القائمة الرئيسية

الاستثمار في صمود المدن: طريق نحو نمو مستدام وتنافسية طويلة الأمد

الاستثمار في صمود المدن: طريق نحو نمو مستدام وتنافسية طويلة الأمد
ملخص المقال

القطاع الخاص بدوره يستجيب بسرعة: إذ يمكن أن تجذب التقنيات والخدمات المتعلقة بالصمود المناخي أكثر من تريليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة بحلول عام 2030، تشمل مجالات البنية التحتية والزراعة وإدارة المياه.

[post-views]

ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للاستثمار في صمود المدن أن يصبح محركاً رئيسياً للنمو المستدام والتنافسية الاقتصادية طويلة الأمد، من خلال تحويل مخاطر المناخ إلى فرص استثمارية مربحة. يسلط الضوء على تجارب مدن مثل نيويورك، لوس أنجلوس وكيب تاون التي تبنت استراتيجيات تمويل ذكية وشراكات متعددة القطاعات لدمج الصمود في التخطيط الحضري، مبيناً أن كل دولار يُستثمر في الصمود يمكن أن يحقق عائداً يفوق عشرة أضعاف. كما يؤكد المقال أن بناء اقتصاد قائم على الصمود يتطلب تعاوناً عالمياً بين الحكومات، المستثمرين، وشركات التأمين لخلق بنية تحتية مرنة واقتصادات قادرة على التكيف مع الصدمات المناخية المستقبلية.

  • تظهر اليوم ملامح اقتصاد جديد قائم على الصمود، حيث يُعدّ الأثر القابل للقياس، والنمو الشامل، والتعاون الاستراتيجي مفاتيح أساسية لإطلاق ما يُعرف بـ"عائد الصمود".
  • مدن مثل نيويورك، ولوس أنجلوس، وكيب تاون تعمل على تحويل خطط الصمود إلى محركات استثمارية تربط بين العمل المناخي والنمو الاقتصادي الشامل.
  • فالشراكات العابرة للقطاعات تُحوّل مخاطر المناخ إلى فرص، من خلال تطوير نماذج مالية قائمة على البيانات تعزز البنية التحتية والمجتمعات في آن واحد.

ومع تصاعد الصدمات المناخية التي تسبب خسائر سنوية تتجاوز 300 مليار دولار على مستوى العالم، بدأت المدن والشركات تدرك أن الصمود يشكل فرصة سوقية كبرى. ففي الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، سيحتاج بناء بنية تحتية منخفضة الكربون وقادرة على التكيّف إلى نحو 821 مليار دولار سنوياً حتى عام 2050 لحماية تريليونات من القيمة المستقبلية.

القطاع الخاص بدوره يستجيب بسرعة: إذ يمكن أن تجذب التقنيات والخدمات المتعلقة بالصمود المناخي أكثر من تريليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة بحلول عام 2030، تشمل مجالات البنية التحتية والزراعة وإدارة المياه.
وفي الولايات المتحدة، لا يغطي التأمين سوى ثلث الخسائر الناتجة عن الكوارث، مما يترك المجتمعات والحكومات عرضة للخطر. فواحد من كل خمسة منازل – بقيمة إجمالية تقدَّر بـ8 تريليونات دولار – يواجه مخاطر إعصار شديدة من دون حماية كافية، ما يزيد من تقلبات الأسواق المالية والاقتصادية.

كل دولار يُستثمر في الصمود يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى عشرة أضعاف من خلال تجنّب الخسائر وخلق فرص العمل وتعزيز الاقتصادات المحلية. ولهذا بدأ المستثمرون الرائدون يعتبرون التكيّف المناخي فئة استثمارية جديدة تحمي القيمة وتولّد العوائد.
ومن خلال توحيد مصالح المدن والمستثمرين وشركات التأمين والمطورين، يتشكل سوق عالمي جديد قائم على الصمود.

وقالت لينا لياكو، المديرة التنفيذية لشبكة المدن الصامدة:

"الأمر لا يقتصر على تقوية البنية التحتية، بل يتعلق ببناء محافظ استثمارية في مجال الصمود تجذب رأس المال الخاص وتجعل الصمود قابلاً للقياس والاستثمار".

وأضاف جيف ميريت، رئيس قسم التحول الحضري في المنتدى الاقتصادي العالمي:

"حجم المخاطر المناخية يفوق قدرة أي مدينة أو شركة على مواجهته بمفردها، لذا نحتاج إلى تعاون عميق بين القطاعات والدول لتعبئة الاستثمارات والابتكار والشراكات اللازمة لبناء أنظمة صامدة تعزز المجتمعات والتنافسية معاً".

ضرورة كبح منحنى المخاطر

إن تصاعد التهديدات المناخية والخسائر المالية يدفع نحو ضرورة الحد من التعرض المادي والمالي للصدمات المناخية.
فمن سان فرانسيسكو إلى جنوب فلوريدا، تعيد التغيرات المناخية تشكيل الاقتصادات المحلية وتضع البنى التحتية تحت الضغط وتكشف هشاشة الأنظمة العالمية للمخاطر.
إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، سيصبح الخطر المناخي غير قابل للتأمين، وغير قابل للتحمّل، وغير مستدام.

في قطاع التأمين، يتطلب بناء نماذج مستدامة لإدارة المخاطر amid تصاعد الكوارث المناخية تعاوناً واسعاً بين التخطيط البلدي والتمويل العام والابتكار المالي ونمذجة المخاطر، للانتقال من الاستجابة إلى التكيّف المسبق.
كما تلعب قرارات التخطيط العمراني ومعايير البناء واستخدام الأراضي دوراً محورياً في قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي من الأزمات.

لحسن الحظ، هناك شراكات جديدة تحقق تقدماً فعلياً.
فـمعهد التأمين للأعمال وسلامة المنازل (IBHS) يعمل مع صانعي السياسات والقطاع الصناعي لتطوير معايير بناء قائمة على العلوم تقلل الخسائر الناتجة عن الرياح والبرد والحرائق.
كما يعمل قطاع التأمين على تطوير منتجات تكافئ التصميمات الذكية مناخياً وتشجع الوقاية.

وفي تقرير حديث صادر عن شبكة المدن الصامدة بالشراكة مع شركة طوكيو مارين تحت عنوان "تحت الضغط، متأخرون: نهج المحفظة وتمويل المدن من أجل الصمود"، تم التأكيد على ضرورة تبنّي "نهج المحفظة" لربط تخطيط الصمود بتعبئة رأس المال، كي تتمكن المدن من تمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية المهملة مسبقاً.
وحذّر التقرير من أن غياب هذا التحول في التمويل قد يعرض العديد من المدن لخطر التدهور الاقتصادي وانسحاب الاستثمارات.

وقال براد إيريك، الرئيس التنفيذي المشارك في طوكيو مارين القابضة:

"يجب أن يتجاوز دور التأمين مجرد التعويضات المالية. من خلال الشراكة مع المدن منذ البداية، يمكننا تسعير المخاطر وتقليلها وتحفيز رأس المال وحماية التنافسية الاقتصادية طويلة الأمد".

من إدارة الأزمات إلى تعبئة رأس المال

تنتقل المدن اليوم من الاستجابة للأزمات إلى التخطيط الاستباقي القائم على الاستثمار في الصمود.
تُظهر التجارب العالمية أن الصمود لا يعتمد فقط على الوقاية، بل على تعبئة رأس المال باعتباره محركاً للنمو الاقتصادي المستدام.

في مدينة نيويورك، شكّل إعصار "ساندي" نقطة تحول في تمويل الصمود. فقد أنشأت إدارة حماية البيئة فريق عمل للتمويل المستدام بمشاركة القطاعين العام والخاص، لتحديد أولويات المشاريع الرأسمالية الصامدة وتأمين التمويل لصيانتها.
وقد أدت توصيات هذا الفريق إلى دراسة نماذج "القيمة المعرضة للمخاطر" واعتماد آليات تمويل تربط حوافز التأمين بتقليل المخاطر على مستوى المدينة.

كما تشارك المدينة في برنامج الزمالة العالمية للمخاطر والصمود، وهو تعاون بين شبكة المدن الصامدة وشركة هاودن للتأمين ومبادرة الأسواق المستدامة، لربط خبراء التأمين بقادة المدن بهدف تطوير حلول مالية مبنية على الصمود.
وقد شمل البرنامج بالفعل 12 مدينة عالمية مثل نورفولك، وأوكلاند، وغلاسكو، ولاهاي، ولاجوس، وكيب تاون.

وفي مقاطعة لوس أنجلوس، تربط الشراكات بين الحكومات المحلية وشركات التكنولوجيا بين إدارة حرائق الغابات وأمن المياه والتكيّف المناخي العادل.
أما كيب تاون، فقد دمجت الصمود في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والقرارات المالية، باستخدام البيانات الخاصة بالبنية التحتية والخدمات والعائدات لابتكار أدوات تمويل مثل السندات الخضراء وشراكات البنوك التنموية.
وفي مقاطعة بروارد بفلوريدا، أدت مخاطر الأعاصير وارتفاع مستوى البحر إلى اعتماد استراتيجية صمود قائمة على البيانات تجمع بين التقييمات الفنية للمخاطر وتحليل التكلفة والفائدة وربطها بالتمويل البلدي وأسواق التأمين لجعل مشاريع التكيّف المناخي قابلة للاستثمار.

وقالت الدكتورة جينيفر جورادو، مسؤولة الصمود بالمقاطعة:

"كان واضحاً أن دعم مجتمع الأعمال لخطة الصمود مرهون بقدرة المقاطعة على إثبات الجدوى الاقتصادية وخفض مخاطر الفيضانات من خلال خطة قابلة للتمويل".

تطور علاقة القطاع الخاص بالمخاطر المناخية

في مختلف الصناعات، يعيد القطاع الخاص تعريف علاقته بالمخاطر المناخية، منتقلاً من إدارة الخسائر إلى خفضها وخلق قيمة طويلة الأمد.
فشركات التأمين باتت شركاء حقيقيين في الصمود، تقدم منتجات تحفز التصميمات المقاومة للمناخ وتشجع الإجراءات الوقائية.
ومن أمثلة ذلك شراكة "ريزليانس وايلدفاير" التابعة لشركة State Farm في كاليفورنيا، التي تساعد أصحاب المنازل على إعادة البناء بمعايير مقاومة للحرائق.
كما أن استحواذ طوكيو مارين على شركة Integrated Design & Engineering مكّنها من دمج الهندسة بنمذجة المخاطر، ما يساعد المدن والشركات على تصميم بنية تحتية قادرة على الصمود وتقليل الخسائر قبل وقوع الكوارث.

كذلك بدأ المستثمرون ينظرون إلى الصمود باعتباره فئة أصول قابلة للقياس، حيث يتم استخدام أدوات مالية مبتكرة مثل التمويل الممزوج والسندات المرنة وصناديق الأثر لتعبئة رأس المال نحو مشاريع تحمي البنية التحتية وسلاسل الإمداد والاقتصادات المحلية.
أما البنوك التنموية المحلية مثل بنك السندات في فيرمونت، فتوفر أدوات تمويل تتيح للبلديات الصغيرة الوصول إلى رأس المال اللازم للتكيّف عبر أدوات مجمعة، بما في ذلك التأمين البارامتري الذي يجذب المستثمرين ويخفض تكاليف الاقتراض.
ويقوم المطورون والقادة في البنية التحتية بإدماج حلول مقاومة للفيضانات، وبنية خضراء، واستخدامات أرضية مرنة في مشاريعهم، ما يزيد من جدواها الاقتصادية ويحسن نتائجها المجتمعية.

أما برنامج الصمود المناخي الحضري الذي تقوده مؤسسة زيورخ، فيجسد هذا النوع من التعاون، إذ يعمل في تسع دول لمساعدة المدن على مواجهة مخاطر الحرارة الشديدة والفيضانات، مع ربط العمل المحلي بالأهداف العالمية للصمود.

دعوة إلى العمل الجماعي: جاهزية المدن للصمود

تكمن جاهزية الصمود في تحقيق عوائد ملموسة من خلال إشراك شركات التأمين والمطورين والمستثمرين، ودمج البيانات الدقيقة في قرارات الاستثمار، واستهداف سلاسل إمداد وبنى تحتية قادرة على التكيف مع الصدمات المستقبلية.

الرهان كبير. فبينما تتصاعد المخاطر المناخية، تتزايد أيضاً الفرص لخلق حلول حضرية قابلة للاستثمار تحقق أثراً إيجابياً طويل الأمد.

إن تحقيق عائد الصمود يتطلب عملاً جماعياً حقيقياً:
تعاوناً بين القطاعات، وابتكاراً في التمويل والحوكمة، والتزاماً مشتركاً لتحويل الخطط إلى تدفقات رأسمالية تعزز المجتمعات وتقوّي الاقتصادات المحلية.

المصدر

مقالات ذات صلة