ملخص: هذا المقال يناقش التحول الجوهري الذي يجب أن تشهده صناعة التأمين من نموذج يعتمد على تعويض الخسائر بعد وقوع الكوارث إلى نهج استباقي يقوم على الوقاية وبناء المرونة. يسلط الضوء على أمثلة من مدن مثل كيب تاون التي استخدمت شراكات بين القطاعين العام والخاص لتقوية بنيتها التحتية وجذب التمويل، موضحًا كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة، مثل التوائم الرقمية وتحليلات الذكاء الاصطناعي، أن تساعد شركات التأمين على تقليل المخاطر وتحويلها إلى فرص تنموية. ويؤكد المقال أن بناء مدن مرنة ومستدامة يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومات وشركات التأمين والمجتمع لتحقيق نظام تأميني يحمي المجتمعات قبل أن تتعرض للخطر.
- بسبب اتساع فجوة الحماية الناتجة عن الكوارث الطبيعية، ترتفع أقساط التأمين في حين تتقلص التغطية، مما يجبر العديد من الأشخاص على مغادرة المدن، فتتضرر هذه المدن اقتصاديًا.
- تعمل المدن اليوم على تعزيز شراكات بين القطاعين العام والخاص للاستثمار في مشاريع تعزز القدرة الحضرية على الصمود. وفي الوقت نفسه، تعمل شركات التأمين على تطوير قدراتها لقياس القيمة الحقيقية للوقاية من الكوارث.
- تتبنى شبكة المدن المرنة نهجًا من ستة محاور لتمكين استجابة قائمة على المحافظ لمواجهة الكوارث في المراكز الحضرية، وذلك بهدف جذب التمويل وتعزيز الاستثمار في الوقاية.
ومع تزايد تأثير تغيّر المناخ وما يسببه من ضغوط متزايدة على تكاليف الخسائر، لم يعد نموذج التأمين التقليدي قادرًا على تلبية احتياجات المستهلكين والمجتمع.
مثل ملايين الأشخاص الآخرين في تكساس، تضرر منزل عائلتي عندما اجتاحت عاصفة الشتاء "يوري" الولاية في فبراير 2021. أدى تجمد الأنابيب إلى انفجارها وحدوث فيضانات واسعة النطاق، وعشت شخصيًا ما يواجهه عملاؤنا – ليس فقط الخسارة المادية المباشرة، بل أيضًا الشعور بالهشاشة والانقطاع الذي يليها.
"عندما تقرر الشركات أن الانتقال أفضل من تحمّل ارتفاع تكاليف التأمين، تواجه المدن خطر الانهيار."
رغم أن التأمين موجود لدفع التعويضات، إلا أن أحدًا لا يحب أن يضطر لتقديم مطالبة. فهي عملية مرهقة ومزعجة، وحتى لو تم التعويض بسرعة، يظل السؤال مطروحًا: ألم يكن من الممكن تجنب كل هذا من البداية؟
تاريخيًا، تطور قطاع التأمين على أساس نموذج تفاعلي: جمع الأقساط، دفع المطالبات، وتعديل الأسعار. لكن مع تصاعد حدة تقلبات الطقس الناجمة عن تغير المناخ، علينا أن نسأل أنفسنا: هل ما زال هذا النموذج مستدامًا؟ وإن لم يكن كذلك، فكيف يمكننا تحسين استجابتنا للكوارث عبر اعتماد تدابير وقائية فعالة؟
اتساع الفجوة
للسنة الخامسة على التوالي، تجاوزت الخسائر العالمية المؤمن عليها من الكوارث الطبيعية حاجز 100 مليار دولار في عام 2024. ومع ذلك، يغطي التأمين نحو 30% فقط من إجمالي الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الكوارث الطبيعية.
أما النسبة المتبقية، 70%، والمعروفة باسم "فجوة الحماية"، فتقع مسؤوليتها على عاتق الحكومات والشركات والأفراد الذين لا يملكون القدرة الكافية على تحمل تلك التكاليف.
خلال العقد الماضي، جاءت 60% من خسائر الكوارث من "المخاطر الثانوية" مثل العواصف الشديدة والحرائق والفيضانات، وهي ظواهر يصعب على النماذج التقليدية التنبؤ بها. وتشير البيانات الحديثة إلى ظاهرة مقلقة: كلما ارتفعت الأقساط، تقلصت التغطية.
بين عامي 2013 و2022، تبين أن كل زيادة بنسبة 1% في الأقساط تؤدي إلى انخفاض بنسبة 0.107% في مستوى التغطية التأمينية. الأسر ذات الدخل المنخفض هي الأكثر تضررًا، إذ تضطر إلى تقليص مستويات التأمين لديها.
وعندما تصل الشركات إلى قناعة بأن الانتقال من المدينة أفضل من دفع أقساط متزايدة، تبدأ المدن بالانهيار: تنخفض قيم الضمانات لدى البنوك، وتتآكل القاعدة الضريبية. وإذا لم تكن مستويات التأمين كافية لتغطية تكاليف التعافي، يصبح وجود التأمين كعدمه.
لكن هناك بديلًا. ففي مقاطعة براورد بولاية فلوريدا، دفعت الفيضانات المتكررة وارتفاع تكاليف التأمين بنسبة 400% المسؤولين وقادة الأعمال إلى وضع استراتيجية للمرونة.
هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص أجرت تقييمات للمخاطر ووضعت حلولًا تشمل تحسين أنظمة الصرف، وإنشاء مناطق تخزين، وبناء جدران واقية من الأمواج.
ثم قام مستشارون مستقلون بحساب العائد على الاستثمار، وأظهرت النتائج في عدة سيناريوهات أن الاستثمار في الوقاية مجدٍ اقتصاديًا، حيث تجاوز العائد في أحد السيناريوهات 9%.
هذا النهج القائم على البيانات شجع مجموعات الأعمال المحلية على مناقشة فرض ضرائب جديدة لتمويل المشاريع، مما يوضح كيف يمكن للتخطيط والتحليل الدقيقين أن يولدا دعمًا واسعًا بين مختلف الأطراف.
إدارة المحافظ في الممارسة العملية
تجسد مدينة كيب تاون هذا المفهوم على نطاق واسع. فمنذ عام 2016، عملت مع شبكة المدن المرنة لبناء استراتيجية شاملة للمرونة، تضمنت إدارة متكاملة للمحافظ والمخاطر والهندسة وعلوم البيانات.
استثمرت المدينة بشكل كبير في أنظمة الإدارة، ونجحت في تطوير قدرات تسمح بمتابعة أكثر من 2000 مشروع في آن واحد. مكّنها هذا البنية التنظيمية من تحقيق نسبة تحصيل إيرادات بلغت 97%، وهي من بين الأعلى عالميًا. وقد عزز هذا الأداء ثقة المقرضين بقدرة المدينة على سداد ديونها بموثوقية عالية.
أحد السكان يعبر طريقًا غمرته المياه بعد موجة طقس قاسية ناجمة عن جبهة باردة في منطقة ماسيفوميليلي، كيب تاون، جنوب إفريقيا – 11 يوليو 2024
المصدر: رويترز / نِك بوثما
توضح هذه الأمثلة ما تسميه شبكة المدن المرنة "منهج محفظة المرونة الحضرية"، وهو نهج يعامل مرونة المدن كمجموعة مترابطة من الاستثمارات التي تعزز قدرة المدينة على إدارة المخاطر وجذب رؤوس الأموال.
بعد تطوير أكثر من 90 استراتيجية للمرونة حول العالم، تطورت الشبكة من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، مركزة على التمويل والتنفيذ العملي.
التأمين كحل للمرونة
بالنسبة لشركات التأمين، يتطلب هذا التحول تطوير قدرات جديدة. ومن خلال التعاون مع شبكة المدن المرنة، نساعد المدن على بناء أطر عمل قادرة على توسيع نطاق تمويل المرونة.
عبر الجمع بين المعرفة بأنماط الخسائر والخبرة الهندسية، يمكن لشركات التأمين توسيع خدماتها في اتجاه جديد كليًا.
فعندما تتعرض الشركات لأضرار نتيجة الفيضانات، لا يقتصر دور شركات التأمين على دفع تكاليف الترميم، بل تستثمر في تمويل تدابير الوقاية أيضًا. الجميع يربح عندما نمنع الخسائر قبل وقوعها.
التقنيات الحديثة تعزز هذه القدرة بشكل كبير؛ إذ تتيح صور الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار المتصلة بإنترنت الأشياء (IoT)، وتحليلات الذكاء الاصطناعي، مراقبة المخاطر والاستجابة لها في الوقت الفعلي.
كما أن إنشاء نماذج التوأم الرقمي للمدن يسمح للخبراء بصقل استراتيجيات التكيّف بدقة أكبر. والأهم من ذلك أن هذه التقنيات تجعل من الممكن قياس القيمة الاقتصادية للاستثمار في المرونة، مما يجعل القضية أكثر إقناعًا من الناحية المالية.
"من خلال الشراكات الصحيحة بين المدن وشركات التأمين ومجتمع المرونة الأوسع، يمكننا سد فجوة الحماية، وتحريك رؤوس الأموال، وبناء مراكز حضرية مرنة حقًا للمستقبل."
ست ممارسات للتحول
حددت شبكة المدن المرنة ست ممارسات أساسية تمكّن من تطبيق نهج قائم على المحافظ في تعزيز المرونة:
التخطيط الشامل لفهم التحديات عبر الأنظمة المترابطة.
تنسيق أصحاب المصلحة لإشراك المتأثرين منذ المراحل الأولى.
استراتيجية تخصيص رأس المال بتصميم طويل الأمد.
استراتيجية بيانات قوية لاحتساب العوائد والمخاطر بدقة.
إدارة مشاريع فعالة تتابع المبادرات وتضمن استمراريتها.
الشفافية من خلال التقارير المنتظمة والمساءلة.
المدن التي تطبق هذه الممارسات تنجح في جذب التمويل باستمرار.
لن يكون من السهل مواجهة المخاطر المتزايدة التي تشكلها الأحداث المناخية الشديدة على المجتمعات والشركات. فالمدن تقف في قلب هذا التحدي، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى البنية التحتية والسياسات التي تتيح حلولًا طويلة المدى.
على شركات التأمين أن تتقدم الصفوف عبر تطوير حلول تعزز التعافي وتمنع الخسائر قبل وقوعها. ومن خلال الاستفادة من خبرتها التقنية، وقوتها المالية، وشبكاتها العالمية، يمكن لشركات التأمين أن تصبح شركاء حقيقيين في نسج المرونة داخل نسيج المجتمع.
ولا يقتصر ذلك على حماية المدن بعد وقوع الكوارث، بل يمتد إلى تعزيز قدرتها التنافسية على المدى الطويل وتمكينها من النمو والازدهار.
الانسحاب أو التقاعس لم يعد خيارًا ممكنًا. ومع ذلك، فإن شركة التأمين التي تعجز عن دفع المطالبات لا تفيد أحدًا. إن الربحية المستدامة تتطلب إدارة مستدامة للمخاطر، فالأموال تتجه دومًا إلى حيث تُدار بحكمة.
ومع الشراكات المناسبة بين المدن وشركات التأمين ومجتمع المرونة العالمي، يمكننا سد فجوة الحماية، وتحريك رأس المال، وبناء مدن حضرية مرنة بحق للمستقبل.
العالم بحاجة إلى صناعة تأمين فاعلة، ليس فقط لتعويض خسائر الكوارث، بل لمنعها قبل أن تقع.
