ملخص: يتناول هذا المقال التحديات التي تواجه الاستثمار التأثيري في قياس نتائجه الحقيقية، رغم تجاوز أصوله 1.1 تريليون دولار. ويوضح أن ضعف البيانات يعدّ "السرّ المكشوف" في هذا القطاع، لكنه يكشف أيضاً كيف يمكن للقياس الدقيق أن يعزز التواصل والشرعية ويزيد من فاعلية الاستثمارات. كما يقدّم أربع خطوات رئيسية لتحسين القياس: الجمع بين البيانات النوعية والكمية، توظيف خبراء متخصصين، اعتماد الشفافية في الإخفاقات، وتعزيز التعلم بين الصناعات، مؤكداً أن هذه الممارسات يمكن أن تحول قياس الأثر إلى أداة استراتيجية لقيادة التغيير المستدام.
- يركّز الاستثمار التأثيري على إحداث تأثيرات إيجابية ملموسة بدلاً من مجرد تجنّب الأضرار الاجتماعية أو البيئية.
- إلا أنّ قياس هذا التأثير يظل مهمة صعبة، ما يجعل قادة الأعمال غير متأكدين من كيفية تطبيقه أو من مدى فعاليته الحقيقية.
- تُظهر أبحاث أكاديمية حديثة فوائد قياس الأثر، وتوضح كيف يجب على المديرين تتبّع جهود الاستثمار التأثيري.
وقد تجاوزت قيمة أصول الاستثمار التأثيري اليوم 1.1 تريليون دولار تحت الإدارة.
وبخلاف الاستثمار في البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) أو الأعمال الخيرية أو المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR)، يهدف الاستثمار التأثيري إلى إحداث أثر إيجابي مباشر، لا مجرد تجنّب الضرر.
ويضم هذا المجال المتنوع مكاتب عائلية، وأفراداً من أصحاب الثروات الكبيرة، وشركات متخصصة مثل responsAbility Investments في زيورخ، إلى جانب عمالقة الصناعة مثل Goldman Sachs وAllianz.
لكن طرق قياس الأثر ما زالت غير مثالية. فقياس الأثر يتطلب بيانات توضّح ما إذا كان الاستثمار قد أدّى إلى خفض في انبعاثات الكربون، أو زيادة في التنوع البيولوجي، أو تعزيز في الروابط الاجتماعية، وهو أمر أكثر تعقيداً بكثير من تتبّع الأداء المالي.
واللافت أنّ أكثر من 90% من المشاركين في هذا القطاع يقرّون بصعوبة جمع بيانات دقيقة وذات مغزى عن الأثر، وفقاً لمسح أجرته شبكة الاستثمار التأثيري العالمية (GIIN). ولهذا السبب، يسمّي العاملون في المجال هذه المشكلة "السرّ المكشوف الأكبر" في الصناعة.
كما يُحذَّر المديرون أحياناً من الانخراط العميق في قياس الأثر لأنه يتطلّب جهداً كبيراً، ولأن فاعليته تتوقف على مدى توافقه مع استراتيجية المؤسسة. وليس كل أداة قياس قادرة على تقديم رؤى مفيدة؛ فبعضها يُستخدم فقط لإثبات ما يعرفه صانعو القرار مسبقاً.
الفوائد غير المتوقعة لقياس الأثر
تكشف أبحاث حديثة أجرتها المجموعة الأوروبية للدراسات التنظيمية (EGOS)، استناداً إلى 135 مقابلة مع مستثمرين تأثيريين في الولايات المتحدة، عن ثلاث فوائد غير متوقعة لقياس الأثر:
تحسين التواصل والمواءمة:
يمنح القياس لغة مشتركة بين المستثمرين ومديري الأصول والتنفيذيين، مما يساعدهم على تحديد الأولويات وتوضيح التوقعات، حتى عندما تكون البيانات غير دقيقة تماماً.تصنيف الاستثمارات:
بدلاً من تقييم الفاعلية بشكل مطلق، يُستخدم القياس لتصنيف الاستثمارات على أنها "مدفوعة بالأثر"، ما يساعد على تحديد المسارات الأكثر وعداً لتحقيق نتائج مؤثرة.تعزيز شرعية القطاع:
بما أنّ "الأثر" هو جوهر هوية هذا المجال، فإنّ القياس – رغم عيوبه – يظل ضرورياً لإثبات الادعاءات والحفاظ على المصداقية.
تقدّم هذه الدروس إشارات مهمة للمديرين في جميع مجالات الأعمال المسؤولة والمستدامة.
فالسعي لتحقيق أثر اجتماعي وبيئي إيجابي أصبح محور الرسائل المؤسسية والحوكمة.
وتُفصح شركات تمثل رأسمالاً سوقياً يبلغ 85 تريليون دولار عن بعض بياناتها البيئية والاجتماعية.
لذلك، على قادة الأعمال تجاوز تردّدهم، فكما تُظهر هذه الفوائد، القياس بات عنصراً أساسياً لا غنى عنه.
تحسين قياس الأثر
بينما يواصل المديرون جهودهم في قياس الأثر أو يبدؤونها حديثاً، ينبغي عليهم تعزيز استراتيجياتهم لتجاوز صعوبات التقييم وجعلها أكثر فاعلية عبر مختلف القطاعات.
ومع توسّع نطاق الأعمال المسؤولة وتزايد إلحاح التحديات الاجتماعية والبيئية، توصي الأبحاث بأربع خطوات رئيسية تساعد المديرين على تتبّع التقدم الذي تحققه منظماتهم في خلق الأثر، وتوجيه الاستثمارات نحو الحلول الأكثر فعالية:
أربع خطوات رئيسية لتحسين قياس الأثر وتعزيز فعاليته
الصورة: كوفمان، كريليف، براون
ستمكّن هذه الخطوات المديرين من مواجهة تحديات قياس الأثر، والأهم من ذلك، من زيادة قدرة شركاتهم على إحداث تأثير أكبر من خلال استثماراتهم.
تتبّع الأثر
يمكن للمديرين تنفيذ إجراءات فورية لتتبّع الأثر بشكل مباشر، إلى جانب إجراءات طويلة المدى تتطلب تغييرات أعمق في ممارسات الإدارة:
دمج الرؤى النوعية مع البيانات الكمية
غالباً ما يُختزل القياس في مؤشرات رقمية، لكن حماية التنوع البيولوجي والتأثير الاجتماعي وتغيير السلوك لا يمكن التعبير عنها بالكامل بالأرقام فقط. إذ توفّر السياقات السردية وآراء أصحاب المصلحة عمقاً ضرورياً للفهم الحقيقي.توظيف خبراء يتجاوزون مجالي التمويل والامتثال
تعاني العديد من الشركات من صعوبة في قياس الأثر لأن هذه المهمة توكل عادة إلى فرق مالية أو محاسبية تفتقر إلى الخبرة المتخصصة. يمكن لتوظيف خبراء في مجالات مثل علم الأحياء، علم النفس، وتحليل السياسات أن يحسّن دقة وملاءمة التقييمات بشكل كبير.تطبيع الشفافية حول الإخفاقات
تميل الشركات غالباً إلى التركيز على عرض النجاحات، لكن هذا يحول دون التحسين الحقيقي. إن الإفصاح عن الإخفاقات والنتائج غير المتوقعة يساعد على تطوير الاستراتيجيات، ويضمن أن تتعلّم الاستثمارات المستقبلية من التجارب السابقة بدلاً من تكرارها.تعزيز التعلم عبر القطاعات
خلال جائحة كوفيد-19، حين أُجري هذا البحث، بدا أن المديرين أكثر استعداداً للحديث بصراحة. لكنهم كشفوا أن التحديات التي واجهتها شركاتهم في قياس الأثر كانت تُناقش داخلياً فقط ونادراً ما تُشارك خارج المؤسسة. إن زيادة الشفافية وتبادل الخبرات، خاصة حول الإخفاقات، يمكن أن ترفع مستوى معايير القياس على نطاق صناعي واسع.
النهوض بقياس الأثر
إن قياس الأثر يمنح هذا القطاع معنى، ويوحّد التوقعات، ويدفعه نحو التطور التدريجي السليم.
لكن على المديرين الذين يديرون الصناديق ويتعاونون مع أصحاب الأصول ألا يكتفوا بالوضع الراهن. فتبنّي البيانات النوعية، وتوظيف محللين ذوي تخصصات أكاديمية دقيقة، والانفتاح على مناقشة الإخفاقات، وإنشاء منصات تبادل معرفي بين الصناعات، كلها خطوات ستسهم في تطوير مجال الاستثمار التأثيري.
وستضمن هذه الإجراءات أن يحافظ قياس الأثر على فوائده غير المتوقعة مثل مواءمة التطلعات والحفاظ على مصداقية القطاع، إضافة إلى تعزيز قدرته على توجيه أداء الاستثمارات نحو نتائج أكثر عمقاً وتأثيراً.
