القائمة الرئيسية

حين يروّج الذكاء الاصطناعي لرواية الاستعمار من جديد

حين يروّج الذكاء الاصطناعي لرواية الاستعمار من جديد
ملخص المقال

أظهرت دراسات عديدة أن النماذج التوليدية، لأنها تتعلم من كم هائل من الصور المتاحة على الإنترنت، تعيد إنتاج أنماط مكررة من التحيز

[post-views]

ملخص: يتناول المقال كيف أعاد الذكاء الاصطناعي التوليدي، عبر أدوات مثل Midjourney وDALL·E وSora، إنتاج التحيزات الاستعمارية بصور رقمية جديدة، من خلال اعتماده على أرشيفات بصرية قديمة منحازة. فعند طلب توليد صور من ماضي نيوزيلندا، أعادت النماذج تمثيل الرواية الأوروبية الكلاسيكية: أرض خالية، مستعمر “حضاري”، وماوري في الخلفية كشخصيات هامشية، مما يعزز خطاب “الاستيطان السلمي” ويضعف شرعية مطالب الشعوب الأصلية بالسيادة. ويؤكد المقال أن معالجة الانحياز لا يمكن أن تكون تقنية فقط، بل تتطلب سياسات واضحة لسيادة الصورة والبيانات، مع تعزيز الوعي بكيفية عمل هذه النماذج. فالذكاء الاصطناعي لا ينقل الماضي فقط، بل يصوغ رؤيتنا له — ما يجعل الوعي النقدي أداة أساسية لكسر الرواية الاستعمارية السائدة.

في السنوات الأخيرة، قلب الذكاء الاصطناعي التوليدي عالم الصورة رأسًا على عقب. فبضغطة زر واحدة، يمكن لأدوات مثل Midjourney وDALL·E وSora أن تحوّل جملة نصية قصيرة إلى صورة واقعية أو لوحة فنية خلابة. تنتشر هذه الصور بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما يصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع.

لكن سهولة إنتاج هذه الصور لا تأتي من دون ثمن؛ فهي تفتح الباب واسعًا أمام إعادة إنتاج التحيزات الاجتماعية والثقافية المتجذرة — بما في ذلك الصور النمطية الاستعمارية.

عدسة المستعمر تعود من جديد

أظهرت دراسات عديدة أن النماذج التوليدية، لأنها تتعلم من كم هائل من الصور المتاحة على الإنترنت، تعيد إنتاج أنماط مكررة من التحيز — كتصوير الطيارين رجالًا أو ربط الجريمة بأشخاص من أعراق معينة.

لكن بحثًا جديدًا كشف جانبًا آخر من هذه التحيزات: الانحياز الاستعماري.

فعندما طُلب من Sora أن يصوّر ماضي نيوزيلندا (أوتياروا)، أعاد إنتاج الرواية الكلاسيكية للمستعمر الأوروبي: أراضٍ خالية تنتظر “الاكتشاف”، جيمس كوك في صورة المستكشف الهادئ “الحضاري”، والماوري في الخلفية كشخصيات هامشية ثابتة في الزمن.

هذه الصور ليست مجرد تفاصيل فنية، بل هي سرد بصري يعيد إحياء أسطورة “الاستيطان السلمي” ويضعف شرعية المطالب السياسية للماوري بالسيادة والعدالة التاريخية.

اختبار بسيط… ونتائج متكررة

في التجربة البحثية، طُلب من Sora توليد صور من تاريخ أوتياروا ما بين 1700 و1860 باستخدام عبارات عامة جدًا — الهدف لم يكن توجيه الصور، بل الكشف عن الافتراضات المضمّنة في النظام.

النتائج كانت مدهشة في تكرارها:

  • صورة “نيوزيلندا في القرن الثامن عشر”: وادٍ أخضر مضاء بنور ذهبي، يظهر فيه الماوري كعناصر زخرفية وسط “أرض بكر” خالية من أي مظاهر حياة. هذا التصوير يعيد إنتاج أسلوب الرسم الرومانسي الاستعماري في القرن التاسع عشر (كما في لوحات جون غولي) الذي صوّر الأرض على أنها terra nullius — أرض بلا مالك.

  • صورة “ماوري في ستينيات القرن التاسع عشر”: رجل يرتدي عباءة تقليدية، واقف أمام خلفية محايدة بلون بني باهت، يشبه تمامًا صور “البدائي النبيل” التي التقطها المصورون الأوروبيون آنذاك. في الواقع، كانت هذه الفترة من أشد مراحل مقاومة الماوري العسكرية والسياسية ضد مصادرة أراضيهم.

  • الصورة التي ولّدتها Sora من العبارة: «New Zealand in the 1700s» تُجسّد بشكل واضح طريقة تفكير النماذج التوليدية عند تخيّل الماضي.

  • الصورة التي ولّدتها Sora من العبارة: «a Māori in the 1860s» تكشف جانبًا آخر من التحيز الاستعماري في تمثيل الماضي.

أرشيف قديم… بحلة رقمية جديدة

على الرغم من أن الرواية الاستعمارية التقليدية تم تحديها خلال العقود الأخيرة — بإزالة تماثيل، وتعديل معارض، وتغيير تمثيل الماوري في الإعلام — إلا أن الصور القديمة ما زالت حاضرة في أرشيفات رقمية ومجموعات متاحف على الإنترنت.

ورغم أننا لا نعرف بدقة ما هي مصادر بيانات التدريب لهذه النماذج، إلا أن من شبه المؤكد أن هذه الأرشيفات جزء منها. وبهذا، يعيد الذكاء الاصطناعي تدوير الخطاب البصري الاستعماري، لا كماضٍ مؤرشف فحسب، بل كصور جديدة تلبس ثوب الحاضر.

الخطورة لا تكمن فقط في الشكل، بل في الأثر السياسي: صور كهذه تجعل الاستعمار يبدو سلميًا ومتفقًا عليه، مما يضعف المطالب الحالية للماوري بالسيادة والإنصاف، مثل تلك المطروحة أمام Waitangi Tribunal.

التحيز ليس مشكلة تقنية فقط

هناك اليوم جهود عالمية متزايدة لتفكيك النزعة الاستعمارية في الذكاء الاصطناعي، من خلال إدماج مبادئ سيادة البيانات للشعوب الأصلية وضمان موافقتها. لكن الصور التوليدية تمثل تحديًا خاصًا، لأنها لا تنقل بيانات فحسب، بل تصوغ كيف نرى التاريخ والهوية.

توسيع مصادر البيانات لتشمل أرشيفات مختارة من الماوري قد يقلل الانحياز، لكن ذلك يتطلب مبادئ واضحة لسيادة الصورة والبيانات. كما أن تعديل الخوارزميات لتكون “محايدة” لا يحل المسألة، لأن تعريف التمثيل العادل ليس تقنيًا بل سياسي بالدرجة الأولى.

أما الاعتماد على الفلاتر وحدها، فقد يمنع بعض الصور المنحازة لكنه قد يخفي أيضًا الصور المؤلمة التي توثق عنف الاستعمار الحقيقي.

الوعي… أقوى من أي خوارزمية

ربما يكمن الحل الأنجع في تعزيز “الوعي بالذكاء الاصطناعي”. أي أن نفهم كيف تعمل هذه النماذج، ومن أين تستمد صورها، وكيف يمكننا توجيهها بذكاء ونقد.

حين نستخدم هذه الأدوات بوعي، يمكننا أن نكسر دائرة إعادة إنتاج الرواية الاستعمارية الجاهزة، ونحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإعادة تخيّل التاريخ من منظور الماوري وسائر الشعوب الأصلية، لا من منظور المستعمر فقط.

فالأمر لا يتعلق بالصورة فحسب… بل بالرؤية التي تشكّل وعينا بالتاريخ.

المصدر

مقالات ذات صلة