القائمة الرئيسية

أربع خرافات حول الاقتصاد الليلي ورؤية المدن المزدهرة على مدار 24 ساعة

أربع خرافات حول الاقتصاد الليلي ورؤية المدن المزدهرة على مدار 24 ساعة
ملخص المقال

حول العالم، عيّنت أكثر من 80 مدينة "عمداء لليل" أو أنشأت مكاتب مختصة بالاقتصاد الليلي، في وقت يتوقع أن تتضاعف قيمة سوق السياحة الليلية العالمية ثلاث مرات تقريباً بحلول عام 2035.

[post-views]

ملخص: يناقش هذا المقال كيف يمكن للمدن أن تزدهر على مدار 24 ساعة من خلال تجاوز الخرافات التقليدية حول الاقتصاد الليلي، موضحاً أن الحياة بعد الغروب لا تقتصر على الترفيه فقط، بل تشمل العمل والخدمات والثقافة والمجتمع. ويبرز المقال أهمية تمكين العاملين ليلاً، وتصميم مساحات عامة آمنة وشاملة، وتعزيز التعاون بين القطاعات لإعادة تصور المدينة كبيئة نابضة بالحياة تعمل ليلاً ونهاراً، حيث يصبح الليل محركاً للابتكار والنمو الشامل.

  • إنّ الاعتراف بالطيف الكامل للاقتصاد الليلي – من الحياة الليلية والرعاية الصحية إلى الخدمات اللوجستية والثقافة والمجتمع – يمكّن المدن من تصميم سياسات تعزز رفاه السكان وتضمن شمولية الوصول للجميع.
  • يُعدّ العاملون ليلاً جزءاً أساسياً من حياة المدن ويستحقون أجوراً عادلة وأماناً وتقديراً يوازي دورهم الحيوي.
  • كما يمكن للمدن أن تخلق ليالي أكثر أماناً وشمولاً من خلال التصميم الذكي، وتفعيل المساحات العامة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

عندما تغرب الشمس، "تطفئ" معظم المدن أنوارها. يقلّ عدد وسائل النقل العام، تُغلق الحدائق، وتتوقف كثير من الخدمات، رغم أنّ ملايين الناس يواصلون العمل والتنقل والتجمع بعد حلول الظلام.
حول العالم، عيّنت أكثر من 80 مدينة "عمداء لليل" أو أنشأت مكاتب مختصة بالاقتصاد الليلي، في وقت يتوقع أن تتضاعف قيمة سوق السياحة الليلية العالمية ثلاث مرات تقريباً بحلول عام 2035.

لقد أصبح الاقتصاد الذي يعمل على مدار 24 ساعة ركيزة أساسية لتعزيز مرونة المدن وشمولها ونموها. وبالنسبة لصنّاع السياسات والأعمال والمجتمعات، لم يعد السؤال "هل نشارك؟" بل "كيف نشارك؟". ومع ذلك، ما تزال بعض الخرافات الشائعة تعيق التقدم في هذا المجال، إذ تبسط المشهد الليلي بشكل مفرط وتتعامل معه كأمر ثانوي في التخطيط الحضري، متجاهلةً الخدمات الحيوية والعاملين والمجتمعات التي تبقي المدن حيّة بعد الغروب.
إنّ الحياة الليلية عنصر مهم في تشكيل المدن النابضة بالحيوية، لكن الفرصة الحقيقية تكمن في دمجها ضمن رؤية شاملة لمدينة تعمل طوال اليوم، تجمع بين الابتكار، والشمول، ورفاه المجتمع.

ولكي نطلق العنان لإمكانات المدن العاملة 24 ساعة، علينا البدء بتفكيك أربع خرافات شائعة:


1. الحياة الليلية هي مجرد «سهر وترفيه»

يُنظر إلى الليل غالباً كمشهد من الأضواء والنوادي والحفلات، لكن الدراسات الحديثة في مجال “دراسات الليل” تكشف أن الاقتصاد الليلي أوسع بكثير. فهو يشمل الخدمات العامة، واللوجستيات، والرعاية الصحية، والثقافة، وحتى التجمعات غير الرسمية.

فعلى سبيل المثال، تعتبر استراتيجية الاقتصاد الليلي في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية الليل “مورداً عاماً مشتركاً” يدعم كل شيء من المكتبات المفتوحة طوال الليل إلى المراكز الثقافية.
ولا شك أن الترفيه يظل محفزاً رئيسياً، لكنه ليس العنصر الوحيد. توسيع رؤيتنا لـ “الحياة الليلية” يمكّن المدن من تخطيط خدمات أكثر عدلاً، وفتح أسواق جديدة، وبناء مجتمعات تنبض بالحياة طوال اليوم.


2. الليل وقت للترفيه لا للعمل

حين نفكر في الليل، غالباً ما نتخيله وقتاً للراحة أو المتعة، لكن بالنسبة للملايين حول العالم، الليل هو وقت العمل.
سائقو التوصيل، وعمال النظافة، وموظفو المستشفيات، وسائقو وسائل النقل العامة—all هؤلاء يضمنون استمرار المدن في العمل.

في نيويورك، يدعم مكتب الحياة الليلية قطاعاً يدر أكثر من 35 مليار دولار سنوياً ويؤمن نحو 300 ألف وظيفة، إلى جانب برامج للدعم النفسي والحد من المخاطر للعاملين في هذا المجال.

وفي المملكة المتحدة، يعمل شخص من كل تسعة ليلاً. وبناء اقتصاد يعمل على مدار اليوم يتطلب وضع العاملين في المركز: من خلال أجور منصفة، ونقل متاح، ومساحات عامة آمنة وشاملة.
الاعتراف بهؤلاء كـ مواطنين حضريين أساسيين لا كمقدّمي خدمات فحسب، هو ما يضمن نموّاً أكثر عدالة واستدامة.


3. الحفاظ على أمان المدن ليلاً يعني زيادة وجود الشرطة

يُعتقد غالباً أن الأمان بعد الظلام مرادف لزيادة عدد رجال الأمن، لكن العديد من المدن أثبتت وجود طرق أخرى أكثر فعالية وإنسانية.

في أمستردام، يُعدّ مضيفو ساحة ريمبرانت مثالاً ناجحاً على وسطاء ميدانيين يساعدون الناس على التنقل في المناطق المزدحمة ليلاً، ويقللون الضوضاء، ويحلّون النزاعات سلمياً.

وقد أدّى تنفيذ هذا البرنامج التجريبي إلى انخفاض الشكاوى بنسبة 40% وتراجع الحوادث المرتبطة بالكحول بنسبة 20%.
هذه النماذج القائمة على المجتمع تخفف الضغط على الشرطة وتخلق بيئات حضرية أكثر ترحيباً وتفاعلاً.

فالأمان الحقيقي لا يقوم فقط على الإنفاذ، بل على التصميم والثقة والمسؤولية المشتركة.
الإضاءة الجيدة، والنقل المتاح، والمساحات العامة النشطة، والوسطاء المدربون يمكن أن تجعل ليالي المدن أكثر أماناً وشمولاً.


4. المساحات العامة تنام ليلاً

يظن البعض أن النشاط الليلي يقتصر على الأماكن المغلقة كالمطاعم والنوادي، لكن الواقع أن الشوارع والحدائق والساحات هي القلب النابض للاقتصاد الليلي.

في أوساكا، تشجع المناطق المضيئة للمشاة وملاعب الأطفال على أنشطة مسائية آمنة.
واستلهاماً من فعالية “الليلة البيضاء” في باريس (Nuit Blanche)، أدرجت مئات المدن حول العالم مهرجانات ليلية مفتوحة في برامجها الثقافية، تجمع آلاف الزوار من مختلف الأعمار حول العروض الفنية والتجارب التفاعلية في الفضاء العام.

إن الاستثمار في مساحات عامة آمنة وشاملة بعد الغروب لا يعزز الأمان فحسب، بل يرسخ الروابط الاجتماعية ويقوي مرونة المدن.
وفي أماكن مثل دبي وجنوب إسبانيا، أصبحت الشواطئ والمناطق المفتوحة ملاذات مناخية تتيح للناس الاستمتاع بالهواء الطلق بعيداً عن حرارة النهار.

بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون تكييفاً في منازلهم، فإن المساحات العامة المضاءة والآمنة ليلاً ليست رفاهية، بل بنية اجتماعية أساسية تضمن الصحة والراحة والانتماء.


بهذه الرؤية الجديدة، يمكن للمدن أن تتحول من أماكن تغفو مع غروب الشمس إلى مجتمعات نابضة بالحياة تعمل وتبدع على مدار 24 ساعة، حيث تتكامل الحياة والعمل والرفاه في تناغم مستدام.

“نايت بارك”، مبادرة للمساحات العامة الليلية أُطلقت عام 2025 في منطقة "غراند غرين أوساكا".
الصورة بعدسة: يوشيهـيتو كامادا / نيوسكول (Yoshihito Kamada / NEWSKOOL)


إعادة تخيّل المدينة بعد الغروب

يمثل تجاوز هذه الخرافات نقطة البداية لإعادة تصور كيفية عمل المدن لخدمة الجميع، على مدار 24 ساعة يومياً. ومع ذلك، تفتقر العديد من المدن والشركات إلى البيانات، والدراسات الميدانية، والأدوات العملية اللازمة لتصميم سياسات فعالة للحياة الليلية.

يهدف مبادرة "الاقتصاد على مدار 24 ساعة" التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى إعادة تصور الحياة بعد الغروب – ليس كفترة هامشية في اليوم، بل كجبهة جديدة للنمو الشامل، والابتكار، ورفاه المجتمعات.

وقد أُصدر مؤخراً تقرير تمهيدي يمثل بداية جهد عالمي لتوحيد مجتمع متعدد الأطراف ملتزم بإنشاء منصة مشتركة للاستراتيجيات والحلول، تتضمن مقارنة التقدم في مجالات مثل الحوكمة، والتنقل، والسلامة، والبنية التحتية، والثقافة، إلى جانب تحفيز مشاريع تجريبية في مدن حول العالم.

ويدعو المنتدى قادة القطاعين العام والخاص، والمؤسسات الثقافية، والمبتكرين إلى الانضمام في صياغة هذا الفصل الجديد: من خلال بناء منصة تعاونية مشتركة، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتطوير استراتيجيات مدروسة تُفعّل مدناً نابضة، مرنة، ومتصلة تعمل طوال اليوم.

فالمدن لا تتوقف عند غروب الشمس، ولا ينبغي لخيالنا أن يتوقف أيضاً.
إن النظر إلى الليل من خلال عدسة الابتكار هو المفتاح لإطلاق الإمكانات الحقيقية للاقتصاد الذي يعمل على مدار 24 ساعة.

المصدر

مقالات ذات صلة