ملخص: يتناول المقال فكرة أن الشغف بالعمل ليس دائمًا مفتاح النجاح والسعادة، بل قد يكون سلاحًا ذا حدين. فهناك شغف منسجم يولّد طاقة إيجابية ويجعل العمل مصدر إلهام دون أن يبتلع الحياة الشخصية، وهناك شغف قهري يسيطر على صاحبه ويقوده ببطء نحو الاحتراق الوظيفي. وتظهر الدراسات أن سمات الشخصية وطبيعة المهنة تؤثر في نوع الشغف الذي يتطوّر؛ فالمهن التنافسية المرتبطة بالمكانة تزيد احتمالية الشغف القهري، بينما المهن الإنسانية أو العلمية تقللها. ولتحديد نوع شغفك، عليك أن تسأل نفسك ما إذا كان العمل يمنحك الطاقة أم يستنزفك، ومن يملك زمام العلاقة: أنت أم وظيفتك. فالهدف ليس مجرد وجود شغف، بل أن يكون من النوع الصحي الذي يدفعك للنمو بدلًا من استنزافك.
كثيرون يحلمون بوظيفة تجعلهم يقفزون من السرير كل صباح بحماس، مستعدين ليوم مليء بالإنجازات. فالشغف بالعمل غالبًا ما يُقدَّم لنا على أنه “الوصفة السحرية” للنجاح والسعادة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: ليس كل أنواع الشغف صحية أو مفيدة.
يشير علماء النفس إلى أن هناك نوعين مختلفين من الشغف المهني — أحدهما يدفعك للتطور، والآخر قد يستنزفك بصمت.
الشغف المنسجم: طاقة إيجابية متوازنة
هذا النوع من الشغف ينشأ عندما تحب عملك، لكنك في الوقت نفسه تتحكم بعلاقتك به. تختار مهنتك لأنك مهتم بها فعلًا، تستمتع بها، وتشعر بالرضا من خلالها — دون أن تبتلع حياتك بأكملها.
أصحاب هذا النوع من الشغف ينجحون في العمل ويحافظون على جوانب حياتهم الأخرى: العائلة، الأصدقاء، الصحة، الراحة. العمل بالنسبة لهم مصدر إلهام وليس عبئًا.
الشغف القهري: الوجه المظلم للحماس
أما النوع الثاني، فهو الشغف الذي يسيطر على صاحبه أكثر مما يسيطر هو عليه. يصبح العمل مركز الحياة، وتدور بقية الأمور حوله: الترقية، الراتب، السمعة، المكانة.
أصحاب هذا الشغف لا يعرفون “زر الإيقاف” — يفكرون في العمل طوال الوقت، ويجدون صعوبة في الانفصال عنه. قد يحققون نجاحًا سريعًا، لكن غالبًا ما ينتهي بهم الأمر إلى الاحتراق الوظيفي: إرهاق بدني وعاطفي، شعور بالعجز، وفقدان الشغف نفسه.
هل المشكلة فيك أم في نوع عملك؟
الجواب غالبًا: كلاهما.
في دراسة شملت أكثر من 800 شخص، فُحصت سمات شخصياتهم — مثل الانفتاح، والضمير الحي، والانبساط، والتوافق، والعصابية (القلق والتقلب المزاجي) — إلى جانب طبيعة وظائفهم.
النتائج كانت واضحة:
الأشخاص الأكثر عرضة للقلق أو تقلب المزاج كانوا أكثر ميلًا لتطوير شغف قهري عندما يعملون في مهن تعتمد على التنافس والمكانة مثل المحاماة، التمويل، جمع التبرعات، أو إدارة الأعمال.
أما في مهن مثل الطب، التمريض، الهندسة، أو العمل الاجتماعي، فكانوا أقل عرضة لهذا النمط من الشغف.
كيف تعرف نوع شغفك؟
اسأل نفسك بصدق:
هل أستمتع بعملي أم أعيش في دوامة لا أستطيع التوقف عنها؟
هل عملي يمنحني الطاقة… أم يستهلكها؟
هل أملك علاقتي مع العمل… أم هي التي تملكني؟
إذا وجدت نفسك في الدائرة الثانية، فربما حان الوقت لإعادة تقييم مسارك المهني أو نوع البيئة التي تعمل فيها.
ليس من السهل تغيير شخصيتك، لكن تغيير نوع العمل أو بيئة العمل ممكن — وقد يكون كافيًا لإعادة التوازن إلى حياتك، واستعادة شغف صحي لا يلتهمك بل يدفعك للأمام.
الخلاصة: الشغف ليس هدفًا بحد ذاته. المهم هو نوع الشغف: هل هو منسجم يمنحك الحياة، أم قهري يسحبك إلى الإنهاك؟ اختر ما يجعلك تنمو… لا ما يستهلكك.
