ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن لتقنية "التوسّع الخارق" أن تُحدث ثورة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال بناء جيل جديد من الشركات "اليونيكورن ذات الأثر الاجتماعي"، القادرة على إحداث تغيير عالمي واسع النطاق بسرعة غير مسبوقة. يسلط الضوء على أهمية السياسات المرنة، وتمويل الشراكات الجريئة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع الابتكار، داعياً إلى إطلاق ألف شركة من هذا النوع بحلول عام 2030 كخطة لإنقاذ العالم من بطء التقدم نحو التنمية المستدامة.
- العالم لا يواكب وتيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، إذ إن 35% فقط من هذه الأهداف تسير على المسار الصحيح أو تُظهر تقدماً معتدلاً.
- يُعدّ “التوسّع الخارق” (Blitzscaling) السرّ الكامن وراء أكبر قصص النجاح في وادي السيليكون، ويمكن تطبيق النهج نفسه لتحقيق أثر اجتماعي واسع.
- تطبيق مبدأ التوسّع الخارق على التنمية المستدامة قد يساعد في مواجهة تحديات مثل الجوع، والأمراض، وعدم المساواة في التعليم، والتعرض لتغير المناخ.
رغم وجود ابتكارات مذهلة لمواجهة التحديات العالمية، فإن العالم يفشل في توسيع نطاق تطبيقها بالسرعة المطلوبة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. فحسب الإحصاءات، 35% فقط من الأهداف تسير بخطى ثابتة أو متوسطة، بينما تراجع 18% منها. هذه المفارقة تُظهر أننا نملك الأدوات لحل أكبر مشكلاتنا، لكننا نعجز عن توسيع نطاق تأثيرها.
هذا الفشل يؤدي إلى ملايين الوفيات التي يمكن تجنبها، وخسارة تريليونات من الفرص الاقتصادية، واتساع الفجوة في عدم المساواة على مستوى العالم، حيث انزلق أكثر من 23 مليون شخص إلى الفقر المدقع منذ عام 2019. أما الحلول الواعدة، فهي محاصَرة بنظام تمويل مجزأ وهيكل تنموي عالمي صُمم للتقدم البطيء الحذر.
في عام 2023، وصلت المساعدات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 223.7 مليار دولار، إلا أن إجمالي المنح التنموية انخفض في العام السابق، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الدول النامية بنسبة 7%. يبدو أن الأموال تتجنب الجبهات التي تحتاجها أكثر من غيرها.
ومع تفاقم مخاطر التخلف التنموي، يتضح أننا بحاجة إلى نهج جديد قائم على التسارع الأسي في التغيير: نهج “التوسّع الخارق”.
ما هو التوسّع الخارق؟ وكيف يمكن أن يسرّع الأثر الإيجابي؟
التوسّع الخارق هو نهج يقدّم السرعة على الكفاءة، ويحتضن الغموض ويتقبل الفوضى من أجل الوصول إلى التوسع السريع تحت الضغط. إنه السر الذي يقف خلف أعظم نجاحات وادي السيليكون – من “إير بي إن بي” و”أوبن إيه آي” إلى “نتفليكس” و”أوبر”.
تخيل الآن تطبيق هذا المنهج من أجل الصالح العام، لا من أجل السيطرة على الأسواق. نفس الاندفاع الذي يحرّك الشركات التقنية يمكن توجيهه نحو القضاء على الجوع، ومكافحة الأمراض، وتقليص فجوات التعليم، والتصدي لتغير المناخ.
الهدف هنا ليس تقييم الشركة بمليار دولار، بل إحداث أثر إيجابي يصل إلى مليار إنسان أو أكثر – تحقيق أثر سكاني شامل يغيّر الأنظمة ويُنقذ الأرواح.
التوسّع الخارق من أجل الأثر الاجتماعي يعني استخدام المحرك الذي بنى وادي السيليكون وتوجيهه نحو الخطوط الأمامية لإنقاذ البشرية – حيث السرعة تنقذ الأرواح، والنطاق الواسع يغيّر الأنظمة، وكل إنجاز يُحدث فارقاً.
ما هي "اليونيكورن ذات الأثر الاجتماعي"؟
في قلب هذا النهج تقف اليونيكورن ذات الأثر الاجتماعي. وعلى عكس "اليونيكورن" التقليدية التي تُقاس بتقييم مالي يبلغ مليار دولار، تُقاس هذه الشركات بمدى تأثيرها الإيجابي على الناس والكوكب – أي أنها تحدث أثراً إيجابياً على حياة مليار شخص أو أكثر.
سواء كانت ربحية، غير ربحية أو هجينة، فهي مؤسسات تعمل من أجل الخير، ولكنها مصممة للتوسع السريع وتحقيق أثر مضاعف.
تسدّ هذه "اليونيكورن" فجوة متزايدة بين القدرات البشرية المحدودة والاحتياجات التنموية المتصاعدة. ومن خلال دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الخدمات الأساسية – من الفصول الدراسية والمستشفيات إلى المختبرات – يمكن توسيع نطاق الخبرات النادرة، وسدّ الثغرات النظامية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الحيوية على نطاق عالمي.
بعض الابتكارات العلمية الناشئة يمكن أن تصل إلى مليارات البشر إذا حظيت بالدعم البيئي المناسب: مثل شركة Aeovian Pharmaceuticals التي تطور علاجات أكثر أماناً تستهدف الشيخوخة البيولوجية، وشركة Eikon Therapeutics التي تستخدم التصوير والذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف الأدوية، وشركة Linus Bio التي ترسم خرائط بيئية وبيولوجية للكشف المبكر عن الأمراض.
كما تُظهر شركات مثل Zipline – التي توصل الإمدادات الطبية عبر الطائرات المسيّرة خلال دقائق – وSHAYP – التي أنقذت أكثر من 7 مليارات لتر من المياه عام 2024 بفضل أنظمة المراقبة الذكية – أن التوسع الهائل ممكن فعلاً، لكنه لا يمكن تحقيقه في عزلة.
قوة "التكتلات ذات الأثر"
وعلى عكس الشركات الربحية التي تعتمد على الاستثمارات الخاصة، فإن "اليونيكورن ذات الأثر الاجتماعي" تحتاج إلى الاندماج ضمن تكتلات أثرية: تحالفات بيئية تضم مشاريع وشركات، وحكومات، ومنظمات متعددة الأطراف، ومؤسسات تمويل تنموي، وجهات مانحة ومستثمرين، تعمل جميعها لخدمة هدف مشترك.
تتيح هذه التكتلات لكل مشروع تحقيق مؤشرات أدائه الخاصة (KPIs) المتفرعة من مؤشرات التكتل ككل، بينما يتكفل النظام العام بتنسيق السياسات والتمويل والوصول إلى الأسواق.
داخل هذا التكتل، يؤدي كل طرف دوراً محدداً:
المنظمات متعددة الأطراف تمنح الدعم العالمي،
مؤسسات التمويل التنموي تتحمل المخاطر المبكرة،
الحكومات تفتح قنوات التوزيع،
والقطاع الخاص يضمن الانضباط التشغيلي بدافع الربح.
يربط كل تكتل هدفاً عالمياً واحداً بأهداف إقليمية ومؤشرات أداء على مستوى المشاريع من خلال لوحة بيانات موحدة تتيح الشفافية الفورية في جميع مستويات الحوكمة والتنفيذ. وبهذا يمكن ضغط عشر سنوات من بناء الأسواق إلى بضع سنوات فقط، وتمكين كل مشروع داخل التكتل من الوصول إلى نطاق سكاني واسع.
والأهم من ذلك، أن هذه التكتلات يمكنها ربط الحلول العالمية المجربة بشركاء محليين موثوقين، متجنبةً ما يُعرف بـ"وهم التكرار" الذي يُفشل الكثير من محاولات التوسع، مما يضمن تحقيق أثر جماعي شامل بدلاً من نجاح كيان واحد فقط.
وقد أثبتت "النماذج الأولية للتكتلات" مثل منظومة Aadhaar-UPI في الهند، وتحالف Gavi/COVAX، قوة التنسيق الكامل بين السياسات ورؤوس الأموال والبيانات – حيث يصبح التوسع النظامي أمراً حتمياً تقريباً.
فقد نجح تحالف Gavi/COVAX، على سبيل المثال، في إيصال أكثر من ملياري جرعة لقاح خلال ظروف استثنائية من الضغط، وذلك بفضل تنسيق العمل على مستوى النظام بأكمله.
تمكين التوسع الأسي عبر مبدأ التوسّع الخارق
يتطلب تطبيق التوسّع الخارق في مجال الأثر الاجتماعي إعادة تشكيل للأدوار المؤسسية:
على الحكومات أن تتحول من دور "الرقابة" إلى "التمكين"، بإزالة العوائق البيروقراطية وتصميم سياسات تُسرّع من تطبيق الحلول المجربة، وتقبل المخاطرة الذكية لتحقيق نتائج أكبر.
على المنظمات متعددة الأطراف ومؤسسات التمويل التنموي أن تعمل كمهندسي أنظمة، بإزالة العوائق العابرة للحدود وإنشاء بنى تحتية مشتركة تسمح بتكرار النماذج الناجحة عالمياً.
أما المؤسسات الخيرية فعليها أن توفر رأس المال المرن المتحمل للمخاطر، لتمويل الانتقال من مرحلة التجربة إلى التوسع، عبر آليات تمويل قائمة على النتائج.
يظهر حالياً مسار تمويلي جديد داخل هذه التكتلات، حيث يمكن للصناديق المتخصصة – المدعومة بحوافز مثل نقاط الأثر الاجتماعي أو الإعفاءات الضريبية – أن تقدم للمستثمرين عوائد معدّلة حسب المخاطر، وفي الوقت نفسه توجّه رؤوس الأموال نحو مشاريع مصممة لخدمة الصالح العام. ومع نمو هذه الشركات، يتبعها الربح تلقائياً، مدعوماً بانضباط مالي مستمد من المستثمرين أنفسهم.
هذا النموذج يحتاج إلى حوكمة وآليات تشغيل جديدة تشبه نهج رأس المال المغامر: تمويل طموحات جريئة عبر مراحل استثمارية مرتبطة بتقدم ملموس قابل للقياس. بعض المحاولات ستفشل، لكن الفشل هنا ليس عيباً – بل جزء أساسي من العملية، لأنه يعزز المساءلة ويكافئ الأداء الجيد.
بهذا، يصبح التوسّع الخارق من أجل الأثر الإنساني طريقاً عملياً لبناء عالم يوازن بين السرعة والنطاق والمسؤولية، حيث يمكن للأفكار الجريئة أن تتطور لتصبح “يونيكورن” تغيّر حياة مليارات البشر وتعيد صياغة مستقبل التنمية المستدامة.
التوسّع الأسي عبر التوسّع الخارق: خارطة طريق لبناء ألف شركة “يونيكورن ذات أثر اجتماعي” بحلول 2030
الصورة: المؤلفون
تسريع النمو الأسي من خلال التوسّع الخارق
أحد المحفزات المثبتة للنجاح هو إنشاء مسار سياساتي سريع. فقد ساهمت بيئات "التجريب المنظم" (Regulatory Sandboxes) والشراكات بين القطاعين العام والخاص في تحويل واجهة المدفوعات الموحدة في الهند (UPI) من تجربة تجريبية عام 2016 إلى نظام يُجري أكثر من 15 مليار معاملة شهرياً بحلول نوفمبر 2024، مما أطلق موجة هائلة من الابتكار الحكومي والخاص.
وفي المقابل، سمح نظام “التجربة والتعلّم” في كينيا بإطلاق خدمة M-Pesa عام 2007 لتصل إلى 60 مليون حساب للأموال عبر الهاتف المحمول بحلول أغسطس 2020، موفرةً خدمات مالية لأكثر من 50 مليون شخص.
خمس أولويات استراتيجية من دليل التوسّع الخارق
لتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يجب على القادة العالميين اعتماد دليل جديد يقوم على خمس ركائز أساسية:
تمويل الشراكات ذات الأثر الأسي:
التركيز على تمويل الحلول ذات الإمكانات الأعلى، وتعزيز التعاون بين المبتكرين العالميين والمنفذين الموثوقين محلياً، مع تكييف الحلول وفقاً للسياق المحلي.استخدام التكنولوجيا كقوة مضاعِفة:
توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة لتعزيز الشفافية والكفاءة وسرعة الوصول.التنسيق عبر التكتلات الأثرية:
توجيه الجهود المشتركة ضمن منظومات موحدة من الأهداف والنتائج (OKRs) لخلق تناغم بين جميع الجهات نحو هدف عالمي مشترك.ربط التمويل بالنتائج:
تحويل رأس المال من منح قائمة على الأنشطة إلى استثمارات قائمة على الأداء تُكافئ الإنجاز الحقيقي لمراحل التوسع.جعل السرعة مؤشراً استراتيجياً:
اعتبار سرعة التنفيذ معياراً أساسياً لقياس النجاح.
تسريع الأثر عبر إطلاق 1000 يونيكورن ذات أثر اجتماعي
لم يتبقَّ سوى أقل من 2000 يوم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، بينما قد يصل العجز السنوي في التمويل إلى 6.4 تريليونات دولار بحلول ذلك العام.
التحركات البطيئة لن تسد الفجوة. رأس المال موجود، لكن الاتجاه مفقود.
فقد تجاوزت استثمارات الأثر الاجتماعي العالمية 1.57 تريليون دولار، ونمت الأصول المدارة بنسبة 21% خلال السنوات الست الماضية، ومع ذلك تبقى هذه الأرقام ضئيلة مقارنة بحجم التمويل التقليدي.
لذا، يجب وضع طموح عالمي جديد:
إطلاق وتوسيع نطاق 1000 شركة يونيكورن ذات أثر اجتماعي بحلول عام 2030.
وحتى إن نجح جزء منها فقط في الوصول إلى عشرات الملايين من الناس أو خلق مليارات من القيمة المجتمعية، فإن الأثر التراكمي سيكون نقطة تحوّل حقيقية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
يجب أن نعيد تعريف “الأثر على نطاق واسع” كجزء من البنية التحتية الحيوية العالمية، بقدر أهمية المياه النظيفة، والطاقة الموثوقة، والاتصال الرقمي.
الخيار واضح: إما أن نواصل الاعتماد على الأساليب القديمة البطيئة التي فشلت في الماضي، أو أن نتبنى نموذجاً جديداً قائماً على التعاون الأسي السريع.
الموهبة موجودة – ما ينقص هو البنية الداعمة
العالم لا يعاني من نقص في العقول المبدعة.
شبكات مثل مؤسسة شواب (Schwab Foundation) وأشوكا (Ashoka) وHevolution وUpLink، حددت بالفعل آلاف المبتكرين ذوي الإمكانات العالية، لكن القليل منهم يتجاوز مرحلة التجريب الأولي.
ما نفتقر إليه هو تكتلات أثرية منسقة يمكنها تسريع نمو هذه المشاريع لتصل إلى نطاق سكاني واسع وتُحدث تغييراً نظامياً حقيقياً.
خطة التوسّع الخارق من أجل الأثر الاجتماعي موجودة بالفعل.
ما نحتاجه هو قادة يملكون الجرأة لتطبيقها، والسرعة لتنفيذها قبل فوات الأوان.
خلفية المقال
بدأت الأفكار الأولى لهذا المقال بالتبلور خلال رحلة التعلم في وادي السيليكون التي نظّمها منتدى القادة العالميين الشباب (YGL) في أكتوبر 2024، وتم تطويرها لاحقاً عبر مناقشات موسّعة مع أعضاء مجلس الابتكار والأثر العالمي.
ويعرب المؤلفون عن امتنانهم لمجتمع YGL، ومنتدى الاقتصاد العالمي، والزملاء وأعضاء المجلس على مساهماتهم القيّمة، ومشاركتهم الفاعلة، وتشجيعهم الذي ساهم في بلورة هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع.
الآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر الكتّاب فقط، ولا تمثل بالضرورة مؤسساتهم.
