القائمة الرئيسية

ماذا تفعل أحلام اليقظة بعقولنا؟

ماذا تفعل أحلام اليقظة بعقولنا؟
ملخص المقال

كيف يمكن للسرحان في أفكار مبهجة وخيالية أن يرفع مزاجنا ويحفّز الإبداع

[post-views]

ملخص: يتناول المقال دور أحلام اليقظة الإيجابية في تحفيز الإبداع وتحسين المزاج، موضحًا أن السرحان الذهني ليس كله متشابهًا: فالأفكار السلبية أو القلقة قد تضعف التركيز والمزاج، بينما الأفكار الحرة والمبهجة — كالتخيل أو استرجاع لحظات جميلة — ترتبط بزيادة موجات ألفا في الدماغ، وهي المسؤولة عن التفكير الإبداعي. دراسات عدة، من بينها أبحاث جوليا كام وكلير زيديليوس، أظهرت أن هذا النوع من السرحان يساعد على توليد الأفكار الجديدة وتصفية الأفضل منها لاحقًا، كما يرفع الحالة النفسية. ويؤكد الباحثون أن السر يكمن في توقيت السرحان وطبيعته؛ فالقيام به أثناء أنشطة روتينية يمكن أن يكون مصدرًا للإلهام وتحسين المزاج، خلافًا للأعمال التي تتطلب تركيزًا عالياً. ورغم أن ثقافة العمل تميل لتمجيد التركيز الدائم، إلا أن السماح للعقل بالشرود الواعي يمكن أن يكون وسيلة فعالة للإبداع والإنتاجية.

أنا من المؤمنين بأهمية أحلام اليقظة بين الحين والآخر، خصوصًا عندما أكون في أحضان الطبيعة. فمجرد المشي وسط الجبال أو الأشجار يجعلني أتنفس بعمق، وأتخفف من هموم اليوم، وأترك لعقلي حرية الانطلاق. هذه اللحظات ليست مريحة فحسب، بل كثيرًا ما تفتح أمامي أبواب الإبداع، سواء في الكتابة أو الموسيقى.

ومع ذلك، كانت تراودني شكوك قديمة غذّتها دراسات تقول إن السرحان قد يجعلنا أقل إنتاجية أو أكثر عرضة للاكتئاب. لكن مع الوقت، اتضح أن هذه النظرة غير دقيقة، لأن كثيرًا من الأبحاث لم تفرّق بين نوعين مختلفين من شرود الذهن: الأول سلبي، كأن نعيد في أذهاننا خلافًا مزعجًا، والثاني إيجابي، حين نترك أفكارنا تتنقل بحرية بين صور وأحلام وأفكار مبهجة.

دراسات أحدث بدأت ترسم صورة أوضح: أحلام اليقظة ليست مضيعة للوقت… بل قد تجعلنا أكثر سعادة وإبداعًا — إذا عرفنا كيف نمارسها.

السرحان.. شرارة الإبداع

منذ قرون، ارتبط شرود الذهن بالإلهام. لكن الجديد هو أن نوع السرحان هو ما يصنع الفارق. ففي دراسة أجرتها الباحثة جوليا كام من جامعة كالغاري، راقب الباحثون نشاط الدماغ أثناء قيام متطوعين بمهام مملة، ثم قاطعوهم من حين لآخر لمعرفة طبيعة أفكارهم في تلك اللحظات.

بعضهم كان غارقًا في أفكار محددة، مثل القلق بشأن مشكلة في العمل، بينما ترك آخرون عقولهم تسرح من فكرة لأخرى — من عطلة في إيطاليا، إلى التفكير في ملابس السباحة، إلى استرجاع ذكريات رومانسية قديمة.

النتائج كانت واضحة: الأفكار «الحرة» ترافقت مع نشاط دماغي مميز — ارتفاع موجات ألفا في الفص الجبهي، وهي موجات ترتبط منذ زمن بمهام التفكير الإبداعي. تقول كام: «حين يسمح الإنسان لعقله بالتحرك بحرية، يصبح أكثر قدرة على التفكير خارج الصندوق وإنتاج أفكار جديدة».

هذه الحالة الذهنية لا تساعد فقط على توليد الأفكار، بل أيضًا على تصفيتها لاحقًا، أي لحظة “آه ها!” حين تبرز الفكرة الأفضل من بين الجميع.

وتدعم هذا ما توصلت إليه دراسة أجرتها الباحثة كلير زيديليوس من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا. فقد طلبت من المشاركين حلّ اختبار إبداعي بسيط، ولاحظت أن من تركوا عقولهم تسرح توصلوا إلى الحلول بسرعة وبطريقة تلقائية، وكأن الفكرة «قفزت» إلى أذهانهم دون جهد.

وفي دراسة لاحقة، تبيّن أن مضمون السرحان هو ما يحدد مدى الإبداع. فالانشغال بأفكار روتينية — مثل تذكّر قائمة التسوق — لم يغيّر شيئًا. لكن الانغماس في أفكار خيالية، مضحكة أو ذات معنى شخصي عميق، جعل المشاركين يشعرون بإلهام أكبر وإبداع أعلى في نهاية اليوم.

السرحان الإيجابي يرفع المزاج

من قبل، كانت النظرة السائدة تقول إن «العقل الشارد عقل غير سعيد». فحين يسرح الذهن، كثيرًا ما ينجرف نحو الماضي أو أخطاء مزعجة، وهو ما يؤثر سلبًا على المزاج.

لكن الحقيقة أن ما يحدد النتيجة ليس السرحان نفسه، بل ما يدور في هذا السرحان. فدراسة أجريت عام 2013 أظهرت أن الأشخاص الذين كانت أفكارهم ممتعة أثناء السرحان شعروا بتحسن في المزاج. ودراسات أخرى وجدت أن التفكير في أشخاص نحبهم أو في المستقبل يرفع الحالة النفسية.

بل إن بعض الأبحاث تقترح أن السرحان قد يخفف من الاكتئاب، لا أن يسببه. فالأشخاص المكتئبون يميلون إلى استرجاع أحداث ماضية لمحاولة فهمها، لكن المزاج السيئ غالبًا ما يسبق لحظة السرحان، وليس العكس.

وفي دراسة عام 2021، راقب الباحثون مزاج المشاركين وأفكارهم لعدة أيام. النتيجة: حين كانت أفكارهم «خارج المهمة» شعروا بسلبية أكبر، لكن عندما كانت أفكارهم حرة ومنطلقة، ارتفعت مستويات سعادتهم بشكل ملحوظ.

كيف نُحسن استخدام أحلام اليقظة؟

السر ليس في السرحان بحد ذاته، بل في متى وكيف نسرح.

تحذر جوليا كام من السرحان أثناء القيام بأعمال تتطلب تركيزًا كبيرًا مثل القيادة أو العمليات الجراحية. لكن أثناء الأنشطة الروتينية — كالمشي أو الحياكة أو الأعمال المنزلية — قد يكون السرحان مصدرًا للطاقة الإبداعية وتحسين المزاج.

كما يمكن للتأمل الذهني أن يساعد على ملاحظة أفكارنا وتوجيهها بعيدًا عن المسارات السلبية. تقول كام: «التحكم في توقيت السرحان ونوعية الأفكار يمكن أن يغير كثيرًا من النتائج».

وتشير الباحثة زيديليوس إلى أن مجرد الوعي بأين يذهب ذهننا يمكن أن يحدث فرقًا. كثير من المشاركين في دراساتها قالوا إنهم لم يكونوا يلاحظون أنماط أفكارهم من قبل، وإن هذه الملاحظة وحدها فتحت أعينهم على طرق تفكيرهم.

لا تستحِ من أحلام اليقظة

رغم فوائد السرحان الذهني، إلا أنه لا يحظى بتقدير كبير في ثقافات تمجّد التركيز والانضباط. لكن الحقيقة أن الإنسان ليس آلة يمكنها العمل بتركيز دائم. وأخذ استراحة قصيرة للشرود ليس كسلًا… بل وسيلة فعالة لتحفيز الإبداع ورفع المزاج وحتى تعزيز الإنتاجية.

تقول زيديليوس: «لو سمح الناس لأنفسهم بالسرحان أكثر، بطريقة خيالية وشخصية، فقد يجدون حلولًا مبتكرة لمشاكل كبيرة».

أحلام اليقظة ليست هروبًا من الواقع… بل أداة ذهنية يمكن أن تفتح لنا نوافذ جديدة، وتمنحنا لحظات إلهام لا تُنسى.

المصدر

مقالات ذات صلة