ملخص: يتناول المقال تزايد حالات الحساسية الغذائية في بريطانيا واتساع نطاق الأطعمة المسببة لها إلى مكونات لم تكن تُعتبر خطيرة من قبل، ما يستدعي تحديث القوانين التي تلزم المنتجين بالإفصاح عن المواد المسببة للحساسية. فرغم أن "قانون ناتاشا" لعام 2021 عزز الشفافية بإلزامه بذكر 14 مادة معروفة كمسببات للحساسية، إلا أن أبحاثًا حديثة كشفت عن أطعمة أخرى – مثل حليب الماعز والأغنام، الحنطة السوداء، البقوليات، الصنوبر، الكيوي، والتفاح – مسؤولة عن نسبة من حالات الصدمة التحسسية. ويرى الخبراء أن الأنظمة النباتية الحديثة زادت من انتشار بعض هذه المكونات الخفية في الأسواق، ما يجعل مراجعة القوائم ضرورية لحماية المستهلكين. ويؤكد المقال أن الحساسية الغذائية ليست مجرد اضطراب هضمي بل استجابة مناعية قد تكون مهددة للحياة، ما يجعل التوعية، وسرعة التدخل، وتحديث التشريعات عوامل أساسية لضمان سلامة الناس وجودة حياتهم.
لم تعد حساسية الطعام مقتصرة على الأطعمة المعروفة مثل الفول السوداني والمحار، فعدد متزايد من الناس أصبح يُصاب بتفاعلات تحسسية تجاه مكونات لم تكن تُعد خطيرة من قبل، ولا يشملها القانون البريطاني ضمن قائمة المواد التي يجب التنبيه إليها على الملصقات الغذائية.
ومع ازدياد حالات الحساسية الشديدة، يدعو الخبراء إلى مراجعة القوانين وتوسيع نطاق الأطعمة التي يُلزم المنتجون بذكرها بوضوح على العبوات. وكشخص واجه أكثر من مرة مفاجآت غير سارة بسبب مكونات خفية، أرى أن هذه الخطوة ضرورية ومُرحّب بها.
تشير الإحصاءات إلى أن نحو ثلث سكان المملكة المتحدة – أي ما يقارب 21 مليون شخص – يعانون من نوع من أنواع الحساسية. وبين عامي 1998 و2018 نُقل أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفى بسبب حساسية الطعام، وتوفي 152 منهم. أما الحساسية الغذائية المؤكدة طبيًا، فيُقدّر أنها تصيب حوالي 6% من البالغين، أي نحو 2.4 مليون شخص.
وفق "لوائح معلومات الغذاء لعام 2014"، يجب على منشآت الأغذية الإعلان بوضوح عن 14 مادة مسببة للحساسية عند استخدامها كمكونات، وهي: الحبوب المحتوية على الغلوتين (كالقمح والشعير والجاودار)، القشريات (مثل الروبيان والسلطعون)، الرخويات (كالمحار وبلح البحر)، الأسماك، الفول السوداني، المكسرات (كاللوز والبندق والجوز)، الصويا، الحليب، البيض، الخردل، السمسم، الكرفس، ثاني أكسيد الكبريت أو الكبريتات، واللوبين. ويجب أن تظهر هذه التحذيرات على العبوة أو تُذكر بوضوح في قوائم الطعام.
وفي أكتوبر 2021، صدر "قانون ناتاشا" الذي ألزم جميع الأطعمة المعبأة للبيع المباشر بعرض قائمة مكونات كاملة، مع تمييز المواد الـ14 المسببة للحساسية بوضوح. شكّل هذا القانون نقلة نوعية في الشفافية والأمان الغذائي، وسدّ ثغرة كانت تُعرّض كثيرين للخطر.
لكن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن هذه القائمة لم تعد كافية. فقد حلّلت دراسة أوروبية أكثر من 3,000 حالة من "الصدمة التحسسية" الناتجة عن الطعام بين عامي 2002 و2023، ورصدت ثمانية أطعمة غير مدرجة في القوائم الرسمية، لكنها مسؤولة عن ما لا يقل عن 1% من الحالات. وتشمل: حليب الماعز والأغنام (2.8%)، الحنطة السوداء (2.4%)، البازلاء والعدس (1.8%)، الصنوبر (1.6%)، الكيوي (1.5%)، التفاح (1%)، منتجات النحل (1%)، وسكر "ألفا-غال" الموجود في اللحوم الحمراء (1.7%).
ويؤكد الباحثون أن بعض هذه الأطعمة – مثل حليب الماعز والأغنام، والحنطة السوداء، والبقوليات، والصنوبر – ينبغي أن تُدرج ضمن القائمة الإلزامية نظرًا لتكرار الحالات وشدّتها وصعوبة اكتشاف مسبباتها في كثير من المنتجات.
تزايد الإقبال على الأنظمة النباتية جعل مكونات مثل بروتين البازلاء ودقيق العدس والحنطة السوداء أكثر شيوعًا في الأسواق، لكنها للأسف ارتبطت بتفاعلات تحسسية لدى البعض. فقد بيّنت دراسة عام 2022 أن بروتين البازلاء المستخدم بكثرة في بدائل اللحوم يمكن أن يثير تفاعلات لدى الأشخاص المصابين بحساسية تجاه البقوليات، بسبب التشابه في تركيبة البروتينات المسببة للحساسية. هذا ما يجعل "المسببات الخفية" خطرًا حتى في الأطعمة التي تُسوَّق على أنها صحية وطبيعية.
من المهم التفرقة بين الحساسية الغذائية وعدم التحمل الغذائي. فعدم التحمل لا علاقة له بجهاز المناعة، وغالبًا ما يؤدي إلى اضطرابات في الهضم مثل الانتفاخ أو آلام المعدة أو الإسهال، نتيجة صعوبة الجسم في التعامل مع مكونات معينة.
أما الحساسية الغذائية، فهي استجابة مناعية يخطئ فيها الجسم في التعرف على بروتين معين فيعتبره خطرًا، مما يؤدي إلى إفراز أجسام مضادة (IgE) تطلق مواد مثل الهيستامين، فتظهر أعراض تتراوح بين الحكة والغثيان والشرى، وقد تتطور سريعًا إلى تورم وصعوبة في التنفس أو البلع، وصولًا إلى "الصدمة التحسسية".
الصدمة التحسسية حالة طارئة تستدعي التدخل الفوري. وتشمل أعراضها تورم الحلق أو اللسان، صعوبة التنفس، الدوار، شحوب أو زرقة الجلد، والإغماء. ويوصي "مجلس الإنعاش البريطاني" بحقن الأدرينالين في الفخذ الخارجي باستخدام حاقن ذاتي مثل "إيبي بن" (EpiPen)، وإعادة الجرعة بعد خمس دقائق إذا لم تتحسن الحالة، مع الاتصال الفوري بخدمات الطوارئ.
ولا تتوقف آثار الحساسية على الجانب الجسدي فقط؛ فالأعباء النفسية والاجتماعية كبيرة أيضًا. فكثير من الأطفال وذويهم يعيشون في قلق دائم من تناول الطعام خارج المنزل أو أثناء السفر أو في المدرسة. إن الحذر المستمر لتجنب التفاعل التحسسي يمكن أن يؤثر سلبًا على جودة الحياة والصحة النفسية.
لقد شكلت قائمة المواد الـ14 المسببة للحساسية إنجازًا كبيرًا في حماية المستهلكين، لكنها لم تعد كافية اليوم. فالعلم يتطور باستمرار، والحساسيات تتطور معه. ومع ظهور مكونات جديدة مثيرة للحساسية، لا بد أن تواكبها القوانين. فالأمر لا يتعلق بإجراء بيروقراطي بسيط، بل بسلامة الناس، وبضمان أن يكون كل شخص قادرًا على تناول طعامه بثقة وأمان.
