر من 80٪ من الرضّع بمساعدة الباحثة دون أي تشجيع، إما بإعطائها الأداة أو بإتمام المهمة بأنفسهم. كما أظهر الأطفال أنماط مساعدة شخصية ثابتة، مع ميل بسيط لدى الفتيات للتسليم ولدى الفتيان لإنجاز المهمة. وتؤكد النتائج أن التعاطف والسلوك الاجتماعي الإيجابي مغروسان فطريًا في الطفل، وأن دور الأهل هو رعاية هذه البذور عبر القدوة وإتاحة الفرص للمساعدة دون ضغط، مما يعزز بناء مجتمع أكثر إنسانية منذ الطفولة المبكرة.
كيف يُظهر الرضّع رغبتهم في المساعدة
في هذه الدراسة، راقبت الباحثة روز دونوهيو من جامعة واشنطن في سانت لويس وفريقها سلوك مجموعة من الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و20 شهرًا — أكثر من نصفهم من عائلات ذات دخل منخفض ومن خلفيات سمراء — لمعرفة كيف سيتصرفون إذا رأوا شخصًا بحاجة إلى مساعدة.
بعد اختبارات مبدئية لتقييم مهاراتهم الإدراكية والحركية، وُضع الأطفال على كراسٍ مرتفعة في مواجهة باحثة تقوم بمهمتين بسيطتين: وضع كرات صغيرة في صندوق، أو تكديس مكعبات فوق بعضها. في البداية، كانت الباحثة تؤدي المهمة بشكل مرح، ثم تتظاهر بأنها لا تستطيع الوصول إلى الكرة أو المكعب اللازم لإتمامها، في إشارة واضحة إلى أنها تحتاج للمساعدة.
كان الطفل يستطيع المساعدة بطريقتين: إما من خلال إعطاء الكرة أو المكعب للباحثة، أو من خلال إكمال المهمة بنفسه. وإذا لم يتدخل خلال 20 ثانية، كانت الباحثة تعيد طلب المساعدة بشكل أوضح — كأن تقول «الكرة» أو «لا أستطيع الوصول».
مساعد باحث كان يسجل كل محاولة مساعدة: نوعها، ومدى سرعة استجابة الطفل، وحتى المؤشرات البسيطة مثل اقترابه من الكرة أو يد الباحثة.
النتائج كانت مدهشة
أكثر من 80% من الأطفال الأصغر سنًا (أقل من 12 شهرًا) بادروا بمساعدة الباحثة خلال الثواني الأولى — إما بإعطاء الكرة أو المكعب، أو بإتمام المهمة بأنفسهم. لم يكن العمر أو الجنس أو مستوى المهارات العقلية والحركية مؤثرًا على هذه النتيجة، والأهم أن الغالبية فعلوا ذلك دون أي تشجيع مباشر.
تقول دونوهيو:
«توقعنا أن تكون نسب المساعدة منخفضة… لكن ما رأيناه كان مفاجئًا. الأطفال ساعدوا كثيرًا وبطرق أوضح مما كنا نتخيل».
أنماط المساعدة عند الرضّع
مع تكرار التجربة، انقسم الأطفال تقريبًا إلى مجموعتين متساويتين:
أطفال يفضلون تسليم الكرة أو المكعب للباحثة.
أطفال يفضلون إكمال المهمة بأنفسهم.
الأكثر إثارة أن كل طفل حافظ على أسلوبه المفضل في كل الجولات، ما يشير إلى أن حتى في هذا العمر الصغير يبدأ الأطفال بتكوين أنماط مساعدة شخصية.
لاحظ الفريق أيضًا ميلًا بسيطًا لدى الفتيات إلى تسليم الكرة، في حين مال الفتيان أكثر إلى إتمام المهمة. لا يوجد تفسير قاطع، لكن دونوهيو ترجّح أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا مبكرًا، إذ قد تُشجع الفتيات على الانتباه للآخرين أكثر، بينما يُشجع الفتيان على إظهار الاستقلالية.
تضيف:
«يظن الناس أن التنشئة الاجتماعية تبدأ في مراحل لاحقة، لكنها في الحقيقة تبدأ منذ اللحظات الأولى. الأطفال يراقبون كل شيء، كالإسفنجة التي تمتص».
أما العمر، فلم يكن له تأثير كبير على مدى الاستعداد للمساعدة، لكنه أثر على طبيعة المساعدة: الأطفال الأكبر سنًا كانوا أكثر ثباتًا في مساعدتهم وميالين أكثر لإتمام المهمة بأنفسهم — ربما بسبب ثقتهم المتزايدة في قدراتهم.
أطفال أكثر لطفًا… مجتمع أكثر إنسانية
تُظهر هذه الدراسة أن الميل إلى مساعدة الآخرين يظهر مبكرًا جدًا في الحياة، وهو ما يدعم أبحاثًا أوسع حول تطور السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى الإنسان. المفتاح هو تقديم تحديات مناسبة لقدرات الطفل النمائية، ومنحهم الفرصة للتصرف.
تقول دونوهيو:
«عندما نمنح الأطفال في هذا العمر مساحة كافية ليُظهروا ما يستطيعون فعله، سنكتشف قدرات مذهلة على التعاطف والمساعدة».
ما يعنيه ذلك للآباء والأمهات
الجميل في هذه النتائج أن بذور اللطف موجودة بالفعل لدى الأطفال. دور الأهل هو رعايتها وتنميتها.
تنصح دونوهيو الآباء بـ:
أن يكونوا قدوة في السلوك اللطيف.
إتاحة الفرص لأطفالهم لمراقبة هذا السلوك وتكراره.
تشجيعهم على تقديم المساعدة دون الضغط عليهم.
لم تستخدم الباحثة أي عبارات تشجيعية أو ابتسامات في التجربة لضمان حياد النتائج، لكنها ترى أن تشجيع الوالدين قد يعزز هذه السلوكيات الإيجابية.
وتختم قائلة:
«الأطفال يمتلكون قدرات فطرية مذهلة على التعاطف والمساعدة تفوق ما كنا نعتقده. إنهم مهيأون لأن يكونوا طيبين… فقط أعطوهم الفرصة».
