القائمة الرئيسية

كيف تؤثر اللغة الثانية على أحكامك الأخلاقية

كيف تؤثر اللغة الثانية على أحكامك الأخلاقية
ملخص المقال

لو سألت أي شخص يتقن أكثر من لغة: «في أي لغة تعبّر عن مشاعرك بصدق أكبر؟»، فغالبًا ما سيقول إنها لغته الأم

[post-views]

ملخص: يتناول المقال تأثير اللغة التي نفكر ونتحدث بها على قراراتنا الأخلاقية ومشاعرنا، موضحًا أن التعبير العاطفي يكون أصدق وأعمق عادةً بلغتنا الأم لأنها مرتبطة بتجاربنا الأولى المشحونة بالمشاعر، بينما تكون اللغة الثانية أكثر ارتباطًا بالتفكير العقلاني والتحليل المنطقي. تكشف الدراسات أن الناطقين بلغتين يتخذون قرارات أكثر عاطفية في لغتهم الأم (مرتبطة بالقيم والواجبات) وأكثر براغماتية في اللغة الثانية (تركز على تحقيق أكبر منفعة). ويؤثر مدى قرب اللغة الثانية من حياة الشخص اليومية على قوة هذا التأثير. كما تلعب صياغة الكلمات دورًا في توجيه الاستجابات، فالكلمات المشحونة عاطفيًا تغيّر القرارات الأخلاقية. هذه الظاهرة، المعروفة باسم تأثير اللغة الأجنبية على الحكم الأخلاقي، تبرز أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل عامل نفسي عميق يوجّه طريقة تفكيرنا وحكمنا على الصواب والخطأ، ما يجعل فهمها مهمًا في مجالات العدالة والتعليم والسياسات العامة.

لو سألت أي شخص يتقن أكثر من لغة: «في أي لغة تعبّر عن مشاعرك بصدق أكبر؟»، فغالبًا ما سيقول إنها لغته الأم — اللغة التي نشأ عليها وتعلّم من خلالها التواصل مع أسرته والعالم من حوله. هذا لا يعني أنه غير قادر على التعبير عن مشاعره بلغة أخرى، لكن هناك ارتباطًا وثيقًا بين اللغة الأولى والتجربة العاطفية الأعمق.

ويرتبط ذلك ارتباطًا مباشرًا بطريقة تعلمنا للغة. فاللغة الأم (L1) نتلقاها في بيئات مشحونة بالعاطفة: البيت، العائلة، الطفولة. أما اللغة الثانية (L2) فنتعلمها عادة في بيئات رسمية ومحايدة مثل المدارس والمعاهد، مما يجعلها أقل ارتباطًا بالجانب الوجداني.

لكن الأمر لا يتوقف عند حدود المشاعر. تشير دراسات نفسية ولسانية إلى أن اللغة التي نفكر بها يمكن أن تؤثر مباشرة في الطريقة التي نحكم بها أخلاقيًا. فالناطقون بلغتين غالبًا ما يتخذون قرارات أخلاقية مختلفة بحسب اللغة التي يستخدمونها في التفكير أو النقاش:

  • في لغتهم الأم، يميلون إلى اتخاذ قرارات قائمة على المبادئ والقيم الأخلاقية الصارمة.

  • أما في لغتهم الثانية، فيصبح تفكيرهم أكثر عقلانية وبراغماتية، ويركزون على تحقيق أكبر منفعة ممكنة لأكبر عدد من الناس.

هذه الظاهرة معروفة في الأبحاث باسم «تأثير اللغة الأجنبية على الحكم الأخلاقي».

كيف تغيّر اللغة طريقة اتخاذ القرار

في إحدى الدراسات، طُلب من مجموعة من متحدثي الإسبانية ممن تعلموا الإنجليزية في سن مبكرة حل «مشكلة الجسر» الشهيرة: هل تدفع رجلاً بريئًا من على جسر لتوقف قطارًا سيقتل خمسة أشخاص؟ نصف المشاركين أجابوا بالإسبانية، والنصف الآخر بالإنجليزية.

النتيجة كانت واضحة:

  • من استخدموا لغتهم الأم كانت قراراتهم أكثر عاطفية، وتضمنت مبررات مثل: «لا أستطيع قتل إنسان» أو «سأصبح قاتلًا». كما أظهروا إحساسًا أقوى بالذنب وبالخوف من خرق القانون.

  • أما من أجابوا باللغة الثانية فقد ركزوا على المنطق: «لا يمكن أن أسمح بموت هذا العدد الكبير»، أو «سأكون مسؤولًا إذا لم أتدخل». كما كانت لغتهم أقل انفعالًا وأكثر تحليلية.

  • تصوّر مرئي لمعضلة الجسر. سيرجي ميركولوف / شاترستوك

عندما تصبح اللغة الثانية لغة الحياة اليومية

في تجربة أخرى، قارن الباحثون بين متحدثين بالإسبانية والإنجليزية، ومتحدثين باليونانية القبرصية والإنجليزية. المدهش أن تأثير اللغة لم يظهر في المجموعة القبرصية. السبب؟ الإنجليزية تُستخدم هناك كلغة يومية في التعليم والسياحة والإدارة، أي أنها ليست لغة «أجنبية» بالمعنى الكامل.

هذا يوضح أن مدى قرب اللغة الثانية من حياة الشخص اليومية يلعب دورًا كبيرًا في قوة تأثيرها على قراراته الأخلاقية.

المعضلة تحدد شكل القرار

في دراسة لاحقة، طرح الباحثون على مشاركين معضلتين واقعيتين:

  1. هل يعترفون لشريك حياتهم بخيانة وقعت أثناء رحلة عمل؟

  2. هل يبلغون الشرطة عن صديق مقرّب ارتكب جريمة؟

ظهر تأثير اللغة الأجنبية فقط في الحالة الثانية، لأنها تنطوي على خرق للقانون. أما الحالة الأولى فكانت القرارات متشابهة في كلتا اللغتين.

أما على مستوى المشاعر، فكانت هناك فروقات لافتة:

  • عند استخدام اللغة الأم طغى شعور الخوف، تلاه الحزن وخيبة الأمل.

  • أما عند استخدام اللغة الثانية فبرز شعور الاكتئاب أولًا، ثم الذنب، ثم الألم.

الذنب: الشعور الأقوى

الذنب كان المشاعر الأكثر تكرارًا في مختلف التجارب. هذا الشعور القوي يدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات قائمة على الواجب والقواعد. في إحدى الدراسات، طلب الباحثون من متحدثين بلغتين استحضار مواقف واقعية تثير الشعور بالذنب — مرة باللغة الثانية ومرة باللغة الأم بعد شهر.

النتائج كانت واضحة:

  • كان الشعور بالذنب أقوى عند استخدام اللغة الأم، كما استخدم المشاركون كلمات أكثر غنى وتعبيرًا.

  • بينما شعروا بمسافة عاطفية أكبر عند استخدام اللغة الثانية، ما جعلهم أكثر استعدادًا للحديث عن مواضيع حساسة مثل الخيانة أو الموت أو الميول الشخصية.

الكلمات تصنع فرقًا

حتى طريقة طرح السؤال يمكن أن تغيّر القرار الأخلاقي.

  • «هل ستقتل الرجل؟»

  • «هل ستدفع الرجل من على الجسر؟»

السؤالان يحملان المعنى نفسه، لكن كلمة «تقتل» أثارت استجابات عاطفية أقوى من كلمة «تدفع» — خصوصًا عند استخدام اللغة الأم. هذا يوضح كيف يمكن للكلمات المشحونة عاطفيًا أن توجه قراراتنا، ليس فقط في القضايا الأخلاقية، بل أيضًا في الإعلانات والسياسة والإعلام.

الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو

تُظهر الدراسات أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل عامل مؤثر في كيفية تفكيرنا واتخاذنا للقرارات الأخلاقية. لكن تأثيرها لا يعمل بمعزل عن عوامل أخرى مثل:

  • مدى التعرض اليومي للغة الثانية،

  • طبيعة المعضلة نفسها،

  • طريقة صياغة السؤال،

  • والخصائص الفردية مثل الذكاء العاطفي والشخصية.

وهذا له أثر عميق في عالم اليوم متعدد اللغات. فملايين الأشخاص يتخذون قرارات مصيرية بلغات ليست لغتهم الأم — من المهاجرين الذين يتعاملون مع مؤسسات رسمية بلغة ثانية، إلى موظفي الشركات العالمية الذين يعملون بلغة مشتركة، وصولًا إلى المتهمين والشهود في ساحات القضاء.

فهم هذا التأثير ليس ترفًا أكاديميًا، بل مسألة عدالة وإنصاف. فاللغة التي نفكر بها قد تغيّر طريقة حكمنا على ما هو صواب وما هو خطأ — من دون أن نشعر.

المصدر

مقالات ذات صلة