القائمة الرئيسية

ما وراء جبل الجليد: الفهم الكامل لإسهامات شركات التكنولوجيا الكبرى في الابتكار والتنافسية الأمريكية

ما وراء جبل الجليد: الفهم الكامل لإسهامات شركات التكنولوجيا الكبرى في الابتكار والتنافسية الأمريكية
ملخص المقال

هذه الانتقادات "الرائجة" تستند إلى فهم سطحي لما تفعله هذه الشركات في الواقع: فـ"آبل" تصنع هواتف، و"أمازون" تدير متجرًا إلكترونيًا، و"غوغل" محرك بحث، و"مايكروسوفت" تنتج برامج مثل وورد وإكسل وباوربوينت، و"ميتا" تشغّل شبكات التواصل الاجتماعي.

[post-views]

ملخص: تناقش هذه الدراسة الدور العميق لشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل ألفابت، أمازون، مايكروسوفت، ميتا، وآبل في دعم الابتكار الوطني والتفوق الاقتصادي للولايات المتحدة، مبرزًا كيف تتجاوز إنجازاتها حدود الهواتف والمنصات الرقمية لتشمل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمّية، الطاقة، الدفاع، والمناخ. ويوضح أن هذه الشركات تستثمر مئات المليارات في البحث والتطوير والبنية التحتية وتدريب الكفاءات، ما يخلق تأثيرات إيجابية تمتد عبر الاقتصاد العالمي، بينما تُحذّر الدراسة من أن التركيز السياسي المفرط على تنظيمها قد يضعف الأسس التي تقوم عليها الريادة الأمريكية في مواجهة الصين والمنافسين الدوليين.

في الوقت الذي يتعرض فيه “عمالقة التكنولوجيا” لهجمات وانتقادات من عدة جهات، تطور هذه الشركات الخمس تكنولوجيات رائدة تتطلب تطويرًا واسع النطاق، وتبني بنية تحتية تمتد من مراكز البيانات إلى الكابلات البحرية، وتُحدث تأثيرات إيجابية تتجاوز حدود قطاع التكنولوجيا لتصل إلى مجالات مثل الرعاية الصحية والطاقة النووية.


أبرز النقاط

  • تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى في البحث والتطوير (R&D) أكثر من معظم الدول وحتى أكثر من ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية للبحوث غير الدفاعية، ما يتيح لها السعي وراء تكنولوجيات متقدمة تتطلب استثمارات أولية ضخمة.

  • تُظهر هذه الشركات استعدادًا فريدًا لتحمّل مليارات الدولارات من الخسائر في مشاريع عالية المخاطر وطويلة الأمد لا يستطيع المستثمرون التقليديون أو حتى الحكومات دعمها.

  • تعتمد على نموذج بحثي مفتوح يحقق فوائد اقتصادية عامة من خلال الأوراق البحثية المنشورة، والأطر مفتوحة المصدر، ومجموعات البيانات المجانية، مما يمكّن الابتكار في الأوساط الأكاديمية والصناعية.

  • تؤدي استثماراتها التكنولوجية إلى آثار إيجابية واسعة في مجالات مثل الرعاية الصحية، والطاقة، والزراعة، والنقل، والدفاع — من اكتشاف الأدوية إلى أنظمة الكشف عن أمراض المحاصيل.

  • توفر الشركات التقنية الأمريكية الكبرى قدرة حيوية للقطاع الخاص لمنافسة عمالقة التكنولوجيا الصينيين المدعومين من الدولة، والذين يتمتعون بدعم حكومي ضخم واستراتيجيات صناعية منسقة.

  • النقاشات السياسية التي تركز فقط على الأضرار المحتملة لهذه الشركات دون الاعتراف بمساهماتها قد تضعف القدرات التي تدعم الريادة التكنولوجية والاقتصاد والأمن القومي للولايات المتحدة.


مقدمة

حتى أوائل العقد الثاني من الألفية، كانت الشركات الأمريكية الكبرى في مجال تكنولوجيا المعلومات تحظى بالإشادة من السياسيين ووسائل الإعلام والأكاديميين. أما اليوم، فهي تُتهم بأنها أصبحت قوية وجشعة للغاية. يرى الليبراليون أنها تراقب المجتمع وتنشر محتوى ضارًا وتقوّض الديمقراطية، بينما يعتقد المحافظون أنها تفرض رقابة على حرية التعبير وتؤثر على الانتخابات وتضعف القيم الأمريكية التقليدية. يتفق الطرفان على أنها تضر بالأطفال، ويدعو الشعبويون من كلا الجانبين إلى تفكيكها.

هذه الانتقادات "الرائجة" تستند إلى فهم سطحي لما تفعله هذه الشركات في الواقع: فـ"آبل" تصنع هواتف، و"أمازون" تدير متجرًا إلكترونيًا، و"غوغل" محرك بحث، و"مايكروسوفت" تنتج برامج مثل وورد وإكسل وباوربوينت، و"ميتا" تشغّل شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن من يرى هذه الصورة فقط، يرى مجرد قمة جبل الجليد من الفوائد الضخمة التي تقدمها هذه الشركات للولايات المتحدة والعالم.

في الوقت الذي ينتقد فيه البعض هذه الشركات، يزعم آخرون أن الشركات الأمريكية لا تستثمر بما يكفي على المدى الطويل — في البحث والتطوير، والاستثمار الرأسمالي، والمشروعات ذات العوائد البعيدة. لكن الواقع أن شركات التكنولوجيا الكبرى تفعل العكس تمامًا، وينبغي الإشادة بها بدلاً من انتقادها.

ورغم أن شركات أمريكية أخرى مثل "سيسكو"، و"كوالكوم"، و"إنفيديا" تُظهر أنماطًا مماثلة من الابتكار، يركّز هذا التقرير على خمس شركات فقط بسبب ضيق المساحة: آبل، أمازون، ألفابت (غوغل)، ميتا، ومايكروسوفت.


الاستثمار في البحث والتطوير (R&D)

في عام 2024، أنفقت أكبر خمس شركات تكنولوجية أمريكية 227 مليار دولار على البحث والتطوير، أي أكثر من ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية في البحوث غير الدفاعية، متجاوزة إنفاق معظم الدول في هذا المجال.
ولم تقتصر هذه الاستثمارات على خطوط الأعمال الأساسية، إذ أظهرت دراسات مؤسسة ITIF أن 78% من نمو البحث والتطوير في القطاعات غير التصنيعية جاء من أربع صناعات فقط: الشحن الإلكتروني والمزادات الإلكترونية، معالجة واستضافة البيانات (مثل خدمات الحوسبة السحابية)، شركات البرمجيات، وشركات الإنترنت.

كما تموّل هذه الشركات أبحاثًا طويلة الأمد في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وأشباه الموصلات، وتدعّم مشاريع "طموحة" قد تفشل تجاريًا لكنها توسّع القدرات التقنية وتنتج فوائد عامة للأوساط الأكاديمية والشركات الناشئة والصناعة ككل.


الاستثمار الرأسمالي

في عام 2024، أنفقت هذه الشركات أكثر من 250 مليار دولار على النفقات الرأسمالية، وقد تجاوز إجمالي استثماراتها التراكمية في القرن الحالي تريليون دولار.
فتدريب نموذج لغوي ضخم واحد قد يكلف أكثر من 100 مليون دولار في الموارد الحاسوبية، وتطوير معالجات كمومية يتطلب برامج تمتد لعقد كامل واستثمارات بمليارات الدولارات. أما بناء كوكبات الأقمار الصناعية والبنى التحتية السحابية العملاقة فيتطلب استثمارات أولية بعشرات المليارات.

تموّل هذه الشركات أيضًا مراكز البيانات، والكابلات البحرية، ومشروعات الطاقة المتجددة، والمنصات المخصصة لأشباه الموصلات التي لا تخدم فقط عملياتها، بل تدعم الاقتصاد الرقمي بأكمله.


نشر المعرفة العامة

تنشر شركات التكنولوجيا الكبرى آلاف الأبحاث سنويًا، وتصدر أطرًا مفتوحة المصدر، وتتيح مجموعات بيانات ونماذج للجامعات والشركات الناشئة.
ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك مشروع AlphaFold التابع لـ"غوغل ديب مايند"، الذي رسم أكثر من 200 مليون بنية بروتينية وأتاحها مجانًا، مما سرّع الأبحاث البيولوجية عالميًا.
هذا الانفتاح يميز الشركات الأمريكية عن النماذج التقليدية المغلقة التي نادرًا ما تُشارك المعرفة خارج حدود الشركة.


تطوير المهارات العلمية والتقنية (STEM)

تُعد هذه الشركات بيئة تدريبية متقدمة للباحثين والمهندسين، الذين ينتقل الكثير منهم لاحقًا إلى الجامعات أو المختبرات الحكومية أو يؤسسون شركات ناشئة.
وقد أسس خريجو هذه الشركات آلاف الشركات الناشئة، وجمعوا مليارات الدولارات في التمويل الاستثماري، ونشروا معارف تنظيمية وتقنية حول بناء أنظمة قابلة للتوسع — مما يعزز النظام البيئي التكنولوجي الأمريكي ككل.


تمويل الشركات الناشئة

من خلال عمليات الاستحواذ والشراكات، تربط الشركات الكبرى نفسها بالنظام البيئي للشركات الناشئة، مما يوفر لها رأس المال والبنية التقنية والوصول إلى الأسواق العالمية.
وعلى عكس ما يروّجه المنتقدون، تُظهر الأدلة أن هذه العمليات غالبًا ما تُحفّز الأسواق وتزيد الاستثمارات في رأس المال المخاطر.
وأحيانًا، يؤدي منع هذه الصفقات إلى نتائج عكسية — حيث تفشل الشركات المستقلة وتُفقد الولايات المتحدة فرصًا استراتيجية أمام المنافسين الأجانب.


الابتكار خارج قطاع المعلومات

رغم أن شركات التكنولوجيا الكبرى تعمل أساسًا في مجال المعلومات (توليدها، تخزينها، تحليلها، ونقلها)، فإنها تبتكر أيضًا في مجالات أخرى مثل الدفاع الوطني، النقل، الزراعة، التعليم، الرعاية الصحية، واستكشاف الفضاء.

الولايات المتحدة اليوم في صراع تكنولوجي واقتصادي وجودي مع الصين، حيث تسعى الحكومة الصينية إلى السيطرة على جميع الصناعات المتقدمة، مدعومةً بسوق مغلق وإعانات حكومية ضخمة وسياسات تشجع الحجم والاحتكار.
ونظرًا للقيود المالية التي تواجهها واشنطن، من غير الواقعي أن تنافس الحكومة الأمريكية هذا السخاء الصيني. ولذلك، إذا كانت أمريكا لا تريد أن تخسر السباق، فعليها تعزيز شركاتها الكبرى لا إضعافها.

إن تبنّي النهج الأوروبي في فرض الضرائب المفرطة والتنظيمات الصارمة والتفكيك القسري سيؤدي إلى تراجع هذه الشركات، لتصبح مجرد ذكرى مثل "زيروكس" و"كوداك" و"لوسنت".
السياسة الحكيمة يجب أن تقوم على "عدم الإضرار" بهذه الشركات، لأن ذلك سيعزز التنافسية الأمريكية، ويوفر وظائف محلية، ويدعم الأمن القومي.

فالابتكارات الأمريكية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة الكمومية تأتي في الأساس من القطاع الخاص، وتستفيد وزارة الدفاع من هذه القدرات لتطوير تطبيقات دفاعية بتكلفة ووتيرة لا يمكن تحقيقها بالعقود الحكومية وحدها.


الفوائد المجتمعية

الاستثمار في الابتكار

يُعد البحث والتطوير العامل الحاسم في تحديد الدول الرائدة تكنولوجيًا واقتصاديًا.
واليوم، أصبحت الشركات الخاصة الممول الأكبر لهذا القطاع، إذ تستثمر خمس شركات أمريكية فقط أكثر من الحكومة الفيدرالية ومعظم الدول مجتمعة.
وهذا يمنحها قدرة فريدة على تمويل مشاريع طويلة الأمد، والمخاطرة في تكنولوجيات تتطلب مليارات الدولارات مقدّمًا، ومنافسة كيانات مدعومة من الحكومات دون الحاجة إلى دعم مباشر.

ورغم أن هذه الاستثمارات مدفوعة بالربح، فإنها تولّد فوائد مجتمعية ضخمة، إذ تنتقل المعارف والتقنيات الناتجة عنها إلى الجامعات والمنافسين والمجتمع الأوسع، متجاوزة العوائد التي تجنيها الشركات نفسها.

القدرة المالية على دعم البحث عالي المخاطر

غالبًا ما تتطلب التقنيات التحولية عقودًا من التطوير قبل أن تصبح قابلة للتطبيق التجاري. فمثلًا، احتاج الترانزستور إلى 23 عامًا من اكتشافه في مختبرات بيل حتى انتشر تجاريًا، واحتاج الإنترنت إلى عقود من الدعم الحكومي قبل أن تتم خصخصته وتعميمه.
لكن لأن الأسواق المالية التقليدية تسعى إلى أرباح خلال 5 إلى 10 سنوات، فإن هذا النوع من الأبحاث طويلة الأمد يجد دعمًا محدودًا.
وهنا تبرز الشركات الكبرى بقدرتها على تمويل الابتكار طويل الأمد الذي يشكّل مستقبل الاقتصاد الأمريكي.

الشكل 1: إنفاق شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى على البحث والتطوير بين عامي 2015 و2024 (بالمليارات)

في عام 2024، استثمرت أكبر خمس شركات تكنولوجية أمريكية — أمازون، وآبل، وألفابت (غوغل)، وميتا، ومايكروسوفت — مبلغ 227 مليار دولار في البحث والتطوير.
ويفوق هذا المبلغ ميزانية البحث والتطوير الفيدرالية الأمريكية البالغة 172 مليار دولار، كما يتجاوز إجمالي الإنفاق السنوي على البحث والتطوير في معظم دول العالم خلال عام 2023.

هذا الحجم من الاستثمار لا يعبّر فقط عن أرقام ضخمة، بل يعكس اختلافًا نوعيًا في القدرة على الابتكار. فعندما تخصص شركة واحدة عشرات المليارات سنويًا للبحث، يمكنها تمويل مشاريع طويلة الأمد كانت لتستنزف بالكامل موارد التمويل التقليدية.

وهكذا، تصبح شركات التكنولوجيا الكبرى قادرة على دفع حدود العلم والتقنية إلى آفاق جديدة، بفضل إمكاناتها المالية الضخمة التي تمنحها مرونة واستمرارية لا تستطيع المؤسسات الحكومية أو الأكاديمية مجاراتها.

الشكل 2: إنفاق القطاع الخاص الأمريكي على البحث والتطوير بين عامي 2015 و2024 (بالمليارات)

تُجسّد الشركة الأم لـ"غوغل"، ألفابت (Alphabet)، قدرتها الاستثنائية على الابتكار من خلال قسمها التجريبي المعروف باسم X Division، الذي يركّز على ما يُعرف بمشاريع "القفزات العملاقة" أو Moonshots.

في عام 2016، سجّل هذا القسم خسائر فصلية بلغت 859 مليون دولار، مع تقديرات تشير إلى خسائر سنوية تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار — نتيجة تمويل مشاريع تجريبية مثل بالونات توصيل الإنترنت، والعدسات اللاصقة لمراقبة نسبة الجلوكوز، والمركبات ذاتية القيادة.
ورغم أن هذه المشاريع تحمل مستقبلًا تجاريًا غير مضمون، فإنها تملك إمكانات تحويلية هائلة يمكن أن تعيد تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد.

المفارقة أن إعلان هذه الخسائر لم يُضعف ثقة المستثمرين، بل على العكس، ارتفعت أسهم "ألفابت" بنسبة 6% بعد التقرير المالي، ما يعكس قبول السوق لفلسفة الاستثمار طويل الأمد المدعوم بالأرباح المستقرة من الأعمال الأساسية للشركة.

وهذا المثال يُبرز كيف تستطيع الشركات التقنية الكبرى تحويل الخسائر قصيرة الأجل إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد، تُمهّد الطريق لتقنيات قد تغيّر وجه المستقبل.

الشكل 3: مقارنة إنفاق شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى على البحث والتطوير مع إجمالي إنفاق بعض الدول المختارة (2015–2024، بالمليارات)

أظهر قسم X التجريبي التابع لشركة ألفابت (غوغل) خسائر فصلية بلغت 859 مليون دولار أثناء سعيه وراء مشاريع طموحة تُعرف بـ"مشاريع القفزات العملاقة" (Moonshots). ورغم هذه الخسائر، ارتفعت أسهم الشركة بنسبة 6%، في إشارة واضحة إلى تقبّل المستثمرين لفكرة الاستثمار في أبحاث طويلة الأمد مدعومة بنجاح الأعمال الأساسية للشركة.


من جانب آخر، تُجسّد تجربة أمازون في تطوير الأجهزة الإلكترونية نموذجًا مماثلًا من الالتزام المستمر رغم الفشل التجاري.
فقد تكبّد قسم الأجهزة، الذي يتمحور حول منتجات أليكسا (Alexa)، خسائر تجاوزت 25 مليار دولار بين عامي 2017 و2021، وتكبد 3 مليارات دولار إضافية في الربع الأول من عام 2022 وحده.
ورغم بيع أجهزة Echo بأسعار التكلفة أو أقل، على أمل تحقيق أرباح من التجارة الصوتية التي لم تتحقق، استمرت الشركة في تمويل هذه المبادرات لما يقرب من عقد كامل.
لكن هذه الخسائر لم تكن عبثًا، إذ أسهمت في تطوير تقنيات التعرف على الصوت ومعالجة اللغة الطبيعية التي أصبحت اليوم من ركائز الذكاء الاصطناعي الحديث.


أما آبل، فقد خاضت مغامرة مختلفة في ميدان أشباه الموصلات. تطلّب انتقالها إلى استخدام رقائق مخصّصة من تصميمها الخاص سنوات من البحث ومليارات الدولارات من الاستثمار، لكنها حققت بذلك تكاملًا عموديًا مدهشًا جعل معالجاتها أكثر توافقًا مع برمجياتها وأداءها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هذا النوع من الابتكار يتطلّب إصرارًا ماليًا وتقنيًا لا تقدر عليه إلا الشركات الكبرى التي تملك رؤية استراتيجية تتجاوز الربح السريع نحو الريادة التقنية طويلة الأمد.

الشكل 4: خسائر بعض شركات التكنولوجيا الكبرى في مشاريع عالية المخاطر وعالية العائد (Moonshot Projects)

تستمد شركات التكنولوجيا العملاقة قدرتها المالية الهائلة من أنشطتها الأساسية المربحة التي تولّد تدفقات نقدية ضخمة.
فقد حققت خدمة أمازون السحابية (AWS) إيرادات بلغت 62 مليار دولار في عام 2021 بهوامش تشغيل تجاوزت 30%، بينما تُدرّ الإعلانات لدى ألفابت (غوغل) أكثر من 200 مليار دولار سنويًا.

تُحوّل هذه الشركات جزءًا كبيرًا من أرباحها إلى محافظ بحثية ضخمة لا يمكن لأي جهة أخرى، سواء حكومية أو خاصة، أن تضاهيها من حيث الحجم أو الاستمرارية.
هذا النموذج القائم على الدعم المتبادل داخل القطاع الخاص يتيح تمويل الأبحاث طويلة الأمد دون الخضوع لقيود الأسواق المالية التي عادة ما تُوقف المشاريع غير المربحة بسرعة.


الحجم يخلق إمكانات ابتكار مختلفة جذريًا

إن التقنيات الرائدة — مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأنظمة ذاتية التشغيل — تتطلّب رؤوس أموال ضخمة بشكل متصاعد، ما يشكّل حواجز طبيعية أمام المشاركة.
فالتحديات التقنية الجوهرية، وليس التنظيمية، هي التي تفرض هذه الكلفة الهائلة.

يُعد تدريب النماذج اللغوية الكبرى مثالًا واضحًا على ذلك:

  • احتاج نموذج GPT-3 من OpenAI إلى أكثر من 4.6 ملايين دولار في تكاليف الحوسبة لتدريب واحد فقط.

  • بينما تجاوزت تكلفة تدريب GPT-4 حاجز 100 مليون دولار.
    وتشير تقديرات الصناعة إلى أن الجيل القادم من النماذج سيتطلب استثمارات ببلايين الدولارات في البنية التحتية.

العلاقة بين قوة النماذج ومتطلبات الحوسبة علاقة أسّية: فكل تحسّن بمقدار عشرة أضعاف في القدرات يتطلّب تقريبًا مئة ضعف في القوة الحسابية — ما يجعل الدخول إلى هذا المجال محصورًا في الشركات القادرة على تحمّل الكلفة والوقت معًا.

الشكل 5: تكاليف البحث والتطوير والبنية التحتية للتقنيات المتقدمة (الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمّية، والأنظمة المستقلة)

موارد استثنائية تصنع المستقبل

لا تمتلك القدرة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة سوى المنظمات ذات الموارد الهائلة القادرة على الوصول إلى مئات الآلاف من المعالجات المتخصصة.
فعندما احتاجت OpenAI إلى توسيع نطاق تدريب GPT-4، عقدت شراكة موسّعة مع مايكروسوفت، التي وفّرت التمويل والبنية التحتية السحابية عبر منصة Azure.
أما الشركات الصغيرة، فمهما امتلكت من مهارة تقنية، تعجز عن تحمّل التكلفة الباهظة لهذه القدرات الحوسبية.


الأنظمة الذاتية والكمّية: حيث يصبح الحجم شرطًا أساسيًا

يُظهر تطوير المركبات ذاتية القيادة مدى ضخامة المتطلبات الاستثمارية.
فقد أنفقت شركة Waymo التابعة لألفابت أكثر من 5 مليارات دولار على البحث والتطوير وبناء البنية التحتية اللازمة، من تطوير المجسّات الخاصة، إلى رسم خرائط رقمية دقيقة لمدن بأكملها، مرورًا بمحاكاة ملايين الكيلومترات الافتراضية وتجارب ميدانية حقيقية — وكل ذلك يتطلب تمويلًا طويل الأمد وخبرة متخصصة نادرة.

أما في مجال الحوسبة الكمّية، فقد استغرق تحقيق "غوغل" لـ التفوّق الكمّي في عام 2019 نحو 13 عامًا من الاستثمار المستمر، شمل إنشاء مصانع خاصة للمعالجات الكمّية، وأنظمة تبريد تصل إلى درجات قريبة من الصفر المطلق، وفِرقًا متعددة التخصصات من الفيزيائيين والمهندسين وعلماء الحاسوب.
وتسير أمازون، وآي بي إم، ومايكروسوفت على النهج ذاته، كلٌّ منها تستثمر مليارات الدولارات في مجالات ما زالت بعيدة عن تحقيق عائد تجاري.

هذه الأمثلة تُظهر أن تعقيد التكنولوجيا الحديثة يفرض تركّزًا ماليًا هائلًا، فكلما ازدادت الحاجة إلى تكامل تخصصات علمية وتطوير بنى تحتية متقدمة، ارتفع الحد الأدنى المطلوب للدخول في السباق، ليقتصر على الشركات التي تمتلك قدرة مالية خارقة واستمرارية استراتيجية.


المخاطرة التي تصنع الاختراقات

الابتكار الحقيقي لا يتحقق دون المجازفة والتجريب المتكرر. فكل اختراق تكنولوجي كبير كان مسبوقًا بعدد لا يُحصى من الإخفاقات.
يرى الباحث الأمريكي كلايتون كريستنسن أن العديد من الشركات الأمريكية أصبحت تركّز على الابتكار التدريجي — أي تحسينات طفيفة على المنتجات الحالية — بدلًا من الابتكار الجذري القادر على تغيير قواعد اللعبة.

لكن شركات التكنولوجيا الكبرى كسرت هذه القاعدة. فهي تستثمر في مشاريع عالية المخاطر قد تفشل بالكامل، لكنها تخلق فرصًا غير مسبوقة.

  • مايكروسوفت تعمل منذ عام 2005 على مشروع الحوسبة الكمّية الطوبولوجية، وهو نهج غير مؤكد لكنه قد يُحدث ثورة علمية.

  • ميتا (فيسبوك سابقًا) تموّل أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب عبر مختبراتها Reality Labs، مستكشفة تقنيات تعتمد على الإشارات العصبية عبر الأساور العضلية (EMG).

  • مايكروسوفت أيضًا التزمت بشراء الكهرباء من مفاعلات الاندماج النووي لشركة Helion Power بدءًا من عام 2028، رغم أن هذه التقنية لم تثبت نجاحًا تجاريًا بعد.

هذه الجرأة على مواجهة المجهول العلمي هي ما يمكّن هذه الشركات من استكشاف تكنولوجيات ما زال احتمال نجاحها النظري موضع نقاش.


استراتيجية الحافظة المتوازية

لا تكتفي هذه الشركات بتقبّل الفشل، بل تنتهج نهج التنويع المتوازي — أي تمويل عدة مسارات بحثية متنافسة في الوقت نفسه لتقليل المخاطر.

  • مايكروسوفت تستثمر في أبحاثها الخاصة في الذكاء الاصطناعي وفي الوقت ذاته في شراكتها مع OpenAI.

  • ألفابت تطور وحدات معالجة خاصة بها TPU، لكنها تحافظ أيضًا على بنية تعتمد على المعالجات الرسومية GPU.

تتبنّى إنفيديا هذا النهج بوضوح، حيث تدير ثلاث فرق تصميم رقاقات تعمل بدورات متداخلة تمتد بين 18 و24 شهرًا، ما يسمح لها بالابتكار المستمر دون التوقف عند فشل أي مسار.
وقد استثمرت الشركة نحو 10 مليارات دولار في تطوير شريحة B200 Blackwell وحدها، إلى جانب أكثر من 900 مكتبة برمجية CUDA تدعم التكامل بين العتاد والتطبيقات العملية.


المرونة المالية والابتكار في الأزمات

تُظهر الأبحاث الأكاديمية أن الشركات التي تحافظ على استثماراتها البحثية خلال فترات الركود الاقتصادي تخرج من الأزمات وهي أقوى وأكثر تقدمًا.
وبينما تضطر الشركات الصغيرة لتقليص نفقاتها، يمكن لعمالقة التكنولوجيا زيادة إنفاقهم في البحث حين تصبح الموارد البشرية والمعدات أرخص وأكثر توفرًا.

مشروع Google Brain مثال بارز: بدأ كمحاولة غير مضمونة النتيجة لإحياء تقنيات "التعلّم العميق" المهجورة، مستهلكًا موارد حوسبة هائلة دون أي تأكيد على النجاح.
لكن النتيجة كانت مذهلة — إذ تولّد التقنيات الناتجة عنه اليوم أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا من تحسينات البحث والخدمات السحابية.


منافسة النموذج الصيني المدعوم من الدولة

تعتمد الصين على نموذج ابتكار منسّق تدعمه الدولة بشكل مكثف.
فقد خصصت الحكومة الصينية أكثر من 450 مليار دولار للبحث والتطوير في عام 2023، بزيادة 8.1% عن العام السابق، مع أهداف نمو تفوق 7% سنويًا.
وتعمل الشركات الحكومية، والمعاهد البحثية، والشركات "الخاصة ظاهريًا" في منظومة موحدة لخدمة الأهداف الوطنية، بما في ذلك صندوق بقيمة 138 مليار دولار لدعم الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية وأشباه الموصلات.

هذه الإعانات تمثل شكلاً من "الابتكار المفترس" الذي يسعى للسيطرة على الصناعات بدل المنافسة العادلة، عبر تمويل إنتاج يفوق الطلب وبيع المنتجات بأقل من التكلفة، مما يخالف قواعد منظمة التجارة العالمية (WTO) ومبادئ المنافسة الحرة.

وقد نجح هذا النهج في السيطرة على قطاعات استراتيجية:

  • شركات الطاقة الشمسية الصينية تستحوذ الآن على أكثر من 80% من الإنتاج العالمي بعد أن قضت الأسعار المنخفضة على منافسيها الدوليين.

  • في الاتصالات، مكّن الدعم الحكومي شركة هواوي من خفض أسعارها بنسبة 30–40% مقارنة بالمنافسين الغربيين، مع إنفاق على البحث يفوق نوكيا وإريكسون مجتمعين.

أمام هذا النموذج المنسّق، تعجز الشركات الناشئة والأسواق الحرة عن المنافسة وحدها.
لكن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى توفّر قوة توازن حقيقية عبر مواردها الخاصة الضخمة — إذ إن استثماراتها في البحث (227 مليار دولار) تقترب من الإنفاق الحكومي الصيني، مع الحفاظ على الانضباط السوقي والاستقلال المالي.


البحث المفتوح وتركيز المواهب

رغم الانتقادات، تُنفق الشركات الأمريكية العملاقة مبالغ كبيرة على البحث الأساسي المفتوح وتنشر نتائجها للعامة، بل وتتيح أدواتها ومكتباتها مجانًا للباحثين والمطورين.
كما توفر بنى حوسبة سحابية للجامعات والمختبرات المستقلة، مما يخلق تأثيرات انتشار معرفي (knowledge spillovers) تعزز الابتكار عبر النظام بأكمله.

نموذج البحث المفتوح

البحث المفتوح يسرّع وتيرة الابتكار. فعندما تنشر الشركات نتائجها، يمكن للآخرين البناء عليها فورًا بدلًا من البدء من الصفر، ما يختصر الزمن اللازم للتقدّم العلمي.
وتنعكس الفوائد على الاقتصاد بأكمله:

  • الشركات الناشئة يمكنها استخدام النماذج المنشورة بدلًا من تطوير نماذجها الخاصة.

  • الجامعات تحصل على بيانات لا تستطيع تمويلها بمفردها.

  • المهندسون يعتمدون أساليب مثبتة بدل إعادة اختراعها.

تُظهر الدراسات الاقتصادية أن البيانات المفتوحة ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.5% سنويًا مقارنة بالبيانات المدفوعة، ما يعادل تأثيرًا اقتصاديًا عالميًا يتراوح بين 3 و5 تريليونات دولار سنويًا.

الشكل 6: مساهمات شركات التكنولوجيا الكبرى مقارنة بالشركات الأخرى في تطوير الذكاء الاصطناعي (مقاييس مفهرسة وفق CSET)

الشكل 7: نماذج الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الأمريكية وفقًا لقدرات الحوسبة المستخدمة في التدريب (FLOPS – مقياس لوغاريتمي)

الشكل 8: أكبر 10 مساهمين عالميين في براءات الاختراع في التقنيات الحيوية الحرجة (باستثناء علوم الحياة)

الشكل 9: أكبر 10 مساهمين في براءات الاختراع الخاصة بتكنولوجيا الدفاع في الولايات المتحدة

تُعد مؤتمرات NeurIPS وICML وICLR من أكثر المؤتمرات تأثيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا، حيث تتراوح نسب القبول فيها بين 20% و25% فقط، ما يجعلها معيارًا صارمًا للتميز العلمي.
في عام 2023، نشرت شركة ألفابت (غوغل) أكثر من 500 بحث علمي في هذه المؤتمرات، من بينها أكثر من 80 بحثًا لفريق DeepMind في مؤتمر ICML 2023، بينما قدّمت مايكروسوفت أكثر من 100 ورقة مقبولة في NeurIPS 2024.

وفي العام نفسه، أنتج القطاع الصناعي 51 نموذجًا مميزًا لتعلّم الآلة، مقارنة بـ 15 نموذجًا فقط من الأوساط الأكاديمية، ما جعل شركات التكنولوجيا الكبرى أكبر المساهمين في المؤتمرات العلمية المرموقة إلى جانب الجامعات الرائدة.

لكن الأثر الاقتصادي الحقيقي لا يتجلى فقط في الأبحاث المنشورة، بل في البنى التحتية البرمجية مفتوحة المصدر التي طورتها هذه الشركات.
فإطارا العمل TensorFlow من ألفابت (غوغل) وPyTorch من ميتا (فيسبوك) يشكلان العمود الفقري لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
يوفر هذان الإطاران اللبنات الأساسية — من العمليات الرياضية إلى بنى الشبكات العصبية المعقدة — التي تتيح للمطورين بناء أنظمة ذكاء اصطناعي دون الحاجة إلى كتابة آلاف الأسطر من الأكواد الأساسية.

ويُهيمن TensorFlow على 37% من السوق، بينما يمتلك PyTorch نحو 25% من حصة أدوات تعلم الآلة، وقد تم اعتماد PyTorch في 80% من الأبحاث المقدّمة إلى المؤتمرات الكبرى، ما يبرهن على سرعة تحوّله إلى معيار صناعي عالمي.

إن تطوير أطر تعلم الآلة على مستوى إنتاجي يتطلب استثمارات ضخمة في فرق هندسية وبنى تحتية وسنوات من التطوير المستمر.
وبمنح هذه الأدوات مجانًا، تُزيل شركات التكنولوجيا الكبرى العوائق أمام آلاف المؤسسات، وتُسرّع من وتيرة التقدّم العلمي والابتكار حول العالم.

الشكل 10: مساهمات شركات التكنولوجيا الكبرى في البنى التحتية مفتوحة المصدر للتقنيات الحيوية (درجات مفهرسة وفقًا لمركز CSET)

ألفافولد: نموذج حي لقوة البحث المفتوح

يُعد نظام AlphaFold التابع لـ Google DeepMind مثالًا ساطعًا على فوائد البحث العلمي المفتوح. فقد تمكن هذا النظام من التنبؤ ببنية البروتينات بدقة غير مسبوقة، وتمت الإشارة إليه في أكثر من 20,000 ورقة بحثية منذ إطلاقه.
وقد سرّع النظام الأبحاث في العلوم الدوائية والزراعة وعلوم المواد، إذ تستخدمه مبادرة أدوية الأمراض المهملة (DNDi) لتطوير علاجات لأمراض تؤثر على مليارات البشر ولكن لا تحقق أرباحًا تجارية تُذكر.
تستخدمه المختبرات الأكاديمية لدراسة مقاومة المضادات الحيوية والسرطان، فيما يوظفه الباحثون الصناعيون لتصميم إنزيمات ومواد جديدة.
إن إصدارًا واحدًا مفتوح المصدر كهذا يمكن أن يسرّع مئات برامج تطوير الأدوية لسنوات، وهو ما يبرهن على أن المعرفة المفتوحة قادرة على إنقاذ الأرواح وتسريع الابتكار العالمي.


التوازن بين البحث المفتوح والابتكار المملوك

تحافظ شركات التكنولوجيا الكبرى على عمليات بحثية مملوكة لدعم منتجاتها الأساسية وميزتها التنافسية، لكنها في الوقت ذاته تنشر أبحاثًا أكاديمية وتشارك أدواتها على نطاق واسع — بخلاف النماذج التقليدية للشركات التي تحتفظ بكل أبحاثها داخليًا.
هذا التوازن بين الانفتاح والتنافس هو ما يجعلها فاعلًا فريدًا في منظومة الابتكار العالمية.


تأثير مضاعِف للمواهب التقنية

تعتمد التطورات في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبرمجيات المعقدة على فرق ضخمة من الباحثين والمهندسين المتخصصين، مما يجعل المنافسة على استقطاب هذه المواهب شديدة عالميًا.
لكن النجاح الحقيقي يكمن في بناء تجمعات معرفية تسمح بتبادل الخبرات وخلق شركات ناشئة جديدة.

ففي بيتسبرغ (بنسلفانيا)، أنشأت جامعة كارنيغي ميلون مركزًا يُعتبر "أكبر تجمع للذكاء الاصطناعي خارج وادي السيليكون"، إذ تحتضن مكاتب بحثية لشركات مثل آبل، إنتل، ألفابت، مايكروسوفت، ديزني، ميتا، وآي بي إم.
وفي شيكاغو، تدير جامعة إلينوي برنامج Discovery Partners Institute بالتعاون مع AWS، ألفابت، مايكروسوفت، وغيرها من الشركات، لتدريب طلاب من عدة جامعات على مهارات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.

استثمارات أمازون في الروبوتات تقدم مثالًا آخر: فالشركة توظف أكثر من 750,000 روبوت وتستعين بآلاف مهندسي الأتمتة، ما أوجد كتلة حرجة من الخبرات التي انتقلت لاحقًا إلى شركات ناشئة، مما عزز ريادة الولايات المتحدة في مجال الأتمتة الصناعية.


بناء الأجيال القادمة من المواهب

تتجاوز جهود تطوير المواهب حدود موظفي هذه الشركات، إذ تستثمر في برامج تعليمية من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية.
فبرنامج TEALS من مايكروسوفت، على سبيل المثال، يربط أكثر من 1,650 متطوعًا من 700 شركة مع معلمي المدارس الثانوية لتدريس علوم الحاسوب، ويعمل في 31 ولاية أمريكية ويخدم 17,000 طالب سنويًا.
كما دعم برنامج زمالات مايكروسوفت للأبحاث أكثر من 700 طالب دكتوراه حول العالم.
ويستفيد آلاف الطلبة والباحثين سنويًا من التدريبات، والزمالات، وفرص الزيارة البحثية التي توفر لهم تمويلًا وإشرافًا أكاديميًا ووصولًا إلى بيانات وبنى حوسبة لا تتاح عادة في الجامعات.

شراكة إنفيديا مع جامعة فلوريدا توضح كذلك كيف تخلق الاستثمارات الصناعية فوائد واسعة للنظام الأكاديمي. فقد قدمت إنفيديا 25 مليون دولار من الأجهزة والبرمجيات والدعم التدريبي، مما أتاح للجامعة مشاركة موارد الذكاء الاصطناعي مع 12 جامعة حكومية أخرى في فلوريدا، ودربت أكثر من 800 طالب بإشراف مدربين معتمدين.


الأثر الريادي والاقتصادي للمواهب المنطلقة من "بيغ تيك"

تُظهر البيانات أن خريجي ألفابت أسسوا 14 من أفضل 50 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، جمعت معًا 14.7 مليار دولار بقيمة إجمالية تبلغ 71.6 مليار دولار (حتى أكتوبر 2024).
كما أنشأ خريجو غوغل أكثر من 2,300 شركة جمعت 98 مليار دولار، في حين أسس خريجو مايكروسوفت ما يقرب من 6,000 شركة جمعت 69 مليار دولار.
أما خريجو ميتا، فرغم عددهم الأقل، فقد حققوا أعلى معدل نجاح تمويلي (62.9%)، وأسّسوا شركات مؤثرة مثل OpenAI وHarvey.

وتدعم الشركات هذا الدور الريادي من خلال برامج مخصّصة مثل:

  • صندوق Google AI Futures Fund الذي يوفر استثمارًا مبكرًا ووصولًا إلى نماذج DeepMind.

  • برنامج Microsoft for Startups الذي يمنح ما يصل إلى 100,000 دولار من أرصدة Azure مع إرشاد فني من برنامج GrowthX Accelerator.

  • برنامج Llama Startup من Meta الذي يقدم دعمًا سحابيًا بقيمة 6,000 دولار شهريًا لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة.

الشكل 11: الحصص السوقية لمجمّعات وحدات معالجة الرسومات (GPU Clusters)

البنية التحتية الاستراتيجية: العمود الفقري للهيمنة التكنولوجية الأمريكية

تقوم الشركات الأمريكية الرائدة ببناء مراكز بيانات فائقة الضخامة، وكابلات بحرية، ومنشآت طاقة متجددة تشكل حجر الزاوية في التنافسية الاقتصادية والأمن القومي الأمريكي.

لقد أصبحت البنية التحتية الرقمية اليوم ضرورية كالطرق والكهرباء، لكن حجم الاستثمار المطلوب يفوق ما تستطيع الحكومات وحدها تمويله.
فبينما تستثمر الحكومة الفيدرالية 208 مليارات دولار سنويًا في البحث والتطوير، يظل الجزء الأكبر موجّهًا إلى الأبحاث الأساسية، وليس إلى بناء البنى التحتية العملاقة التي تتطلبها مراكز البيانات والكابلات البحرية وأنظمة الحوسبة المتقدمة.

في المقابل، يستثمر القطاع التكنولوجي الأمريكي أكثر من 300 مليار دولار سنويًا في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية، وهو ما يسدّ فجوات التمويل التي تعجز عنها البرامج الحكومية.
على سبيل المثال:

  • أمازون التزمت باستثمار 150 مليار دولار خلال 15 عامًا لتوسيع مراكز بياناتها.

  • ألفابت تمتلك أو تستأجر حصصًا في 16 كابلًا بحريًا لتأمين تدفق البيانات عالميًا.

  • ميتا بنت عنقودًا تدريبيًا يضم 24,576 وحدة معالجة رسومية (GPU) لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.


التحكّم بالبنية التحتية كأداة قوة جيوسياسية

يمثل امتلاك البنية التحتية الرقمية مصدر نفوذ جيوسياسي حقيقي، إذ تتبنى الدول والمؤسسات التي تعتمد على المنصات الأمريكية معاييرها التقنية ونظمها التشغيلية.
تمتلك مزودات الخدمات السحابية الأمريكية 62–67% من البنية التحتية السحابية العالمية، مما يمنحها القدرة على وضع المعايير التقنية عبر السوق بدلاً من اللوائح.

وعندما تطبّق AWS معايير الأمان على 90% من شركات Fortune 500، تتحول هذه المعايير إلى ممارسات عالمية معتمدة.
تستخدم سنغافورة وإستونيا هذه المنصات لبناء خدمات حكومية رقمية متقدمة، من الهوية الرقمية إلى التحصيل الضريبي.

خلال غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022، قامت مايكروسوفت وغوغل كلاود وAWS بتعليق خدماتها للكيانات الخاضعة للعقوبات، مع ضمان استمرار الدعم التقني للحكومة الأوكرانية وحلفائها — دون الحاجة لأي تدخل عسكري.
وهكذا، تُظهر هذه الشركات أن القرارات التجارية يمكن أن تخدم الأهداف الدبلوماسية، وتدعم قيم الحكم الديمقراطي عبر الابتكار والتكنولوجيا.

سباق البنية التحتية الرقمية بين واشنطن وبكين

تُهدد التوسعات الرقمية العدوانية للصين القيادة التكنولوجية الأمريكية وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الناشئة. فقد استخدمت بكين الاستثمار في البنية التحتية كسلاح اقتصادي لإنشاء مناطق نفوذ مغلقة أمام الشركات الأمريكية.
فعندما تبني هواوي شبكة الجيل الرابع (4G) في إحدى الدول، تخسر الشركات الأمريكية تلقائيًا سوق خدمات الهواتف المحمولة والحوسبة السحابية والمدفوعات الرقمية في تلك الدولة.

هذه المنافسة في البنية التحتية تحدد ما إذا كانت الشركات الأمريكية ستصل إلى 3 مليارات مستخدم جديد في الأسواق النامية، وما إذا كانت المعايير التقنية الأمريكية ستظل هي المهيمنة على الاقتصاد الرقمي العالمي.
خسارة هذا السباق تعني ببساطة التنازل عن السيطرة على أسرع الاقتصادات نموًا في العالم لصالح الصين.

من خلال مبادرة "طريق الحرير الرقمي"، استثمرت الصين 79 مليار دولار بحلول عام 2018، مع استمرار ضخ الاستثمارات الكبرى منذ ذلك الحين.
وتُسيطر هواوي على 70% من شبكات الجيل الرابع في إفريقيا، مما أدى إلى نشوء أسواق خاضعة للهيمنة الصينية عبر القارة.
هذه الشبكات لا تكتفي باستخدام موردين صينيين حصريين، بل تشترط أيضًا توجيه البيانات لمعالجتها عبر الأنظمة الصينية في بكين.
حتى أن زيمبابوي وافقت على مشاركة بيانات الوجه مع شركة CloudWalk الصينية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها — مثال صارخ على تبادل البيانات مقابل التكنولوجيا.

كل صفقة بنية تحتية تفوز بها الصين تغلق السوق أمام الشركات الأمريكية لعقود طويلة، لأن الانتقال من معدات هواوي إلى أنظمة أمريكية يصبح مكلفًا للغاية اقتصاديًا وتقنيًا.


الرد الأمريكي: الابتكار التجاري بدل الإقصاء السياسي

تواجه الشركات الأمريكية هذا التحدي من خلال الابتكار والمنافسة التجارية المفتوحة.
فقد أنشأت ألفابت (غوغل) كابل الإنترنت البحري Equiano بقيمة مليار دولار، الذي زاد من سعة الإنترنت في غرب إفريقيا بمقدار 20 ضعفًا وساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بمقدار 7 مليارات دولار — مما فتح أسواقًا جديدة أمام الأعمال الأمريكية.

كما توفّر خدمات AWS وMicrosoft Azure حلولًا سحابية تتيح للدول بناء اقتصادات رقمية تبقى منفتحة على الشركات الأمريكية.
أما أطر الذكاء الاصطناعي مثل TensorFlow (من غوغل) وLlama (من ميتا) فترسّخ المعايير الأمريكية في الذكاء الاصطناعي عالميًا من خلال اعتمادها الطوعي من قبل ملايين المطورين.

وقد توسّعت ميتا في توفير نموذج Llama للمؤسسات الدفاعية في الناتو والاتحاد الأوروبي والدول الحليفة، لتكوين بنية تحتية ذكائية مشتركة بين الديمقراطيات تستبعد النفوذ الصيني وتُعزز التعاون التقني الغربي.

هذه الاستثمارات لا تدعم فقط النمو الاقتصادي الأمريكي، بل تحافظ على انفتاح الأسواق الناشئة أمام الابتكار الحر، وتمنع الصين من احتكار مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

الدافع التجاري الأمريكي مقابل التوجيه الحكومي الصيني

تنجح الشركات الأمريكية بفضل دوافع السوق أكثر مما تفعل البرامج الحكومية.
فهي تستثمر في أسواق نامية مثل إفريقيا، المتوقع أن تصل قيمتها إلى 712 مليار دولار بحلول عام 2050، وتسعى للفوز بها عبر التكنولوجيا المتفوقة والشفافية بدلاً من الشروط السياسية.
من خلال البرمجيات مفتوحة المصدر، تنشئ هذه الشركات مجتمعات مطورين عالمية مدرّبة على المنصات الأمريكية، ما يرسّخ النفوذ التقني الأمريكي على المدى الطويل.

وبينما تسعى هذه الشركات لتحقيق الأرباح، فإنها في الوقت نفسه تحمي المصالح الاقتصادية الوطنية للولايات المتحدة عبر إبقاء الأسواق الناشئة منفتحة على المنافسة الأمريكية ومنع الاحتكار الصيني للبنية التحتية الرقمية.


التقنيات مزدوجة الاستخدام والأمن القومي الأمريكي

تستثمر شركات التكنولوجيا الأمريكية أكثر من 200 مليار دولار سنويًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمّية، وأشباه الموصلات المتقدمة — وهي تقنيات تشكل أساس التفوق العسكري الحديث.
تُنتج هذه الاستثمارات ما يُعرف بـ "عائد الاستخدام المزدوج"، إذ تستفيد وزارة الدفاع الأمريكية من قدرات تم تطويرها تجاريًا دون الحاجة إلى تمويل حكومي مباشر، في حين توسّع الشركات نطاق ابتكاراتها لتشمل التطبيقات الدفاعية.
وهذا النموذج يعزز في آنٍ واحد التنافسية الاقتصادية والأمن القومي الأمريكي دون الحاجة إلى مسارات تطوير منفصلة.


التكنولوجيا التجارية كأساس للابتكار الدفاعي

يُتيح الذكاء الاصطناعي لأنظمة الدفاع معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق قدرات الإنسان.
يمكن للخوارزميات فحص صور الأقمار الصناعية لمساحات شاسعة لتحديد تحركات المركبات العسكرية، وتحليل ملايين الاتصالات لاكتشاف الهجمات المحتملة، والتنبؤ بالأعطال في المعدات قبل حدوثها.
بهذه القدرات، تستطيع القوات الأمريكية رصد التحركات البحرية الصينية في المحيط الهادئ، ومتابعة الشبكات الإرهابية عبر البصمات الرقمية، وصيانة طائراتها بكفاءة عالية.

كما تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها في تسريع اكتشاف الأدوية للأمن البيولوجي وتحسين سلاسل الإمداد العسكرية.

أما الحوسبة الكمّية فتمثل تهديدًا وفرصة في آنٍ واحد.
فهي قادرة على كسر التشفيرات الحالية التي تحمي الاتصالات العسكرية والأنظمة المالية، إذ يمكنها حل المسائل الرياضية التي تستغرق مليارات السنين بالحواسيب التقليدية خلال ساعات قليلة فقط.
تستثمر الصين 15 مليار دولار في أبحاث الكمّ، مدّعية تحقيق تقدّم قد يهدد التفوق الأمريكي.
في المقابل، خصصت الولايات المتحدة 1.2 مليار دولار بموجب قانون المبادرة الكمّية الوطنية لعام 2018، لكن القدرات الكمّية الأمريكية الحقيقية تأتي من القطاع التجاري — من شركات مثل IBM وAlphabet وغيرها.

ولا تقتصر التطبيقات على التشفير، بل تشمل تصميم مواد جديدة للطائرات الأسرع من الصوت، وتحسين الخدمات اللوجستية العالمية، وتطوير أنظمة تشفير كمّية لا يمكن اختراقها حتى بالحواسيب الكمّية نفسها.


أشباه الموصلات: العقل المحرك للتفوق التقني والعسكري

رغم أن الولايات المتحدة فقدت منذ عقود ريادتها في تصنيع الرقائق الإلكترونية لصالح آسيا، إلا أن شركاتها لا تزال تهيمن على تصميم المعالجات — وهو الجزء الأعلى قيمة في سلسلة الابتكار.
تستثمر شركات مثل إنفيديا، وآبل، وAMD مليارات الدولارات في تطوير هندسات جديدة للمعالجات تعزز قدرات الحوسبة، وتُكيّف القوات المسلحة الأمريكية هذه الابتكارات لاستخدامها في التطبيقات الدفاعية.


التكامل بين الابتكار التجاري والدفاعي

تُحرّك شركات التكنولوجيا الأمريكية التقدّم في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية وأشباه الموصلات من خلال البحث والتطوير التجاري، فيما يقوم الجيش الأمريكي بتكييف هذه التقنيات بدلاً من تمويلها من الصفر.
هذا الترتيب يخدم الطرفين:

  • فالشركات تحصل على عقود دفاعية وتحديات تقنية تدفعها نحو الابتكار.

  • بينما تحصل المؤسسة العسكرية على قدرات متقدمة لا يمكن لميزانيتها وحدها تمويلها.

وعلى عكس نموذج "الاندماج العسكري-المدني" الصيني الذي يُجبر الشركات على نقل التكنولوجيا إلى الجيش، تعتمد الولايات المتحدة على الابتكار الطوعي القائم على السوق، حيث يُنتج القطاع الخاص التقنيات التي يمكن للقوات المسلحة تبنيها لاحقًا.

الجدول 1: العقود الدفاعية الكبرى لشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة

الشركةالعقد أو البرنامجالقيمة التقديريةالمدةالحالةالتقنيات الأساسية
مايكروسوفت (Microsoft)نظام IVAS (نظارات الواقع المعزز AR)22 مليار دولار10 سنواتجاري نقله إلى شركة Andurilنظارات HoloLens بتقنية الواقع المعزز والمختلط
 عقد JWCC (الحوسبة السحابية المشتركة)حصة من 9 مليارات دولار2022–2028نشطخدمات سحابية عبر منصة Azure
 عقد CIA C2E (الحوسبة السحابية للاستخبارات)حصة من “عشرات المليارات”15 سنةنشطبنية سحابية متعددة السُحُب (Multi-Cloud)
أمازون (AWS)عقد NSA Wild & Stormy10 مليارات دولار10 سنواتنشط (مزود وحيد)بنية سحابية سرية عالية الأمان
 عقد JWCCحصة من 9 مليارات دولار2022–2028نشطحوسبة سحابية
 عقد CIA C2Eحصة من “عشرات المليارات”15 سنةنشطخدمات استخبارات سحابية
 عقد CIA C2S (الجيل السابق)600 مليون دولار2013–2023مكتملأول عقد سحابي كبير لوكالات الاستخبارات الأمريكية
ألفابت (غوغل)عقد JWCCحصة من 9 مليارات دولار2022–2028نشطخدمات سحابية
 عقد CIA C2Eحصة من “عشرات المليارات”15 سنةنشطمنصة متعددة السُحُب
 عقد CDAO للذكاء الاصطناعي200 مليون دولار2025–2026نشطقدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Frontier AI)
ميتا (Meta)شراكة مع Andurilقيد التحديدقيد التطويرقيد التفاوضأنظمة قتال بتقنيات الواقع المعزز والافتراضي (AR/VR)
 Llama للدفاعمفتوح المصدرمستمرمتاحنماذج لغوية للذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر
آبل (Apple)تحالف FlexTechمشاركة محدودة2015 – حتى الآنمشاركة محدودةأبحاث الإلكترونيات المرنة

تكييف المنصات التجارية للاستخدام العسكري

تحوّل استخدام التقنيات التجارية في المجال العسكري من ممارسة عرضية إلى ضرورة إستراتيجية.
فأنظمة الدفاع الحديثة باتت تدمج بشكل متزايد تكنولوجيات طُورت أصلًا للأسواق المدنية، بعد تعديلها وتحصينها لتناسب متطلبات الاستخدام العسكري، مما يسمح باستغلال مليارات الدولارات من أبحاث القطاع الخاص وإضافة قدرات دفاعية متخصصة كان يتولاها سابقًا المقاولون العسكريون التقليديون.

الحوسبة السحابية العسكرية تمثل أبرز مثال على هذا الانتقال الناجح.
فعقد القدرة السحابية المشتركة للعمليات القتالية (JWCC)، بقيمة تصل إلى 9 مليارات دولار حتى عام 2028، يعتمد كليًا على مزودين تجاريين مثل AWS، Microsoft Azure، Google Cloud، وOracle Cloud Infrastructure.
كل شركة تقدم خبرتها الخاصة:

  • AWS تمتلك خبرة تشغيل أنظمة وكالة الاستخبارات المركزية منذ عام 2013.

  • Azure طورت أدوات تكامل مؤسسي لخدمة شركات Fortune 500.

  • ألفابت (غوغل) تقدم خدمات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من تطبيقاتها الاستهلاكية.

  • أوراكل (Oracle) توفر تقنيات قواعد البيانات المستخدمة في الأنظمة المالية العالمية.

هذا النموذج متعدد المزودين يمنح مرونة أعلى ويمنع الاعتماد على طرف واحد، مع الحفاظ على المنافسة والابتكار في العقود الدفاعية.


نظارات مايكروسوفت IVAS: دروس في التكيّف السريع

يجسّد نظام IVAS التابع لـ مايكروسوفت، المبني على نظارات HoloLens 2 للواقع المعزز، مثالًا حيًا على تكييف التكنولوجيا الاستهلاكية للقتال.
يهدف النظام إلى منح الجنود رؤية ميدانية محسّنة عبر التصوير الحراري والملاحة والخرائط التكتيكية.
ورغم أن النسخ الأولى واجهت مشكلات في الراحة والموثوقية، فإن البنية التجارية للنظام سمحت بإجراء تحسينات سريعة عبر دورات تطوير متتالية.
ففي النسخة 1.2، أُدخلت تحسينات في التصميم والاستجابة، ومع إعادة هيكلة البرنامج عام 2025، أصبح المشروع نموذجًا لقدرة القطاع التجاري على تقديم حلول متقدمة أسرع من التطوير العسكري التقليدي.


الذكاء الاصطناعي: من السيارات الذاتية إلى الطائرات القتالية

يُعتبر الذكاء الاصطناعي اليوم المجال الأبرز في نقل التكنولوجيا التجارية إلى الدفاع.
مشروع Maven، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الطائرات المسيّرة وتحديد الأهداف، بدأ بمشاركة مثيرة للجدل من غوغل، لكنه تطوّر إلى تعاون واسع يضم غوغل، مايكروسوفت، أمازون، Palantir، وشركات متخصصة أخرى.
تُكيَّف خوارزميات الرؤية الحاسوبية المطوّرة أصلاً للسيارات الذاتية والتصوير الطبي والهواتف الذكية لتُستخدم في الاستخبارات والمراقبة العسكرية، مدعومةً بالبنى التحتية والأطر البرمجية التجارية التي تُسرّع دمج الذكاء الاصطناعي في الدفاع.


الرقائق الإلكترونية: القلب التجاري للتقنيات العسكرية

تعتمد المنصات العسكرية الحديثة على آلاف المعالجات المصنعة في المصانع التجارية نفسها التي تنتج إلكترونيات المستهلكين.
على سبيل المثال، تعتمد أنظمة المقاتلة F-35 بالكامل على رقائق تُصنَّع جنبًا إلى جنب مع الأجهزة المدنية.
وعندما تحتاج الأنظمة العسكرية إلى معالجات خاصة مقاومة للإشعاع في الفضاء، تقوم المصانع التجارية بتعديل عملياتها القياسية بدل إنشاء خطوط إنتاج عسكرية مخصصة — ما يمنح الجيش وصولًا لأحدث التقنيات بتكلفة أقل.


تأثيرات الانتشار في القطاعات الإستراتيجية الأخرى

على عكس نصيحة الرئيس التنفيذي السابق لشركة GE “جاك ويلش” الذي دعا الشركات للتركيز على مجالات تفوقها، تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى نحو مجالات لا تهيمن عليها — مثل الرعاية الصحية، والمواد، والزراعة، والمناخ، والطاقة النووية.
تستفيد هذه المبادرات من الذكاء الاصطناعي والبنى الحاسوبية الفائقة لمعالجة مشكلات عالمية معقدة، مولّدة تأثيرات انتشار معرفي واقتصادي تفيد قطاعات بأكملها.


الرعاية الصحية والبحث الطبي الحيوي

تغيّر النماذج الحاسوبية قواعد اللعبة في الطب.
فبينما استغرق مشروع Protein Structure Initiative عقدًا من الزمن و1.4 مليار دولار لتحديد 13,000 بنية بروتينية، تنبأ AlphaFold بـ 200 مليون بنية في 18 شهرًا فقط — إنجاز يعادل قرونًا من العمل المختبري.
وبفضل نشر قاعدة البيانات مجانًا، يستخدمها اليوم أكثر من 500,000 باحث حول العالم، بمعدل 17 بحثًا جديدًا يوميًا في 2024.

وفي المقابل، طورت مايكروسوفت أنظمة ذكاء اصطناعي فحصت 32.6 مليون مادة محتملة للبطاريات في 80 ساعة فقط — مهمة كانت ستستغرق عقودًا بالطريقة التقليدية.
كما حسّنت خوارزمياتها اكتشاف مثبطات فعالة لعلاج السل بمقدار 125 ضعفًا مقارنة بالفحص العشوائي.

أما آبل، فقد حوّلت أجهزتها إلى أدوات بحث طبي واسعة النطاق.
ففي دراسة Apple Heart Study، شارك 400,000 متطوع في ثمانية أشهر، وتمكّن النظام من كشف الرجفان الأذيني بدقة 84% — ما يمثل ثورة في منهجية التجارب الطبية الرقمية.


التصنيع وعلوم المواد

باستخدام الذكاء الاصطناعي، تجاوزت DeepMind حدود المختبرات الفيزيائية عبر نموذجها GNoME الذي اكتشف 2.2 مليون بنية بلورية جديدة افتراضيًا، منها 380,000 مادة مستقرة و528 موصلًا لأيونات الليثيوم أساسية لتقنيات البطاريات.
وقد تم تحقق مختبري لـ736 مادة من بين النتائج، وأضيفت الاكتشافات إلى قاعدة بيانات Materials Project المفتوحة، ما زاد نطاق المواد المعروفة عشرة أضعاف.

أما Microsoft MatterGen، فيُولّد مواد جديدة بخصائص محددة مسبقًا — بما في ذلك مواد أقوى من الألماس (بمؤشر صلابة يتجاوز 400 غيغاباسكال).
إتاحة هذه النماذج كمصدر مفتوح تجعل اكتشاف المواد المتقدمة متاحًا حتى للمؤسسات الصغيرة.


الزراعة والأمن الغذائي

تواجه الزراعة الحديثة فجوة معرفية بين البحث العلمي والممارسات الميدانية.
تتسبب الأمراض النباتية في خسائر 20–40% من المحاصيل سنويًا، بتكلفة عالمية تتجاوز 220 مليار دولار.
طورت غوغل تطبيقًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف أمراض نبات الكاسافا بدقة 98% باستخدام كاميرات الهواتف المحمولة، والأهم أنه يعمل دون اتصال بالإنترنت عبر TensorFlow Lite، ما سمح بتطبيقه في المناطق الريفية.
ساهمت هذه الأداة في منع خسائر بقيمة 60 مليون دولار في شرق إفريقيا.

كما قدمت مايكروسوفت نظام FarmBeats المفتوح الذي قلل استهلاك المياه بنسبة 30% دون خفض الإنتاجية.
وبفضل نشر التصاميم والمواصفات، تمكّنت الجامعات الزراعية من بناء النظم محليًا، ليصل المشروع إلى 10,000 مزرعة في الهند وإفريقيا.


البيئة والمناخ

طوّرت DeepMind نموذج GraphCast الذي يتفوق في دقته على المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية (ECMWF)، مع قدرته على إنتاج توقعات لعشرة أيام خلال أقل من دقيقة على حاسوب واحد.
إتاحة هذا النموذج كمصدر مفتوح مكنت الدول النامية من التنبؤ بالأعاصير والكوارث دون بنية تحتية باهظة.
كما نجحت خوارزميات غوغل في خفض استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بنسبة 40%، وشاركت المنهجية علنًا، مما مكّن المنافسين من تحقيق تحسينات بنسبة 20–30% إضافية — خطوة تسهم في تقليل البصمة الكربونية العالمية لقطاع التقنية.


الطاقة النووية والابتكار الصناعي

برزت شركات التكنولوجيا كـ داعم رئيسي لإحياء الطاقة النووية المتقدمة في الولايات المتحدة.

  • وقّعت ألفابت اتفاقًا مع Kairos Power لبناء 6–7 مفاعلات نووية صغيرة (SMRs) بين عامي 2030 و2035.

  • استثمرت أمازون في شركة X-energy بنحو 500 مليون دولار.

  • ساهمت مايكروسوفت في إعادة تشغيل مفاعل Three Mile Island عبر اتفاق شراء طاقة لمدة 20 عامًا.

هذه الاستثمارات توفّر الطلب المبكر الضروري لتوسيع إنتاج المفاعلات الصغيرة، التي تُعد الطريق الواقعي الوحيد لزيادة الطاقة النووية بحسب ITIF.
كما يمكن لهذه المفاعلات تزويد الصناعات الثقيلة بالطاقة الحرارية، ما يفتح المجال لـ إزالة الكربون من قطاعات النفط والبتروكيماويات والتحلية.


النقل والحركة الحضرية

تواجه المركبات الذاتية تحدي “المفارقة التجريبية”: إثبات الأمان يتطلب مليارات الكيلومترات من القيادة الحقيقية، وهو أمر مستحيل دون تعريض الأرواح للخطر.
لكن Waymo حلّت جزءًا من هذا التحدي بمشاركة بياناتها ومنهجيات السلامة بعد 71 مليون ميل من القيادة، ما مكّن منافسين مثل Cruise وAurora من تسريع تطويرهم لسنوات.
ونتج عن ذلك انخفاض بنسبة 85% في الحوادث المسببة لإصابات مقارنة بالسائقين البشر.

في مجال اللوجستيات، تمثل عمليات التوصيل في الميل الأخير 28% من تكاليف النقل.
نُشرت خوارزميات التوجيه الخاصة بـ أمازون، مما مكن شركات مثل UPS وFedEx من تخفيض أوقات التسليم بنسبة 15–20% وتقليل استهلاك الوقود بنسبة 12% — أي أن الأثر التراكمي على الصناعة يفوق مكاسب أمازون نفسها.


اختراقات الحوسبة الكمّية

رغم كونها في مراحلها المبكرة، تحقق الحوسبة الكمّية قفزات مذهلة بفضل شركات التكنولوجيا.
أنشأت ألفابت ما يُعرف بـ بلورات الزمن — مادة في حركة دائمة دون طاقة خارجية — وهو اكتشاف فيزيائي جديد يُستخدم لتطوير ذاكرة كمّية مستقرة.
ونُشرت البروتوكولات علنًا في مجلة Nature، ما سمح بتكرار النتائج في ستانفورد وأوكسفورد.

أما مايكروسوفت فاستثمرت على مدى عقود في كيوبتات طوبولوجية تعتمد على أنماط Majorana Zero Modes، وشاركت نتائجها علنًا بدل احتكارها ببراءات اختراع.
هذه المقاربات المتوازية تزيد فرص الوصول إلى حوسبة كمّية مستقرة بالكامل، مع تطبيقات تمتد من تطوير الأدوية إلى التشفير المتقدم.


احتضان منظومة الشركات الناشئة

يُظهر النظام البيئي الأمريكي للابتكار تكاملاً متبادلًا بين الشركات الكبرى والناشئة.
فبينما تمتلك الشركات العملاقة رأس المال والبنية التحتية، تمتاز الشركات الناشئة بالمرونة والجرأة على المخاطرة.
يستغرق متوسط الشركة الناشئة اليوم 11 عامًا للوصول إلى الاكتتاب العام (IPO)، مقابل 5 سنوات فقط في عام 2000، مما يجعل الاستحواذات الإستراتيجية المسار الأكثر شيوعًا للخروج من السوق.
ففي عام 2024، كانت 83% من عمليات الخروج تتم عبر الاستحواذ، مقابل 11% فقط عبر الاكتتاب العام.

هذا التعاون بين الطرفين يولد منظومة ابتكار ديناميكية، حيث توفر الشركات الكبرى التمويل والبنية التحتية، بينما تقدم الشركات الناشئة الأفكار الجريئة — وهو مزيج يغذي استمرار القيادة التكنولوجية الأمريكية عالميًا.

الشكل 12: مخرجات الشركات الناشئة المليارية (يونيكورن) بين الاكتتابات العامة والاستحواذات، 2010–2024

خلق أسواق خروج جديدة وتوفير السيولة

تراجع مسار الطرح العام الأولي (IPO) بشكل حاد في الولايات المتحدة، إذ انخفض متوسط عدد الاكتتابات التقنية من 158 اكتتابًا سنويًا بين 1980 و2019 إلى 72 فقط في عام 2024، رغم أن الاستثمار الجريء بلغ 209 مليارات دولار في العام نفسه.
كما تضاعف الوقت اللازم لانتقال الشركة من أول تمويل استثماري إلى الاكتتاب العام من 3.8 سنوات في عام 2000 إلى أكثر من 8 سنوات حاليًا، ما أدى إلى أزمة سيولة خانقة.
فمن بين 741 شركة يونيكورن (ناشئة بقيمة تفوق المليار دولار) في الولايات المتحدة، لم تحقق سوى 15 منها عملية خروج خلال آخر 12 شهرًا — أي أن إزالة هذا التراكم تتطلب نظريًا 49 عامًا بالمعدلات الحالية.

في ظل هذه الأزمة، أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى بمثابة مزودي السيولة الرئيسيين في النظام الاستثماري.
تدير ألفابت عبر ذراعها GV أكثر من 700 استثمار، بينما تدعم مايكروسوفت M12 أكثر من 100 شركة منذ 2016.
ولا تقتصر مساهمتها على التمويل فقط، بل تضع معايير تقييم تسمح للمستثمرين الآخرين بتحديد القيمة السوقية للشركات.
فعلى سبيل المثال، أثبت استحواذ فيسبوك على إنستغرام مقابل مليار دولار في 2012 إمكانية الوصول إلى تقييمات ضخمة في سوق المنصات الاجتماعية.

كما تقدم برامج مثل AWS Activate دعمًا هيكليًا للشركات الناشئة بقيمة 7 مليارات دولار من أرصدة الحوسبة السحابية منذ 2013، استفادت منها أكثر من 330,000 شركة حول العالم — ما يسمح للمشروعات بتأجيل جولات التمويل المبكر مع مواصلة إثبات جدوى منتجاتها.


الاستحواذات ليست دائمًا “منطقة قتل” للمنافسة

يتهم بعض النقاد شركات التكنولوجيا بخلق ما يسمى "مناطق القتل" (Kill Zones)، حيث يتجنب المستثمرون تمويل شركات قد تنافسها.
لكن البيانات تنقض هذا التصور.
تشير الأبحاث إلى أن القطاعات التي شهدت استحواذات من الشركات الكبرى تجذب لاحقًا استثمارات أكبر، لأن عمليات الخروج الناجحة تثبت وجود فرص ربحية حقيقية.

فاستحواذ إنستغرام من قبل فيسبوك لم يقتل سوق المنصات الاجتماعية، بل فتح الباب أمام TikTok وTwitch ومنصات أخرى.
وبالمثل، لم يُلغِ استحواذ غوغل على YouTube المنافسة في مجال الفيديو، بل رسّخ السوق بأكمله.
صحيح أن بعض الصفقات قد تكون احتكارية، لكن البيانات الكلية تؤكد أن الاستحواذات ترتبط بزيادة تأسيس الشركات الناشئة لا بانخفاضها.


إنقاذ الشركات الناشئة الواعدة وتوسيع نطاقها العالمي

توفّر الاستحواذات الاستراتيجية طوق نجاة للشركات المتعثرة.
فعندما اشترت غوغل شركة YouTube عام 2006 مقابل 1.65 مليار دولار، كانت الأخيرة تخسر مليون دولار شهريًا بسبب تكاليف النطاق الترددي ومهددة بدعاوى حقوق نشر.
أتاحت بنية غوغل التحتية حل تلك الأزمات، فتحولت المنصة إلى عملاق عالمي يحقق 50 مليار دولار سنويًا من الإعلانات والاشتراكات.

الأمر نفسه حدث مع Android: فقد استحوذت غوغل على الشركة عام 2005 مقابل 50 مليون دولار فقط بينما كانت على وشك الإفلاس.
اليوم، يُشغّل النظام 71% من هواتف العالم الذكية ويغذي اقتصاد تطبيقات يتجاوز مئات المليارات سنويًا.

وعلى النقيض، أدت الصفقات الممنوعة إلى نتائج كارثية.
فحين منع الاتحاد الأوروبي استحواذ أمازون على iRobot مقابل 1.7 مليار دولار في 2024، انهارت الشركة خلال أشهر، وخسرت 572 وظيفة (51% من العاملين)، وسجّلت خسائر بقيمة 145 مليون دولار، وبدأت البحث عن مشترٍ لتجنب الإفلاس.
كانت iRobot رائدة في الروبوتات المنزلية، لكنها فقدت سوقها لصالح المنافسين الصينيين Ecovacs وRoborock.

كما أدى حظر استحواذ Nvidia على ARM إلى تسريح 1,000 موظف، بينما أوقفت الصين صفقة Qualcomm-NXP بقيمة 44 مليار دولار لتعطيل اندماج الشركات الأمريكية في مجال رقائق السيارات، مما مكّن المنافسين الصينيين من التقدم.

ليست كل الصفقات ناجحة، لكن الخسائر الناتجة عن المنع التنظيمي تُظهر أن القوانين الحالية — المصممة لعصر الصناعة التقليدية — لا تناسب واقع المنافسة التقنية الحديثة.
فتدريب النماذج الذكية وتصنيع الرقائق وبناء البنى السحابية تتطلب حجمًا واستثمارًا ضخمًا لا يمكن تحقيقه دون تكامل استراتيجي.

من هنا تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر توازنًا تميّز بين الاستحواذات الاحتكارية وتلك التي تحفّز الابتكار العالمي وتحتاج إلى رأس مال صبور وبنية تحتية هائلة.


القوة الناعمة الأميركية في العصر الرقمي

خلال الحرب الباردة، فازت الولايات المتحدة بجاذبيتها الثقافية قبل تفوقها العسكري — من موسيقى الجاز إلى هوليوود وإذاعات صوت أمريكا التي كسرت عزلة الشعوب خلف الستار الحديدي.
اليوم، تعود المنافسة الأيديولوجية مع الصين، لكن هذه المرة من خلال البنية التحتية الرقمية والثقافة التقنية.

فبينما خفّضت واشنطن مساعداتها الخارجية بنسبة 92%، تضخّ الصين مليارات الدولارات في مشروع "طريق الحرير الرقمي"، مستخدمة استثمارات الاتصالات والمنصات الإلكترونية لربط الدول النامية بنظمها التقنية.

في المقابل، تقوم شركات التكنولوجيا الأمريكية بدور دبلوماسي غير رسمي — فعندما تعتمد الدول على منصات مثل Google، Meta، Microsoft، أو Amazon، فإنها تتبنى ضمنيًا نظم الحوكمة والانفتاح والشفافية المدمجة في نماذج هذه الشركات.
هكذا، تنتشر القيم الأمريكية — حرية التعبير، ريادة الأعمال، وسيادة القانون — من خلال التكنولوجيا نفسها.


الثقافة والسرد العالمي

تُعد الهيمنة الثقافية الرقمية أداة رئيسية في القوة الناعمة الأمريكية.
فمنصات مثل Facebook (3.07 مليار مستخدم) وYouTube (2.54 مليار) وInstagram (2 مليار) تتفوّق بأضعاف على نظيراتها الصينية.
ويُستخدم WhatsApp في 73% من الدول متوسطة الدخل مقابل 36% فقط لتطبيق TikTok.

يُقدَّر حجم اقتصاد صُنّاع المحتوى العالمي بـ150 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.1 تريليون دولار بحلول 2034.
كما تُظهر الدراسات أن المحتوى المنشور باللغة الإنجليزية يستحوذ على نصف الإنترنت تقريبًا، حيث يسعى المبدعون حول العالم إلى إنتاج محتوى موجه للأسواق الأمريكية لتعظيم الأرباح.

وتُهيمن Netflix على المشهد الترفيهي، حيث يشاهد 277 مليون مشترك عالميًا أكثر من 60% من محتواها الأمريكي المنشأ.
بهذه الطريقة، تغدو المنصات الخاصة أدوات دبلوماسية ثقافية تفوق فعالية البرامج الحكومية.

لكن هيمنة TikTok السريعة تذكّر بأن ميزان التأثير يمكن أن يتغير بسرعة — مما يجعل دعم المنصات الأمريكية مسألة أمن ثقافي واستراتيجي، لا مجرد نشاط تجاري.


البدائل التنموية: عندما تحل التكنولوجيا محل المساعدات الخارجية

لطالما خُصصت المساعدات الأمريكية لتعزيز الاستقرار، وبناء الشراكات، وفتح الأسواق.
أما اليوم، فالشركات الأمريكية تحقق الأهداف نفسها دون كلفة على دافع الضرائب.
فمن خلال مبادرات مثل:

  • فحص غوغل الصحي الذي شمل 600 ألف شخص للكشف عن اعتلال الشبكية السكري، مع خطط للوصول إلى 3 ملايين فحص في الهند وتايلاند.

  • استثمار مايكروسوفت 165 مليون دولار في برنامج AI for Good عبر 72 دولة لبناء مهارات رقمية وحلول صحية.

  • أنظمة الدفع الرقمية مثل M-Pesa التي مكّنت في كينيا 185,000 امرأة من الانتقال من الزراعة إلى ريادة الأعمال وخفّضت الفقر المدقع بنسبة 22%.

ورغم أن هذه المشاريع لا تحل محل المساعدات الحكومية، إلا أنها تحقق أهدافًا إستراتيجية بتكلفة صفرية تقريبًا، وتُبقي النفوذ الأمريكي حاضرًا في المناطق التي انسحب منها التمويل العام.


رؤية شاملة: ما وراء “قمة جبل الجليد”

تركّز النقاشات السياسية حول التكنولوجيا الكبرى على الأضرار المحتملة — من الخصوصية إلى الاحتكار — لكنها تتجاهل الفوائد الضخمة التي تولدها هذه الشركات خارج أنشطتها التجارية المباشرة.
فأبحاثها تخلق معرفة تنتشر عبر الاقتصاد، واستثماراتها في البنية التحتية تدعم آلاف الشركات، وبرامجها التعليمية تُكوّن أجيالًا من الكفاءات الرقمية.

السياسات الحالية تقيس السلبيات فقط دون احتساب هذه الإيجابيات النظامية.
فتقليص استثمارات البحث بنسبة 10% مثلًا قد يبدو إنجازًا ضريبيًا قصير المدى، لكنه يحرم الاقتصاد من مليارات الدولارات في الفوائد المعرفية والابتكارية.

في عالم تنافسي تقوده الصين وأوروبا وفق استراتيجيات منسقة، فإن عدم احتساب هذه الفوائد يعني تقويض أحد أعمدة التفوق الأمريكي.
لذلك، يحتاج صانعو السياسات إلى إعادة تقييم شاملة تعتمد على تحليل التكاليف والفوائد الكامل، يشمل الانتشار الابتكاري، وتطوير البنى التحتية، وتنمية القوى العاملة — لا الاكتفاء بالهواجس التنظيمية الضيقة.

تُظهر السياسات التنظيمية الحالية تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى انحيازًا واضحًا نحو تقييم المخاطر وتجاهل المساهمات التي تشكل أساس الريادة الاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة.
فبينما يركّز صانعو القرار على قضايا الاحتكار والخصوصية، يغفلون عن التأثيرات الإيجابية الموثقة — من الأبحاث التي تنتشر عبر مختلف القطاعات، إلى الاستثمارات في البنية التحتية التي تمكّن آلاف الشركات، وصولًا إلى برامج التدريب التي تبني قدرات وطنية حرجة في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم الرقمية.

هذا المنظور غير الكامل ينطوي على مخاطر حقيقية.
فالقوانين التي تُصاغ لمعالجة مشاكل ضيقة قد تُلحق ضررًا بنظام الابتكار بأكمله — من خلال إلغاء مليارات الدولارات من الفوائد المنتشرة، أو تقويض مشاريع البنية التحتية الحيوية، أو إضعاف المنظومة التي تجعل الولايات المتحدة متميزة عن منافسيها.

وفي الوقت الذي تستخدم فيه الصين شركاتها التقنية كأذرع تنموية وطنية، وتتبنى أوروبا سياسات تقييدية تحد من نمو الشركات الأمريكية، فإن تجاهل الدور الاستراتيجي للتكنولوجيا الأمريكية الكبرى يعادل تفكيكًا ذاتيًا للقوة الاقتصادية للولايات المتحدة.

لذلك، فإن السياسات الفعالة يجب أن تقوم على تقييم شامل للآثار الكاملة للقرارات التنظيمية، بحيث تتضمن انتشار الابتكار، وتطوير البنية التحتية، وتنمية رأس المال البشري إلى جانب المقاييس التقليدية كالأسواق والمنافسة.

فالاختيار الحقيقي ليس بين الانفلات من التنظيم أو التشدد المفرط، بل بين سياسات واعية تحافظ على الآثار الإيجابية وتوازن بين الرقابة والنمو، وبين قيود متسرعة تُضحّي بالتنافسية طويلة الأمد مقابل مكاسب سياسية قصيرة المدى.

المصدر

مقالات ذات صلة