القائمة الرئيسية

ماذا لو كان الهدف من التعلم الاجتماعي العاطفي جعل العالم مكانًا أفضل؟

ماذا لو كان الهدف من التعلم الاجتماعي العاطفي جعل العالم مكانًا أفضل؟
ملخص المقال

لعل واحدة من أكثر التحديات التي يواجهها التعليم اليوم هي: كيف نُعدّ طلابنا للتعامل مع مشكلات العالم الكبرى

[post-views]

ملخص: يتناول المقال كيف يمكن للتعليم، وبالأخص برامج التعلم الاجتماعي العاطفي (SEL)، أن يتجاوز التركيز على المهارات الفردية ليصبح وسيلة لبناء وعي جمعي وتعاطف إنساني أوسع، في مواجهة تحديات عالمية مثل الانقسام المجتمعي والتغير المناخي. يروي الكاتب تجربة برنامج “Samvedana” في الهند، وهو برنامج من عشر جلسات يهدف إلى غرس قيم الرحمة والاهتمام بالآخرين من خلال التأمل والأنشطة العملية. أظهرت نتائجه على 130 طالبًا تحسنًا ملحوظًا في التعاطف، وتبنّي وجهات نظر مختلفة، والسلوك الاجتماعي الإيجابي. كما أثّر في المعلمين أنفسهم. ويؤكد المقال أن توسيع دائرة الاهتمام لتشمل الآخرين والمجتمع والبيئة ليس رفاهية، بل ضرورة تربوية لمواجهة تحديات عالم منقسم.

لعل واحدة من أكثر التحديات التي يواجهها التعليم اليوم هي: كيف نُعدّ طلابنا للتعامل مع مشكلات العالم الكبرى — من الانقسام المجتمعي إلى التغير المناخي — بطريقة تتجاوز التركيز على الذات؟

قبل فترة، نشر أحد طلابي، وهو في الخامسة عشرة من عمره، قصة على إنستغرام كتب فيها: «غاندي كان شخصًا مؤذيًا للعالم»، مرفقة بفيديو استفزازي في ذكرى ميلاد مهاتما غاندي. وعندما سألته لماذا نشر ذلك، قال: «أردت فقط أن أزعج زميلي الذي يُعجب بغاندي». كان الأمر في نظره مجرد رد فعل على سخرية زميله من إعجابه بأحد قادة المقاومة الآخرين.

هذه الحادثة البسيطة ذكّرتني بمدى عمق الانقسام المجتمعي وتأثيره على شبابنا. قلت له بهدوء: «العالم منقسم بما يكفي، فلنحاول ألا نزيد النار اشتعالًا». فردّ مستغربًا: «لكن ما معنى الانقسام أصلًا؟». هنا أدركت أن المراهقين يتأثرون بالاستقطاب من حولهم… لكنهم قد لا يفهمون معناه أو تبعاته. فشرحت له: «الاستقطاب يحدث عندما يتوقف الناس المختلفون عن الحديث مع بعضهم، فيبتعدون، ويكتمون الغضب، ويزدادون عزلة».

هذا الحوار جعلني أعيد التفكير في دور التعلم الاجتماعي العاطفي (SEL) في مدارسنا. فطلاب اليوم لا يواجهون فقط التنمر أو التمييز، بل أيضًا قضايا عالمية مثل التغير المناخي والاستقطاب السياسي والمجتمعي. والسؤال هو: كيف نساعدهم على توسيع دائرة اهتمامهم لتشمل الآخرين، لا سيما من يختلفون عنهم؟ وكيف نزرع فيهم الإحساس بالمسؤولية تجاه العالم؟

رغم انتشار برامج SEL عالميًا، خصوصًا في الدول المتقدمة، إلا أن أغلبها يركّز على تنمية المهارات الفردية: التنظيم الذاتي، التعاطف الشخصي، بناء العلاقات. لكن العالم يواجه أزمات عابرة للحدود — أوبئة، صراعات، فقر، تغير مناخي — وهذه تتطلب وعيًا جمعيًا وشعورًا بالمسؤولية المشتركة. وهنا يمكن أن يكون دور SEL أعمق: أن يصبح أداة لتربية مواطنين أكثر وعيًا بالآخرين وبالصالح العام.

رعاية «الاهتمام بالآخرين»

أنا باحث في علم النفس التربوي، وأعمل في مركز الذكاء العاطفي بجامعة ييل وزميل في مركز العلوم من أجل الخير الأعظم. من هذا المنطلق طوّرت برنامجًا تعليميًا في المدارس في الهند أسميناه “Samvedana” — وهي كلمة سنسكريتية تعني «الاهتمام والرعاية تجاه الآخرين».

يرتكز البرنامج على فكرة بسيطة: أن القيم مثل التعاطف والرحمة والسلوك الإيجابي لا تقتصر على العائلة أو الأصدقاء، بل تمتد لتشمل المجتمع والبيئة. فالاهتمام بالآخرين يبدأ بالانتباه لاحتياجاتهم، والشعور بترابطنا الإنساني، والرغبة الصادقة في المساعدة، ثم اتخاذ خطوات ملموسة لفعل الخير.

يتكوّن البرنامج من عشر جلسات على مدار ثلاثة أشهر للمراهقين:

  • الجلسات الثلاث الأولى: التعرف على المشاعر، وفهم وجهات نظر الآخرين، والاستجابة بتعاطف.

  • الجلسات الثلاث التالية: بناء الرحمة، والمشاركة الواعية، والتصرف بلطف.

  • الجلسة السابعة والثامنة: تعزيز الامتنان وفهم الترابط بين جميع البشر — “أنا لأننا نحن” (Ubuntu).

  • الجلسة التاسعة: تفاعل الطلاب مع مجموعات خارج بيئتهم المعتادة (مثل زيارة مدرسة للصم أو مركز شبابي في حي فقير).

  • الجلسة الأخيرة: التفكير ووضع خطة شخصية لممارسة التعاطف والرحمة في الحياة اليومية.

كل جلسة مدتها 75 دقيقة وتحتوي على تأمل موجه، أنشطة، وتمارين منزلية. يبدأ التأمل بتركيز على التنفس، ثم الرحمة، ثم «المحبة الشاملة». كما تُستخدم أنشطة عملية مثل «حاسبة البصمة البيئية» لمناقشة أثر أفعالنا على الكوكب.

أثر البرنامج على الطلاب والمعلمين

في دراسة تجريبية شملت 130 طالبًا من المرحلة الإعدادية في الهند، أظهرت النتائج ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى اهتمام الطلاب بالآخرين، وتحسنًا متوسطًا في قدرتهم على تبنّي وجهات نظر مختلفة والسلوك الاجتماعي الإيجابي. المثير أن الطلاب الذين كانت مستويات اهتمامهم بالآخرين منخفضة في البداية هم من حققوا أكبر تقدم.

في مقابلات لاحقة، عبّر العديد من الطلاب عن أنهم تعلموا للمرة الأولى التفكير في تأثير كلماتهم وتصرفاتهم على غيرهم. قالت إحدى الطالبات: «بفضل التأمل، بدأت ألاحظ مشاعر الآخرين وأفكر قبل أن أتصرف». وقالت أخرى: «كنت أفكر في نفسي فقط، أما الآن فأشارك الفرص مع غيري».

المعلمون أيضًا تأثروا. قال أحدهم: «عندما جرّبت تمرين الأكل الواعي، أدركت أنني لم أكن أنتبه حتى للطعام الذي آكله. بدأت أمارسه بنفسي، ومن ثم نقلت التجربة لطلابي». وقال آخر: «استطلاع البصمة البيئية جعلني أعيد التفكير في طريقة تعاملي مع البيئة».

نحو تعلم عاطفي اجتماعي يخدم الصالح العام

تشير هذه النتائج إلى أن دمج قيم التعاطف والرحمة والسلوك الإيجابي في برامج SEL يمكن أن يوسّع آفاق الطلاب ويعمّق إحساسهم بالانتماء الإنساني. ويمكن للمعلمين إجراء تعديلات بسيطة على برامجهم الحالية لجعلها أكثر توجهًا نحو «نحن» بدلًا من «أنا»:

  • إضافة لحظات تأمل تركز على توسيع دائرة الاهتمام بالآخرين.

  • تعزيز تعليم مهارات التعاطف، وفهم المشاعر، وتنظيم الانفعالات.

  • تدريب الطلاب على تبنّي وجهات نظر مختلفة، والاستماع برحمة.

  • ربط المهارات العاطفية بمواقف حياتية حقيقية تعزز العمل الجماعي والخدمة العامة.

في النهاية، الحقيقة الجوهرية هي: رفاهيتنا مرتبطة برفاهية الآخرين. عندما نزرع في الأطفال حس التعاطف والرحمة، فإننا نمنحهم قدرة على تجاوز حدودهم الشخصية، والنظر إلى العالم بعين مشتركة.

إذا تخيّلنا إحساسنا بـ «نحن» على شكل دائرة، يمكن أن نبقيها ضيقة تشمل أنفسنا ومن نحب فقط، أو نوسّعها لتشمل كل البشر والطبيعة من حولنا. ومع تصاعد التحديات العالمية — من الانقسام إلى الأزمات البيئية — فإن توسيع هذه الدائرة لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحّة.

ولعل أجمل ما حدث في قصتي مع الطالب صاحب المنشور هو ما جرى بعد ساعتين فقط: أعاد نشر قصة جديدة تحتفي بغاندي وإسهاماته في نيل الهند حريتها. هنأته قائلاً: «أنا فخور بك. ما فعلته دليل على عقل منفتح، وهذا ما يحتاجه عالمنا المنقسم — القدرة على فهم الآخر واحترام إنسانيته».

بهذه اللحظة الصغيرة، شعرت أن الأمل ما زال حيًا… وأن بناء عالم أفضل قد يبدأ من فصل دراسي صغير.

المصدر

مقالات ذات صلة